الإثنين 23 مايو 2022
29 C
بغداد

أيها العراقي فكّر مرتين وثلاث قبل الأقدام على الأنجاب !.

قد يفسّر القارئ الكريم ، عنوان مقالتي على أنها دعوة للعزوف عن الزواج (الموجودة أصلا) ، لكن معاذ الله أن أخالف طبيعة وفطرة أساسية خلقها الله للبشر ، بل لكل كائن حي ، وأبرئ ذمتي أمام الله ، لكني أرى أن الدافع الأول للزاوج لدى غالبية الشباب لدينا ، هو لتلبية الغريزة أولا ، ثم ليأتي بعد ذلك ما يأتي ، وأنا أرى قرار الزواج يغيب عنه التخطيط الطويل الأمد ، لا أنكر أهمية الزواج من ناحية الحفاظ على النوع ، وما يكرّسه من استقرار للشباب لبناء اسرة متماسكة وهي حجر الزاوية لدولة مستقرة وناجحة أيضا ، لكن بشرط ، أن يُبنى على اسس متينة ، لا أراها متوفرة في البلد !.

كثيرٌ ما ننتقد الأفارقة ، ونحن نشاهد أخبار جوعهم ، فبأمكانك احصاء أضلع أطفالهم على بعد أمتار ، فطعامهم ما يتبقى من لحاء الأشجار ، كلنا يلقي الذنب على آبائهم ، كيف انجبوهم في أرض الجوع ؟ اية أنانية هذه ، أن يلبون غرائزهم الحيوانية ، دون ادنى اعتبار للمستقبل وعلى حساب ذرياتهم ؟ ، فهم لا يختلفون عن الحيوانات ، فهي لا تفكر بالمستقبل ، على خلاف الأنسان ، لأن الله خلق لنا العقل مع الغريزة ، لهذا صار الأنسان انسانا ، وأرى أننا صرنا لا نختلف كثيرا عن أولئك الأفارقة !.

الثمرة الحقيقية للزواج طويلة الأمد ، هي أن ترى جذورك تمتد في أرض صالحة طيبة ، وليست أرضا بورا وسبخة ومسمومة ، فلا شيء أقسى وأمرّ من أمل ترعرع ذريتكم لسنوات وجهد جهيد ، لترونه وهو يذوي في لحظات ، أن لا ينتهي المطاف بفلذات أكبادكم ، غرقى في البحار ، كلاجئ ترك كرامته خلف ظهره أملا في حياة كريمة في دول هي مَن سببت مآسيه ! ، أو ضائعين في المنافي وهم يستجدون اللجوء هربا من الجحيم التي التهمت الطموح ! ، فلا يوجد عقاب الهي في الدنيا ، أقسى وأشد من فجيعة أبٍ بأبناءه ، فحتى (يعقوب) النبي ، ابيضت عيناه من الحزن لفراق (يوسف) ، وأنت ترى بذرتك قد صارت زهرة بعد طول أمل ، وقبل أن تتحول الى ثمرة ، يقطفها سياسي بفساده ، او ارهابي بفعله ، فكلاهما تافهان ومجرمان وبنفس الكفّة .

أنتم يا آباء المستقبل ، أنتم لا تتصورون المعنى العميق للأبوّة اذ لم تختبروه بعد ، وما به من قوة حب وحنان وتضحية وأيثار وبذل الغالي والرخيص لأجل الأبناء ، فلو كان هنالك تصور ولو بسيط لذلك ، ما كان هنالك شيء اسمه العقوق ! .

تسألون عن الأمل ، نعم الأمل حق مشروع ، لكن ما فائدته بلا معطيات أو أرضية وقد أختفت كل تباشيره في الأفق المظلم الحالك ، فالعراق ، الدولة الوحيدة على الأرض ، تتقلب فيها أقدس المقدسات ، بين مشروع للنهب والتجارة ، الى مؤسسة لشرعنة القتل والتدمير ، البلد الوحيد الذي ليس به خطوط حمراء ، فلا توجد حرمة ولا أعتبار ولا قيم على الأطلاق ، فهل هذه هي البيئة التي ترتضونها لذرياتكم ؟ ، يتفطّر قلبي وأنا أرى صِبية يستجدون متراكضين بين السيارات ، أي عقل لا مسؤول انجب هؤلاء ؟ ، أي مستقبل هذا الذي سيمليه عليهم الشارع ؟ ، انجابكم لا شيء في نظر الدولة سوى رقم اضافي ، لتستجدي به أمام المصارف العالمية ، لأستدرار القروض العالمية ، تلك القنابل الموقوتة التي ستنسف ما تبقى من اإقتصاد !.

