الخميس 1 ديسمبر 2022
21 C
بغداد

العراق ، بلد مهدد بالزوال !

بعد أن فَتحَ المحتل ، أبواب حكم العراق لكل مَن هبّ ودبّ ، من أرباب السوابق والمختلّين والحاقدين ، لكل من أتى معهم بصورة مباشرة أم غير مباشرة ، بل وأستغل دخول المحتل من كان في الداخل للمطالبة بنصيب من السلطة ، وأصبحوا هم بأنفسهم يطالبون بخروج المحتل الذي لولاه ما عرفناهم (معرفة والله جرّت ندما) ، وكان للمحتل ما أراد (على أيديهم) ، فقد قُتِلَت الزراعة ، ووئِدَت الصناعة ، وإغتيل أصحاب الكفائات أو تم تهجيرهم ، أهلكوا البيئة وجرفوا البساتين ، وعطّشوا الحقول بل وأحرقوها ، وتآكل القطاع الخاص ، دمّروا الثروة السمكية ، وفتحوا باب الإستيراد على مصراعيه ، أحالوا البلد إلى أكبر مقبرة للمواهب والكفائات والطموحات في العالم ، وغير ذلك مما لا يُحصى ، أثقلوا كاهل الناس بالضرائب والرسوم الباهضة ، رفعوا الدعم عن كل شيء ، وتحول البلد إلى بقرة حلوب جفّ ضرعها ، فخفّضوا قيمة العملة المحلية ، في سابقة خطيرة لم تخطر حتى على بال الشيطان الرجيم ، جرائم كبرى لا تُعد ولا تحصى ، فأرتفع خط الفقر حتى أنوفنا فشمل ما يقارب نصف سكان البلد ، وتحولت هذه “الدولة” إلى أسفل سافلات الدول المتخلفة والفاسدة والفقيرة ، الغير جديرة بالإحترام أمام العالم .

 

في عهدهم كعهد صدام ، خضع البلد إلى عملية “ترشيق” لخارطته رغما عنه ، فقد ضاعت أجزاء من (طريبيل) ، مرورا بمؤامرة ميناء (مبارك) وخور (عبدالله) ، وليس إنتهاءً بالمناطق “المتنازع عليها” ، كورقة للبيع يساوم عليها السياسيون ، لإسترضاء هذا الطرف أو ذاك في إتفاقيات سرّية لضمان كراسيهم ولو إحترق البلد من شماله لجنوبه ، وكأن هذه المناطق (عرصة) يملكها الذين خلّفوهم ! ، عدا الإحتلال التركي وهو يصول ويجول دون رادع ، وعيونه ترنوا للمزيد ! ، كل ذلك ، والحكومة ساكتة ، لكن أنظارها موجهة إلينا وتحصي أنفاسنا ، ويكفي أن تتحدّث بكلمة إحتجاج ، أو وأنت تطالب بعودة الوطن وبحقوقك البديهية فيه ولا شيء غير حقوقك ، حتى تجد لك رصاصة بالمرصاد ، بإعتبارك (ناشط) محتمل ، حتى إنطبقت عليه أبيات (مظفر النواب) التي ألقاها منذ نصف قرن :

يا وطنا ، أكل الأتراك من الكتف اليسرى منه

والفُرسُ من اليمنى

وتغوط في القلب غزاة البحر .

لم ينبَرِمحامي واحد لتحريك قضية رابحة 100% ، وهي من أكبر وأخطر قضايا العالم ، لتجريم كل من بوش – بلير ، وغيرهم من دعاة الحرب على البلد بسبب مسوّغات مبنية على أكاذيب ، فشنوا حربا تدميرية ظالمة ، فملأوا البلد بالإشعاعات التي قتلت الكثير ، ودمّروا ما تبقى من بنيته التحتية المتهالكة أصلا .

