11 سبتمبر العراق

الطائرة المسيرة التي استهدفت مقر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي اعادت الى الاذهان طائرات برجي التجارة العالمي في نيويورك , وما تبعها من استباحة أمريكية للعالم الإسلامي , تحت شعار ( من لم يكن معنا فهو ضدنا ) .

وكمراقبين نكاد نجزم ان هذه العملية مدبرة من قبل الجهاز الحكومي ذاته , بالتعاون مع السفارة الامريكية , بدليل عدم عمل منظومة ( سي رام ) الأمنية المشغلة من قبل السفارة حين شن الهجوم .

وهي عملية – في هدفها –  مشابهة تماماً للتفجير المدبر الذي أطاح بواسطته الكاظمي – في اول ولايته – بجميع القادة والضباط الذين يعارضون الوجود الأمريكي في العراق , وعلى رأسهم قائد ( خلية الصقور ) الاستخبارية , الذي كان يرى فيه الخليجيون حجر عثرة امام مشاريع مخابراتية خطيرة لهم في العراق , بدليل ان رئيس الوزراء لم يقل احداً من الضباط في انتهاكات واختراقات امنية خطيرة وكبيرة أعقبت ذلك التفجير , بل ان احداث محافظة ديالى كفيلة وحدها في اقالته هو شخصيا .

ومع العقود الاقتصادية الضخمة التي وقعتها حكومة الكاظمي مع السعودية والامارات , واختراق الأخيرة لجهاز المخابرات العراقي – الذي يشرف عليه الكاظمي – وطردها مئات الضباط خارجه , وسكوت الحكومة المطلق عن التجفيف التركي لنهري دجلة والفرات واللذان يسهمان بنحو 81% من مياهه وطعنها في الجانب الإيراني فقط الذي لا تشكل منابعه سوى 15% من مياه العراق في محافظة ديالى فقط , ورفع سعر الدولار واجبار المواطن العراقي على العبور تحت خط الفقر رغم ارتفاع أسعار النفط , وسعي حكومة الكاظمي لخصخصة المؤسسات السيادية في الموازنة التي طرحتها – مع علم الجميع ان المشتري لن يكون سوى الامارات والسعودية كما جرى في مصر بعد انقلاب السيسي العسكري – ومن تلك المؤسسات مصرف ( الرافدين ) خزينة 85% من أموال العراق , واجبار المتظاهرين – بعد وصول الكاظمي الى السلطة – بالقوة على حل اعتصاماتهم , وبعد مهرجان بابل الراقص الذي انتهك كل قيم العرب في العراق وجاء بكل مهرج معادي بصراحة لقضايا الشيعة والمسلمين , صار واضحاً اين تتجه هذه الحكومة والى أي مشروع تنتمي .

ورغم سذاجة معظم القادة السياسيين لفصائل الحشد – التي جعلتهم يوقعون على اختيار الكاظمي من الأصل – ورغم انانيتهم – التي اوصلتهم الى التقاطع والتشتت والضعف – الا انهم ليسوا من الغباء الى الدرجة التي يستهدفون بها مقر الكاظمي بعد ليلة واحدة من جريمته بقتل المتظاهرين المحتجين على نتائج الانتخابات وجرح المئات منهم . وهي جريمة لم ترتكبها حكومات سابقة متهمة بالفساد او الميليشياوية من قبل الامريكان , كحكومة حيدر العبادي حين دخلت جموع التيار الصدري الى المنطقة الخضراء لابتزاز حكومة كانت منتخبة , وحكومة عادل عبد المهدي التي اسهم المحتجون في سقوطها رغم كونها منتخبة . وحتى الجريمة التي ارتكبها الجنرال جميل الشمري في محافظة ذي قار ضد المتظاهرين هناك يمكن معرفة من وراءها بمعرفة تاريخ جميل الشمري نفسه ومع من يعمل وأين يقيم منذ سنين , لذلك تمت تبرئته في عهد حكومة الكاظمي نفسه .

ان الغاية المحتملة لهجوم هذه الطائرة المسيرة اغلاق ملف قتل المتظاهرين , وخلط الأوراق على الناس , واستغلال الهجوم لتشتيت صفوف الفصائل المعارضة لنتائج الانتخابات , او انها سيتم استخدامها بشكل أوسع لتصفية خصوم الولايات المتحدة – الذين يصادف انهم أعداء التيار الصدري نفسه الشريك الأكبر في حكومة الكاظمي – خصوصاً بعد زج اسم ( الحشد الشعبي ) في القضية إعلاميا .

