الثلاثاء 16 أغسطس 2022
40 C
بغداد

لوبي صناعة الطائرات وأثره في القرارات السياسية العالمية

تحول السفر بالطائرات الى أمر روتيني يومي ، بسبب ازدهار هذه الصناعة ، وتمتعها بنسبة الأمان العالية لكن هنالك أمرا حساسا غير قابل للتفاوض ، لما له من تأثير بعيد المدى على مستقبل هذه الصناعة ، وهو (السمعة) ، والدفاع عنها مهما كلف الأمر ، إلى درجة حرف إجراءات التحقيق في الحوادث لصالح هذه الشركات عند حوادث الطائرات ، خصوصا إذا علمنا أن هذه الصناعة تحتاج إلى تكنولوجيا عالية للغاية ، تحتكرها دول قليلة وتحافظ على أسرارها، لهذا ليس بإمكان أية دولة النهوض بهذه الصناعة وتطويرها ، وحتى لو حدث ذلك ، فسوف لن تستطيع دخول المنافسة الدولية المحمومة ، وهذا ينطبق أيضا على صناعة السلاح ، والأدوية واللقاحات ، ولوبيات الطاقة .

فسمعة ماركة معينة من الطائرات ، هي الفيصل بين الأقبال على السفر على متنها ، أو العزوف عنه بسبب الحوادث وبالتالي كسادها ، لما لهذه الصناعة من تماس مباشر مع أرواح الناس ، وتتكبد على أثر ذلك الخسائر الفادحة الى درجة الغائها ، كما حصل مع طائرات (كوميت –الشهاب Comet) البريطانية بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، بالرغم من تصميمها الذي كان يُعد حديثا وثوريا .

صناعة الطائرات صناعة عملاقة ، تحتاج الى بنية تحتية كبيرة وأدارة فذّة وهيكل تنظيمي كبير ورأس مال هائل ، تضم العديد من المختبرات وميادين الفحص ، ويعمل لصالحها خيرة الخبراء والمهندسون والعلماء ، وتُكرس لها مجالس للأشراف عليها مثل المجلس الوطني لسلامة النقل (National Transportation Safety Board,NTSB) والمرتبط بالكونغرس الأمريكي ، ووكالة سلامة الطيران الأوربي (European Aviation Safety Agency ,EASA) في أوربا . ويكفي أن نعرف ، أن المروجين لهذه الصناعة من هم بدرجة رؤساء دول ، مثل (حورج بوش الأبن) الذي القى خطابات الترويج في عقر دار شركة (بوينغ) أكثر من مرة ، والذي يُقال عنه أنه يمتلك أسهما في هذه الشركة ، لكن هذا الترويج (العلني) لم يُطِح به كما كما أطاح بسلفه (ريتشارد نيكسون) ، على اثر مكالمة هاتفية (سرية) له وهو يروّج لشركة (لوكهيد Lockheed) لصناعة الطائرات وكانت هذه القشة التي قصمت البعير مع تجسسه على الخصوم السياسيين في فضيحة (ووترغيت) الشهيرة ! ، فلا ثوابت في النظام العالمي الجديد الذي جاء به (آل بوش)! .

تستحوذ الآن على هذه الصناعة شركتان عملاقتان على صعيد الطيران المدني العالمي ، الايرباص الأوربية (Air Bus) ، والبوينغ الأمريكية (Boeing) ، ويعتبر مجال الطيران من أنجح مجالات الأعمال العالية المربحة ، والتي تدر بالميارات على تلك الشركات سنويا ، لكون الطائرات سلع اساسية لا يمكن الأستغناء عنها الى درجة انها لا تتأثر حتى بالأزمات المالية .

وعند بيع أحدى هذه الطائرات الى دولة ما ، تبقى هذه الطائرة تحت اشراف الشركة المنتجة ، وفي بعض الأحيان ، تُرسل مندوبين دائميين كممثلين للشركة لمراقبة المعايير اللازمة للصيانة والأداء ووثائق تاريخ هذه الطائرة واجرائات الصيانة وكل صغيرة وكبيرة ، لسببين رئيسيين ، الأول الخوف من تضعضع سمعة هذه الشركة في حالة حصول حادث ما ، أو لتجاوز أي إهمال في جداول الصيانة ، كونها تمثل جودة الصناعة للدولة المنتجة ، أي أن السمعة الصناعية لتلك الدول على المحك ، والثاني للحرص على سلامة المئات من الناس في كل عملية نقل (لاحظ تسلسل السببين) ! .