العراقيون طالما تندّروا من مسخرة تصرفات الطبقة السياسية الفاسدة حتى النخاع ، من أن الهواء لو لم يكن مجانيا ، لباعوه لنا بيعا ! ، ولكن أتى هذا اليوم للأسف ، فحسب (الواشنطن بوست) ، فهنالك عشر دول هي الأكثر تلوثا جويّا في العالم  والعراق من بينها ! ، تلك التي تسبب الأمراض الفتاكة وخراب لا ينقصنا، والعراق الدولة الوحيدة الغير صناعية في العالم التي تعاني من هذا الكم من التلوث ، بسبب مخلفات صناعة وتسويق النفط  (وتهريبه ) ، وحرق الغاز بإفراط ودون أي حساب للعواقب ، وتلك هي الصناعة المزدهرة الوحيدة !  ، لأنها المصدر الوحيد للمال ، ولا شيء سوى المال ، وليتسمم البلد بأكمله ، وإلى جهنم العراق ومواطنوه ! ، وهنالك 120 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون والميثان ، المسبب للإحترار في أجواء المحافظات الجنوبية ، وملايين السيارات التي ملأت الشوارع بسبب إهمال وضع ضوابط لعددها ، مع غياب التخطيط العمراني بسبب إنشغال الساسة بالنهب ، مع وجود ملايين المولدات الأهلية المنتشرة في جميع أحياء البلد ، وهي تنفث سخامها المسرطن ، لأن الحكومة غير “قادرة” على تجهيز الناس بالطاقة ، شأن جميع الخدمات التي تعتبر أمرا بديهيا لأنها لا تعتبر مطلبا .

الحرارة المسجلة في بغداد صارت معيارا عالميا بعد أن تجاوزت 52 درجة مئوية ، (شخصيا سجّلت 55 درجة في الظل ) ، وكيف لا ، فالبلد أصبح (والفضل للحكومات المتعاقبة) ، أصبح كالبالوعة لتصريف كل قاذورات العالم ، من التغييرات البيئية والخلافات السياسية ، وسرقة أمواله حتى إفقاره تماما ، وصرنا مرثاة للعدو قبل الصديق ! ، فما من صفة سيئة ومخزية ، إلا وكان العراق على رأس قائمتها .  

الأشجار هي الأداة الوحيدة الكفيلة بإمتصاص هذا التلوّث ، لكن يجب العمل على زيادتها دراماتيكيا ، وبدلا من ذلك ، قام (الرّبُع) بتجريف ما تبقى منها خصوصا في بغداد ، لبناء (المولات) والقصور الفارهة الخاصة بالطبقة السياسية ، والأحزمة الأمنية الواسعة بسبب هواجسهم المريضة ، لأنهم (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو ، فأحذرهم قاتلهم الله) ، كإستثمار يصب في جيوبهم فقط وحصرا .

ويزيد الطين بلّةً (أو جفافا) ، هو تآمر دول مصادر المياه ، وإستخدامها لإبتزازنا كتركيا وإيران ، سعيا وراء مبدأ (برميل ماء ، مقابل عدة براميل نفط)! ، أو لدواعٍ سياسية خفيّة ، والمسؤولون ساكتون وكأنهم (خُشُبٌ مسنّدة) ! ، 

وحسب إذاعة (مونت كارلو) الدولية ، فالعراق من بين 20 دولة مهددة بالغرق ، وقد بدأت بوادرها فعلا ، ففي الوقت الذي غرقت فيه (اربيل) الجبلية الوعرة في سابقة لم تشهدها هذه المحافظة ، فمنطقة (سيد دخيل) في محافظة ذي قار قد هجرها سكانها وبنفس الوقت بسبب الجفاف ! ، ولا تزال العشرات من قرى الجنوب العطشى ، تحذوا حذوا متواصلا للقرية المذكورة ! .

يقول خبراء البيئة ، أن أول مؤشر على تلوث الهواء هو إختفاء الفراشات من الحدائق ، وهذا ما شهدناه منذ أكثر من 10 سنوات ، فقد إختفت الفراشات السوداء الكبيرة والمنقطة بالأصفر من حدائقنا (أو بالأحرى ما تبقى من حدائقنا) ! ، كذلك إختفت (ديدان الأرض) وهي مقياس لخصوبة الأرض .