لم تكن لدينا اية مخاوف ونحن نستشرف المستقبل ، فبلدنا غني ، ومبدأ (لا أحد يموت جوعا) ، معشعشٌ في أدمغتنا ، لهذا تزوجنا وأنجبنا ، دون علم منا ، أن الوطن قد جسّد إمكانية (الموت جوعا) ، بل وأضاف لها عدة مفردات كالموت حرقا بالمفخخات ، والموت كمدا وهمّا وأهمالا وحيفا ونبذاً ومرضا ، ، لم نكن نتوقع ، أن تتحقق في أيامنا هذه أسوأ من أسوأ مخاوفنا ، فأبتلعنا (الموس) ، ونحن نرى ذرارينا ، تعاني ما عانيناه ، بل أسوأ ! ، أسأل الله أن لا تمروا بلحظة من تصور مدى قسوة الشعور بالعجز والذنب ، ونحن نرى أولادنا يضرسون الحصى بدل الحصرم ، فتتكسر أسنانهم ويهرموا قبل الأوان ، وصدّقوني أن لحظة من هذا الشعور بكفّة ، والعمر بأكمله بكفّة ، وها قد مضى العمر ، وأصابعنا تكاد تتقطّعُ عضا ، وغيضا وندما ! ، ونحن نرى حكومة لا يساوي المواطن في نظرها فلسا ! ، نعد الأيام والليالي حتى يتخرج أبناءنا من الجامعات ، لينضموا الى جيوش العاطلين عن العمل ، أزاء موظفين (محظوظين) بشهادات مزوّرة ! ، هكذا هُجّرت العقول والكفاءات بل وصودر الوطن بأكمله !.

هل ترغبون بالأنجاب في بلد يعيش خارج أطار الزمن ؟، وقد تزعزعت فيه كل القيم والثوابت الأنسانية والسياسية الى درجة الزوال ، وتبدلت فيه كل الأعراف الأجتماعية التي كنا نلوذ بها ، فلا مكان فيه للشريف ولا للنزيه ولا للكفوء ، وتحولت المواطنة والنزاهة والحرص الى خرافة وادعاء ! ، الحقّ فيه صار نشازا ، وغابة تعج بالوحوش ، البقاء فيها للقوي ، ولصاحب (الواسطة) ومن يمتلك القنوات مع الأحزاب المتنفذة ، كل ذلك والبلد غني بكل شيء ، فكيف الآن والدولة مفلسة ومنهارة بكافة الصعد ولأول مرة في تاريخها ، ونحن مهددون مع كل نَفَس (ملوّث) نستنشقه وجو غير صحي بهواء فاسد ، مصدره الوزارات والكيانات السياسية ، وكأنها سلال للقمامة ؟! ، وقد بدأت فعلا بوادر الجفاف بسبب إبتزاز دول المنابع .

نقول في قرارة أنفسنا ، الحمد لله ، لدينا النفط ، الثروة الوحيدة التي تبقينا أحياء ، وإن كانت مرادفة للنهب والفساد والأطماع الخارجية ، ولكنا بدأنا ندخل عصر الطاقات المتجددة فعليا لمحاربة التغير المناخي ، ولا مناص من ذلك في الأفق المنظور ، عندها سيكون سعر النفط لا يساوي فلسا واحدا ، فكيف سيكون حالنا ؟، عندها سنرقب ذرياتنا وهي تستحم بذلك السائل الزيتي الذي كانوا يسمونه الذهب الأسود بسبب ندرة الماء ، تلك الثروة ، التي طالما تحوّلت إلى حمم وحروب ولعنات وكوارث ونِقَم !.

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
860متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

القاعة الدستورية واليات حل الازمة /3

في تجارب الدول الديمقراطية شرع الدستورلتثبيت عقد اجتماعي، لادارة شوؤن الدولة، وبدون تحويل نصوصه الى تطبيقات واقعية، يبقى هذا الدستورحبرا على ورق، ورغم تشكيل لجان...

الى رسل الرحمة ..ارحموا !

سابتعد اليوم عن السياسة قليلاً ، لاوجه نداءً الى رسل الرحمة من الاطباء الكرام عسى ان يتجاوبوا معه انسجاماً مع طبيعة مهنتهم والقسم الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لماذا ممنوع علينا الحديث عن معاناتنا امام المجتمع الدولي؟

اعتادت الطبقة السياسية الحاكمة في العراق منذ عام 2003 على ممارسة ثقافة التخوين والتشرب في نسيجها السياسي المتهرئ بثقافة المؤامرة وهي آلية سيكولوجية لممارسة...

الشعبانية بين الجريمة والتسقيط

هيجان شعبي رافق خروج القوات العراقية, بعد دخول قوات التحالف عام 1991, إلى الكويت, تمخض عنها انتفاضة شعبية, بدأت بذرتها من البصرة, لتمتد سريعاً...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سيادة الفريق ( أذا أبتليتم فأستتروا)!

مع كل الخراب والدمار والفساد الذي ينهش بالعراق والعراقيين منذ الأحتلال الأمريكي الغاشم للعراق عام 2003 ، ذلك الأحتلال الذي حول العراق الى أرض...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أمتنا ومخاطر الوضع العالمي!!

ما سيجري في دول الأمة سيكون مروعا , فربما ستنشط الحركات المتطرفة بقوة شديدة , لأن الأقوياء سينشغلون ببعضهم , وسيجد المتطرفون فرصتهم المواتية...