الأربعاء 26 يناير 2022
14 C
بغداد

لو كُنتَ فقيرا …

لو كُنتَ فقيرا ، وتعثّرتَ في إمتحانات الفرصة الوحيدة في الإمتحانات الوزارية ، فستُحرم من أية كلية مرموقة حتى لو كنت تحمل عقلية (أينشتاين) ، وسيزاحمك الطلاب الأغنياء ، حتى لو كانوا نزقين أغبياء ، كان ذووهم قد إشتروا لهم الأسئلة قُبيل الإمتحانات ، وسيُفتح لهم باب المستقبل على مصراعيه ، أو أن يدخل هؤلاء الطلاب ، أرقى الإختصاصات بأقساط سنوية قد تزيد عن 15 مليون دينار للجامعات الأهلية ، أما أنت ، فسيُقتَل طموحك ، وما عليك إلا أن تقضي عمرك في وظيفة متواضعة لا تحبها ، وستدوسك الأقدام ، وتكون نسيا منسيا ، هكذا يُحرم البلد من عطاء الفقراء وهم الأغلبية ، وأنت ترقب بلدك وهو ينهار ويذوب لأنه بيد مَن يتقاذفه من الصبية والتافهين تقاذفَ الصّبية للكُرة .

لو كُنتَ فقيرا ، فلن تكون قادرا على تحمّل النفقات الباهضة لترميم أسنانك التي غالبا ما تكون مسوّسة ، إما بسبب سوء التغذية ، أو بسبب الوراثة فأسلافك من الفقراء أيضا ، ولا يوجد ما تبتسم لأجله ، لكنك ستزُمّ شفتيك كلما داهمتك إبتسامة نادرة ، لتخفي منظرها عن الناس .

لو كنت فقيرا عاشقا ، فلن تملك ما تبهر به معشوقتك ، وفي أحسن الأحوال ستهديها باقة من الورود الذابلة ، بسبب الوقت الطويل الذي ستستغرقه في مواصلات العالم السفلي ، سينعكس ذلك على ملبسك المتواضع ، وستشعر بسهام خائنة أعين الناس .

لو كنتَ فقيرا وألمّ بك مرضٌ ما ، فما عليك إلا أن تتحمل الألم ، وستجد نفسك مضطرا لمعايشته ، وستذوي حتى الموت ، لأنك لا تتحمل نفقات التحاليل والدواء والمعاينة ، فضلا عن السفر للخارج للعلاج كأقرانك من الأغنياء ، بل لو كنت فقيرا ، فليس بإختيارك أن تتناول غذاءً متوازنا تشتهيه ليرُمّ عظمك ، هذا إن وجدتَ ما تأكله ، وستصاب بسوء التغذية ، هذا إن لم يداهمك الموت باكرا بسبب الشعور بعدم الرضا من هذه الحياة وهو يلازمك كظلك ، وأنت ترى أن الحياة قد فتحت ذراعيها للمتزلفين والمنافقين والإنتهازيين والفاسدين بل والفاشلين ، وأنت لا تتلقى منها ، سوى الصفعة تلو الصفعة ، بل وانت تسمع أفواها تلوك مصطلحات العالم المثالي وألسنٌ تلهج بالنزاهة وصدق الحديث ، ثم لا تلبث هذه الأفواه ، أن تبصق كل تلك الكلمات عند أول فرصة إختلاء مع النفس .

لو كنتَ فقيرا ، ولم ترث شيئا من ذويك وهذا هو الأرجح ، وهو مصدر المال الوحيد لإمتلاك العقار ، فلا تحلم بإمتلاكك منزلا ، لأن أزمة السكن ، هي أكبر أزمة “مفتعلة” تواجه البلد ، وستقضي حياتك في إستئجار المنازل الوضيعة ، وسيدمِّر مبلغ الإيجار راتبك ، وسيزاحمك على قوت يومك إلى درجة التجويع ، وأنت بهذا أسوأ من العبد ، فالعبد على الأقل قد ضمن إيواءَه وقوتَ يومه لدى سادته مقابل عمله .

لو كنتَ فقيرا ، ستتقلّص أمامك كل آفاق الترفيه عن النفس إلى درجة التلاشي ، ولن تستطيع السفر ، وستقضي جلّ وقتك ، غارقا في الهموم ورثاء الحال ، والتفكير في مشاريع عقيمة متوهما أنها قد تنتشلك من واقعك المزري ، وبالنتيجة ستتآكل صحتك ، وسترتسم على سحنتك ، أخاديدٌ عميقةٌ قبل الأوان .

