الإثنين 23 مايو 2022
25 C
بغداد

فساد شركات التنمية الأجنبية في العراق

أتيحت لي الفرص كمهندس ، العمل مع عدة شركات محلية وأجنبية ، ومن المفترض والمُنتظر من هذه الشركات ، المساهمة في التنمية والبناء ، لبلد يحتاج الى بنية تحتية من القاع حتى القمة ، بلد مهدم ومُهمَل على جميع الأصعدة ويحتاج الى عملية (نفض) شاملة للغبار الذي يكلله من الباب وحتى المحراب .

فعلى الصعيد المحلي، تُصنف شركات (نص ردن) ومغمورةِ إلى الدرجة الأولى (بقدرة قادر) ، وبشكل يؤهلها الدخول في المناقصات الكبرى ، كنتيجة لصفقات مريبة مع الجهة المستفيدة ، ولكون هذه الشركات عديمة الخبرة ، وينقصها رأس المال ، وهدفها الكسب السريع لا المبادئ ، ولكونها ترضى بأقل العطائات غير المدروسة للفوز بالمناقصة ، تقوم بتأمين المال التشغيلي من عتاة المرابين ، والنتيجة أهدار المال وحدوث الخصومة ، وتوقف العمل ، ويبقى البلد ، الخاسر الوحيد .

أما بالنسبة لشركات التنمية وشركات ما يسمى (أعادة الأعمار) الأجنبية أو العربية (لا أقصد بذلك الشركات العملاقة العالمية والمعروفة لدى الجميع) ، فحدّث ولا حرج ، فرغم خبرة (الفساد) الهائلة التي أوغل بها أصحاب الشأن عندنا ،الا انهم لا يزالون تلاميذا يتعلمون فذلكة وفلسفة الفساد من هذه الشركات ، وبمستوى عال جدا .

هنالك فروع لهذه الشركات المعنية بالطاقة أو الأعمار في البلد ، وبكوادر من المهندسين العراقيين ، ومن المتحمسين والمهتمين فعلا بأعمار البلد ، ولكن لا حول لهم ولا قوّة ، أذ يجب عليهم الألتزام بلوائح وسياسة الشركة الأم في أمريكا أو أوربا ، وتراهم غارقون حتى أذانهم في بيروقراطية مقيتة ، وسياقات معرقلة للانتاج عجيبة وغريبة وغير منطقية ، وتراهم منهمكون في السياقات الكتابية ويخلّفون جبالا من الأعمال الورقية التي سيطويها النسيان كأرشيف ينتهي لا محالة الى حاويات الأزبال ، وقيمة هذا العمل أقل بكثير من قيمة الورق المسطر عليه ،عمل لا فائدة منه سوى انه شاق ، لكنه عقيم ، وكل مَن يقف بوجه هذه السياقات المتشابكة التي تؤدي الى نقطة البداية ، سيتم الأستغناء عنه ، مثل ما حصل معي عدة مرّات ، كان أغلبها بأرادتي ، والغريب ان الكفاءة والخبرة هي ﺁخر ما يهمهم ، على عكس الشائع عنهم .

لقد أعترف سياسيو (أمريكا) أنفسهم ، أنهم كانوا على علم بهجمات 11 أيلول ، ولكن (البيروقراطية) هي التي عرقلت سرعة رد فعلهم (هذا اذا استثنينا مبدأ نظرية المؤامرة الوارد جدا) ، فحَدَثَ ما حَدَث ، وكنتُ اسأل نفسي ، كيف وصلت (أمريكا) الى ما وصلت اليه ، وهي تسلك هذه الطرق الغبية؟ ، ولكنها المعايير المزدوجة مرة أخرى ، فما يتحرّك بصاروخ داخل أمريكا ، سيمتطي السلحفاة خارجها !.

في أحد المرات ، أخبرني زميلي المهندس عن حاجة إحدى الشركات اللبنانية المعنية بصيانة محطات الماء إلى مهندسين ، وأنا منتظرٌ المقابلة ، أسترعت إنتباهي خارطة لمواقع محطات الماء في بغداد ، فتوجّه أحدهم وكان لبنانيا وحال بيني وبين الخارطة قائلا ( إنها أسرار دولة لا يحق لي النظر إليها ) ! ، فما كان مني إلا أن خرجت من الباب الذي دخلتُ منه ! ، ثم لماذا الإتجاه إلى هذه الشركات ولدينا من المهندسين الخبراء بهذا الشأن بالذات ما يحيل التراب إلى ذهب ؟! .

