أين اختفى المخترعون والمكتشفون والزعماء (الكاريزميّون) ؟

الى قبل مائة عام تقريبا، كانت المخترعات العلمية مثل اختراع المصباح، وسكة الحديد، والراديو، والعلاجات، تُنسب الى اشخاص، وتُسجّل براءات الاختراع بأسمائهم، حتى برزت أسماء مثل غاليلو، ماركوني، أديسون، فاننا اليوم يندر ان نجد سبْقا علميا يسجّل باسم شخص، بل باسم شركات عملاقة وخزانات تفكير عالمية، مثل التطور الهائل في الموبايل، والحاسوب، والأدوية.

 

على عكس العلم، تتحول السياسة الحديثة الى طابع خصوصي على نحو متزايد، وتنطبع الأنظمة السياسية، والأحزاب،

بخصلة الزعيم، لا سيما في دول العالم الثالث، فيما تتراجع الأيديولوجيات وتُهمّش المؤسساتية.

 

في العراق، يركّز الناس كثيرا على الصفات الذاتية للزعماء السياسيين، وما يساعد على ذلك، ان مناهج الأحزاب، تخلو من المؤتمرات الانتخابية المفتوحة التي تجدّد زعماءها واعضاؤها فيما هي تنطبع بمزايا القيادات.

 

السياسي العربي، بشكل عام، منغلق، ولا يجيد الانفتاح على الجمهور، وهو غامض ومتنافر في نظر المواطنين، على عكس السياسيين الغربيين الذي يمتازون بالبساطة في الحياة اليومية، ويجيدون العمل الجمعي، وقد لعبت الأوضاع الأمنية والسياسية المتوترة والارث الاجتماعي المتجذر، دورا في خلق سياسيين انفراديين، على هذا النمط من التعقيد.

في مثال واضح يعزّز القصد، فان زعماء مثل برلسكوني وجون كيري وجورج دبليو بوش واوباما، حصلوا على درجات تقييم عالية في مؤشرات الطاقة الإيجابية والعمل ضمن المنظومة، وفق استطلاعات غربية.

 

في كتابه “الديمقراطية في التراجع” يرسم الكاتب جوشوا كورلانتزيك، صورة متشائمة لآفاق الديمقراطية في العالم، اذا لم تكن اكثر تواضعًا، واكثر جَماعيّة، مرجعا أسباب فشل الربيع العربي الى القراءة السطحية للكيفية التي تتطور خلالها الديمقراطية، فضلا عن الغرور الذي لازم الحركات الاحتجاجية، والانفرادية، والانغماس كثيرا في الطابع الفرداني لتلك الثورات، في رجعية واضحة بأسلوب العمل.

 

يكتب صمويل هنتنغتون، عن انه وبعد كل موجة من الدمقرطة، تبرز موجة عكسية تعود ببعض البلدان إلى الحكم غير الديمقراطي.

وأحد أسباب ذلك هو شخصنة الصراع، فثمة استهداف واضح لأشخاص، اذا ما سقطوا توقفت آلية التغيير، والعكس صحيح أيضا، اذ تستهدف الأنظمة أيضا أشخاصا في التظاهرات، ظنا منها ان ذلك ينهي الاحتجاجات.

 

لم ينجح الربيع الأوروبي (1848)، في ارساء الديمقراطية، لانها استنفرت فعالياتها نحو اسقاط رموز، على ايدي

حركات انطبعت بأسماء افراد، حتى استغرق الأمر قرنًا آخر من إراقة الدماء للتخلص من هذه المعضلة.

 

وفي الاتحاد السوفيتي، احتكر الثورة البلشفية، قادة تحولوا الى رموز مقدسة، وقد أدى ذلك الى الكثير من أسباب الفشل، فيما نجحت الحركات الثورية في الولايات المتحدة بعد ستينيات القرن الماضي من الحصول على حقوق كاملة ومتساوية، عبر ثورات انتخابية تمنح حق التصويت، انجبت أحزابا تؤمن بالشمولية والمؤسساتية في العمل والإنتاج. وإذا كانت الحرية الشخصية، هي السلعة الأهم للفردانية، فانّ الأمر لا ينطبق على الانفرادية في السياسة.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
805متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

احتكار “شرعية تمثيل الطائفة” سياسيا

عقب اعلان نتائج الانتخابات ، التي تفرز الرابح من الخاسر ، تعودنا ان يبادر الطرف الفائز داخل البيت السياسي الشيعي، (الذي يحتكر الاغلبية العددية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قادة عراق اليوم.. أين أنتم من قادة عراق الأمس الميامين؟)..

ـ الزعيم عبد الكريم قاسم! 1 ـ كان يسكن مع أهله في دار للإيجار.. ثم بعد أن أصبح برتبة عقيد انتقل للسكن ببيت مؤجر من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ماذا في جعبة مقتدى الصدر … للعراقيين !

الندم ثم الندم ثم الندم كان شعور كل سياسي حقيقي لديه ثوابت ويحمل ويتبنى قيم ومباديء العمل السياسي الحقة تولى المسؤولية في عراق ما...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المتحف الوطني للفن الحديث بين الإهمال والسراق

المتحف الوطني للفن الحديث لمن لا يعرفه، يعد قسماً من أقسام دائرة الفنون العامة، التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار، ويقع في الطابق الأول من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

طريق العبيد و ليس طريق الحرير

قال وزير المالية في ندوة إقتصادية بتاريخ 3 تشرين الأول 2020 على قاعة دار الضيافة لرئاسة مجلس الوزراء "أن هنالك 250 مليار دولار سرقت...

ماساة التعليم واستهداف الكفاءات والهجرة القسرية.. من المسؤول عنها؟

تشير الوقائع والاحداث إلى أن العراق هو حلقة الصراع الأكثر شهرة في العالم والأزمات الإنسانية والتعليمية المستفحلة الأقل شهرة او إثارة لاهتمام العالم الرسمي...