لو كنتَ فقيرا ، وصار لك شأن مع الأمن والقانون والقضاء (أبعدك الله عنه) ، وزُجِجْتَ بالسجن لسبب مهما كان بسيطا ، فلن تكون قادرا على تسديد أجور المحامي ، ولن تستطيع رشوة القضاء أو رجالات الأمن ، وستتعفن في السجن ، وأنت ترى من خلف القضبان ، عتاة المجرمين والقتلة بل والإرهابيين ، ينعمون بالحرية ! .

(لكل إنسان الحق في الحياة) ، أول عبارة من لائحة حقوق الإنسان ، لكنه مبدأ معطّل وغير معمولٌ به ، وهنالك من الساسة من يعمل على إدامة الفقر لأجل الإثراء بسرقة حقك والإتجار بفقرك سياسيا وإقتصاديا .

أخطر مَن يدلّس للفقر ، ويغسلون الأدمغة ليجعلونك ترضى به ، بل وتُثابُ عليه ، وإبقائك محصورا تحت خطه ، هم وعّاظ السلاطين ، الشق الثاني والمكمل لفساد السلطة ، يلوكون عبارات حق يرادُ بها باطلٌ ، نحو :الفقراء يدخلون الجنة ، والفقراء أحباب الله ، والفقر ليس عيبا ، ولسان حالهم يقول : عليك الرضا بالفقر ، هذا قدرك ، إبق فقيرا فمَن ننهب إلا أمثالك وأنت أضعف حلقة في المجتمع ؟! .

هم لا يتطرقون إلى عبارات الإمام علي الخالدة (لو كان الفقرُ رجُلا ، لقتَلْتُه) و (ما جاعَ فقيرٌ إلا بما مُتّعَ به غني) لا يذكرون عبارة (أبو ذر) وهو يقول (عجبي ممن لا يملك قوتَ يومِه ، كيف لا يظهر على الناس شاهرا سيفه) ويُنسَبُ إليه القول (لولا رغيف الخبز ، ما عُبِدَ الله) ! ، شذرات رائعة تدعو للثورة على الفقر وضرورة الإفلات من طوقه الجهنمي الذي لم يكن ليظهر لولا حرص السلطات الظالمة لإحكامه على رقاب الفقراء ، فالفقر أكبر مدعاة لإهدار كرامة الإنسان في مجتمعاتنا ، إنه وازع الجريمة الأول والإنحراف ، ورأس كل آفة ورذيلة ومرض وتخلّف ، والقائمة تطول ، فكم من الفقراء يصل الحال بهم إلى إستصغار النفس ، زائدة دودية في المجتمع ، وسيلوم من كان مسؤولا عن وجوده في الحياة ، أبواه ، حسنا ، ربما سيكون هذه المرة على حق ! .

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
805متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

احتكار “شرعية تمثيل الطائفة” سياسيا

عقب اعلان نتائج الانتخابات ، التي تفرز الرابح من الخاسر ، تعودنا ان يبادر الطرف الفائز داخل البيت السياسي الشيعي، (الذي يحتكر الاغلبية العددية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قادة عراق اليوم.. أين أنتم من قادة عراق الأمس الميامين؟)..

ـ الزعيم عبد الكريم قاسم! 1 ـ كان يسكن مع أهله في دار للإيجار.. ثم بعد أن أصبح برتبة عقيد انتقل للسكن ببيت مؤجر من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ماذا في جعبة مقتدى الصدر … للعراقيين !

الندم ثم الندم ثم الندم كان شعور كل سياسي حقيقي لديه ثوابت ويحمل ويتبنى قيم ومباديء العمل السياسي الحقة تولى المسؤولية في عراق ما...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المتحف الوطني للفن الحديث بين الإهمال والسراق

المتحف الوطني للفن الحديث لمن لا يعرفه، يعد قسماً من أقسام دائرة الفنون العامة، التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار، ويقع في الطابق الأول من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

طريق العبيد و ليس طريق الحرير

قال وزير المالية في ندوة إقتصادية بتاريخ 3 تشرين الأول 2020 على قاعة دار الضيافة لرئاسة مجلس الوزراء "أن هنالك 250 مليار دولار سرقت...

ماساة التعليم واستهداف الكفاءات والهجرة القسرية.. من المسؤول عنها؟

تشير الوقائع والاحداث إلى أن العراق هو حلقة الصراع الأكثر شهرة في العالم والأزمات الإنسانية والتعليمية المستفحلة الأقل شهرة او إثارة لاهتمام العالم الرسمي...