منذ ظهور الدولة السومرية قبل نحو 5000 عام ، كانت مدينة (الناصرية) ميناءً يطل على الخليج العربي ومتصلا بالأهوار الحالية ، ويعتبر لغز إنسحاب الخليج بعد إنخفاض مستواه من الألغاز المحيّرة ، إلى درجة ظهور مدينة (البصرة) ، بعد فترة قصيرة لا تُقارن مع الأعمار الجيولوجية ، وهنالك محاولات تجفيف الأهوار ، ذلك العمل الإجرامي الذي أدى إلى إنقراض بعض أنواع الأسماك والطيور ، ويقول الخبراء ، أن مستوى الخليج سيعاود الصعود بنفس سرعة إنحساره إن لم تكن أسرع ، خصوصا وأن إرتفاع تربة مدينة (البصرة) عن مستوى سطح البحر في بعض مناطقها يبلغ صفرا ، فمستويات بحار العالم واحدة ، وجميع المحيطات وبحار العالم ، تعاني إرتفاعا متواصلا بسبب إختفاء كميات هائلة من المناطق والجبال الجليدية في العقود الماضية وذوبانها بسبب الإحترار ، وتعتبر هذه المناطق الجليدية خزان هائل من المياه العذبة ، لا تزال  تصب في البحار والمحيطات المالحة ، ويقول الخبراء ، أن الفيضانات من أكثر العوامل الطبيعية المؤدية للهجرة البشرية ، وهي لا تنقصنا بالنظر لوجود الملايين من المهجرين بسبب البعد الشديد عن الإستقرار السياسي .

ومع هذه المخاطر الجسام التي يعاني منها البلد ، والتحدّيات الكبيرة التي تهدده بالزوال ، إما سياسيا أو بيئيا أو إقتصاديا ، هل هنالك توجه من “الحكومة” ولو بسيط على الأقل لدراسة هذه الظروف ، والعمل الجاد لتجنبها ؟ ، كلا ، لا تزال الحكومة غارقة ومنهمكة في تقسيم الغنائم ، والصراعات السياسية ، والإقتتال على الكراسي ، دون أن يجرأ أحدهم بالنظر قليلا إلى الخلف ، ليرون أن أنقاض البلد بدأت فعلا بالتراكم ، ولكن هيهات ممن يملكون قلوبا كالصخر ، وصل الإستهتار بهم أن منهم مَن يهب ما لا يملك إلى ما لا يستحق ، وتستمر عمليات النهب التي ربما ستفيدهم لبناء حياة جديدة لأجيال عديدة ، بعد ضياع بلد كان أسمه العراق !.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الفن يرى ما لايراه العلم

الفن يرى ما لا يراه العلم ومن وظائف الفن التنبوء , من هزم جبروت الكنيسة في القرون الوسطى المسرح الفلاحي الساخر و قد أخذت...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قرارات جريئة – الشعب ينتظر التنفيذ

أثارت قرارات مجلس الوزراء بتقييد إنفاق المسؤولينخلال السفر والإقامة والتنقل، وإلغاء امتيازاتهم، وقرر السوداني إلغاء مخصصات مكتبه، وسحب الحماية الرئاسية لرؤساء (الجمهورية، والوزراء، والبرلمان)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كلماتٌ مُسَيّرة ” درونز ” !

A الطائرات المُسيّرة " سواء المسلّحة او لأغراض التصوير والرصد الإستخباري ليست بجديدة كما يترآى للبعض من خلال تناولها وتداولها ميدانياً وفق ماتعرضه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

احلام الطفولة الغائبة في عيده العالمي

الأطفال هم بهجة الحياة الدنيا وزينتها، وهم أساس سعادة الأسرة، واللبنة الأساسيّة لبناء الأسرة والمجتمع، وهم شباب المستقبل الذين يقع على عاتقهم بناء الأوطان،...

من ينقذ شبابنا ..؟

يوم بعد يوم يزداد الحديث عن الشباب الذين يعتبرون طاقة البلد وذخرها المستقبلي وهم الأمل والعمل والنشاط وتكوين الخلق القيم الذي تزدهر به المجتمعات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

غريبٌ في وطنه !!!

فتَّشتُ و نقَّبتُ كثيراً في الألقابْ لم أجدِ الشَّعبَ عراقيَّ الأنسابْ فالشعب الأصليُّ الآثوريون والشعب الأصليُّ الكلدانيون و أرى الصابئةَ المندائيين بميسانْ آخرَ مَنْ ظلَّ لسومرَ مِنْ تلك الأزمان فقبائلنا...