لا أريد الخوض بدوري في نظرية المؤامرة ، ولكني تسائلتُ مرارا ، كيف تغطّي هذه الشركات نفقاتها الهائلة في البلد ؟ ، ابتداء من أجور الحراس الشخصيين ، وترتيبات الأمن ، ورواتب المنتسبين ، وأجور المساكن الفخمة في أرقى أحياء بغداد ، وفوق ذلك المخاطرة ،كل ذلك دون ممارسة عملية انتاجية حقيقية ، من المفترض انها من صلب أختصاص هذه الشركة ، فكيف تغطي خسارتها ؟
الجواب أن هذه الشركات لا تخسر على الأطلاق ، بل تربح ربحا وفيرا ،خصوصا وأن هذه الشركات تمثل الرأسمالية بأعتى صورها ، بمعنى أخر ، أن هذه الشركات تتحرك الى حيث المصالح فقط لا المبادئ ، لا أفهم بأحابيل السياسة والأقتصاد ، ولكن ربما يتم أعفاء هذه الشركات من الضرائب في بلدانها بأعتبارها عاملة في منطقة ساخنة كالعراق خصوصا ان كانت منظمة “إنسانية” ، فلماذا تعمل والتهرب من الضرائب ، يدر عليها مالا وفيرا ؟ ربما عملها عندنا يتيح لها غسل الأموال والأتصال بسماسرة الأستثمار ، بعيدا عن عيون دولها ، هل هو للتجسس الصناعي أو الإقتصادي ، بل ولتهريب الأموال من صفقات وهمية بتسهيل داخلي ؟ أترك للقارئ الكريم الاستنتاجات الاخرى .

الأجدر أن تكون للدولة كوادر متخصصة وعلى درجة عالية من المهنية ، لمراقبة عمل هذه الشركات ، وانتزاع المفسدة منها كأنتزاع القمل الماص للدماء من الرأس ، هذه الشركات التي طالما جنت الفوائد بتجارتها بأزماتنا ، تحت شعار الأعمار أو البناء .

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
860متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

القاعة الدستورية واليات حل الازمة /3

في تجارب الدول الديمقراطية شرع الدستورلتثبيت عقد اجتماعي، لادارة شوؤن الدولة، وبدون تحويل نصوصه الى تطبيقات واقعية، يبقى هذا الدستورحبرا على ورق، ورغم تشكيل لجان...

الى رسل الرحمة ..ارحموا !

سابتعد اليوم عن السياسة قليلاً ، لاوجه نداءً الى رسل الرحمة من الاطباء الكرام عسى ان يتجاوبوا معه انسجاماً مع طبيعة مهنتهم والقسم الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لماذا ممنوع علينا الحديث عن معاناتنا امام المجتمع الدولي؟

اعتادت الطبقة السياسية الحاكمة في العراق منذ عام 2003 على ممارسة ثقافة التخوين والتشرب في نسيجها السياسي المتهرئ بثقافة المؤامرة وهي آلية سيكولوجية لممارسة...

الشعبانية بين الجريمة والتسقيط

هيجان شعبي رافق خروج القوات العراقية, بعد دخول قوات التحالف عام 1991, إلى الكويت, تمخض عنها انتفاضة شعبية, بدأت بذرتها من البصرة, لتمتد سريعاً...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سيادة الفريق ( أذا أبتليتم فأستتروا)!

مع كل الخراب والدمار والفساد الذي ينهش بالعراق والعراقيين منذ الأحتلال الأمريكي الغاشم للعراق عام 2003 ، ذلك الأحتلال الذي حول العراق الى أرض...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أمتنا ومخاطر الوضع العالمي!!

ما سيجري في دول الأمة سيكون مروعا , فربما ستنشط الحركات المتطرفة بقوة شديدة , لأن الأقوياء سينشغلون ببعضهم , وسيجد المتطرفون فرصتهم المواتية...