ولأن العراق محاصر اعلامياً من قبل حلفاء الولايات المتحدة العرب , وانفلات الاعلام البعثي والطائفي – الذي يظن مصلحته مع انهيار الحشد – داخل العراق وخارجه , والنجاح في تأسيس مؤسسات إعلامية محلية وعربية وغربية ناطقة بالعربية تسيّر العقل الشاب في العراق وتشوش على العقول الأخرى , فقد صار التلاعب بالأحداث اسهل . لاسيما مع كون كل المؤسسات الأمنية والقضائية في العراق وفي غيره من بلدان العالم مخترقة بالمال الفاسد , وهو في الاغلب اما امريكي او خليجي او للمافيا .

ان التيار الصدري – بقيادة السيد مقتدى الصدر – يعلم جيداً ان الولايات المتحدة الامريكية – التي انفقت المليارات لخداع الأقليات في أفغانستان – ومنهم الشيعة – وسلبت سلاحهم الذي يدافعون به عن انفسهم تحت داعي تأسيس مشروع وطني ثم سلمتهم الى مجرمي طالبان الظلاميين وهم عزّل من السلاح لتقتلهم وتهجّرهم – انها لن تكون في الطرف الذي يخدم مصلحة شيعة العراق , الا اذا تخلّوا عن دينهم وعقيدتهم , وان تهمة التبعية لإيران لا يقصد منها الاعلام العربي والغربي الا الشيعة حتى وان كانوا يختلفون مع الجمهورية الإسلامية سياسيا , وان الشيعة المسموح لهم بالبقاء هم على شاكلة دكتاتور أذربيجان . ويعلم التيار الصدري ايضاً ان السلاح الوحيد الذي خارج نطاق الدولة هو سلاح ميليشيات التيار الصدري نفسه من سرايا السلام وقوات اليوم الموعود وغيرها , لأن باقي الفصائل اندمجت في مؤسسة الامن العراقي بقانون , في حين رفض التيار وحده ذلك , رغم كونه الشريك الرسمي لحكومة حليفة للولايات المتحدة المطالبة بسحب السلاح المنفلت وحليفة وتابعة للخليج الممول الأساس لداعش التي يقاتلها الحشد الشعبي . وان الجهة الشيعية المتنفذة في الحكومة العراقية اليوم ولها قدرة الابتزاز المالي ادارياً وشعبياً هي التيار الصدري ذاته . لذلك نكاد نجزم ان التيار الصدري – بقيادته المتمثلة بالسيد مقتدى الصدر – يعون انهم يسيرون بالعراق نحو حرب أهلية , تسرّ الامريكان , وتحزن إمام الزمان .

فيما لا توجد مؤسسة وطنية ترى وطنها يتجه للعنف والفوضى فيما تستطيع كبح جماح الفتنة ووأدها وتتخلى عن هذه المساهمة . وبالتالي فإصرار مفوضية الانتخابات العراقية على عدم اللجوء للعد والفرز اليدوي لأوراق الناخبين يحكي عن انها اما تكون غير واثقة من عملها ونفسها , واما هي جزء من مشروع الفوضى ذاته .

(( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ )) .

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
806متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فلسفة لعبة الكراسي

قبل أيام ظهر خبر عن وفاة السيد مهاتير محمد باني بلده الحديث والنموذج القيادي الفذ، ثم ظهر انه كان في حالة صحية حرجة وشفاه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البنية الأيديولوجية لداعش خرقت نواميس الواقع ومنطق الطبيعة؟

الله سبحانه وتعالي خلق هذا الكون بشكل منظم جدا وبشكل دقيق جدا وبشكل هندسي جدا فتبارك الله أحسن الخالقين. التفاعل يسري بين جميع الأشياء...

لماذا نهايات الافلام تعيسة؟

هل لان الشعوب غاوية نكد وترى حياتها مأساة قائمة والنهايات الحزينة تجد فيها متنفسا لها ام الموضوع له ابعاد اخرى اقتصادية ربح وخسارة ومن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

د. لقاء مكي قامة إعلامية ومحلل سياسي وشخصية كارزمية حظيت بتقدير الكثيرين

د. لقاء مكي قامة إعلامية وصحفية وكفاءة مهنية مشهود لها بالحرفية والإتقان في مجالات البحث الاعلامي ودراسات الاتصال الجماهيري ، وهو الذي تخرج من...

الأوكرانيين وزمهرير السيادة المستباحة

قبل سنوات وأنا اطالع الصحف العالمية جلب انتباهي مانشيت مكتوب بالحروف العرضية سيادة الدول المستباحة. نعم سيادة الدول تكون مستباحة في حالة ضعف حكوماتها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما خطورة بقاء السلاح بيد عصابات وعشائر وأشخاص منفلتين ؟!

لم تتخذ الحكومات التي توالت على حكم العراق ما بعد عام 2003 للأسف الشديد خطورة بقاء السلاح بيد جماعات مسلحة مدعومة من قبل اطراف...