في مطلع الألفية الثانية ، وجدنا أن هذه الطائرات قد استخدمت كسلاح بيد الأرهابيين في أحداث 11 أيلول عام 2001 ( أوهذا هو التبرير الرسمي) ، وأدت الى تغيير كبير في السياسة الدولية ، وان كنتُ من المشككين في هذه الحادثة (أقرأ مقالتي – أحداث 11 أيلول ، الوجه الخفي) .

كمبدأ عام في التحقيق في حوادث الطيران ، هو أن يُستبعد عنه الخلل أو العيب الميكانيكي أولا حتى لوكان هو السبب فعلا لآخر لحظة ! ، ويرافق ذلك التعتيم الأعلامي ، لهذا يكون عمل المحققون في غاية السرية وفي دائرة ضيقة للغاية ومرتبط مباشرة بأجهزة الدول المصنعة المخابراتية ، وعادة ما يكون هؤلاء المحققون والفنيون من العناصر الأستخباراتية والعسكرية ، لأن هذا الحادث يمس سمعة البلد المنتج للطائرة ، بالأضافة الى سمعة الشركة ، وهنا تتدخل السياسة لأجل اخلاء ذمة الطائرة واستبعاد الخلل أو العيب الميكانيكي المسبب للحادث مهما كلف الأمر ، حتى إذا أدى ذلك إلى التلاعب لتحويل السبب إلى خطأ بشري ، فعلى سبيل المثال ، اعتبروا في معظم الحوادث ، أن الطيار أو مساعده هو السبب ، مثلا بسبب سوء استخدامهم لرافعة الذيل (Elevator) مما سبّب انفصال هذا الذيل عن الطائرة ! ، علما ، أن هذا الذيل ، تُجرى عليه اختبارات تحَمّل قاسية جدا للنموذج المصنّع ، ولا يمكن له الأنفصال عن بدن الطائرة جوا ، مهما عبثت بعصا القيادة ، نفس الشي بالنسبة للموازن العمودي للذيل (Vertical Stabilizer) ، الذي ينفصل بسبب سوء ادارة الدفة من قبل الطيار ! ، فهيكل الطائرة صُمّم بعبقرية ، كونه يجب أن يجمع بين تناقضين ، خفة الوزن الى أقصى حد ، والقوة الميكانيكية لتحمُل الأجهادات لأقصى حد وفي آن واحد ! ، وبعد تفشي موجة الأرهاب ، صارت كل الحوادث تُعزى أولا الى عمل أرهابي ! ، فالأرهاب اذن ، فرصة ذهبية للأفلات من تداعيات الأخطاء والأعطال وأخلاء المسؤولية عن ذلك ، فحتى قطاع الطيران ، قد استفاد من ظاهرة الأرهاب تلك !.

عند حصول حادث تحطم للطائرة ، يهرع للموقع بسرعة ، مندوبين من الخبراء العاملون في الشركة المصنعة للطائرة المنكوبة ، وقد لاحظت أن المحققين الجويين غالبا ما يهملون شهادات شهود العيان ! ، ويُجمع الحطام ، ويُعطى الصندوق الأسود أولوية في البحث ، لكونه يحمل كم كبير من المعلومات ، منها الحوار بين أفراد الطاقم ، حيث يُفحص بعناية ، وبمقتضاه يتم البحث عن أي حجة ، يكفي ان يسمعوا كلمة (تعبان) أو (لم أنم جيدا) ، أو مجرد (عطسة) في حوار الطاقم في قمرة القيادة ، او عبارة (ما هذا) ، او حتى صوت طقطقة مفاصل الأصابع ! ، ويوظف كذلك البحث في مقتنيات الطاقم كالأدوية ، والتقارير النفسية ليُستخدم فيما بعد ضد الطاقم ، كأسلوب المحامي البارع لتبرئة مجرم حقيقي !، يحتوي الصندوق الأسود أيضا على معلومات عن مسار الطائرة ، درجة الحرارة ، الأتجاه ، الأرتفاع ، الى آخره ، وفي حالة سقوط الطائرة من أرتفاع عال ، ستتهشم كليا ، ويصبح من المتعذر فحص اجزاء الحطام ، لكنهم سيتوصلون الى استنتاجات تتلائم مع مبدأ استبعاد حصول عطل ميكانيكي أو بسبب خطأ تصميمي ، وحتى لو توفر الدليل ، عندها سيكون السبب (المعلن) هو سوء الأستخدام الذي يعني طيفا واسعا من الأعذار والحجج ، كنوعية الوقود ، الحمل الزائد ، اساءة استخدامات الطيار الآلي الكثيرة جدا ، عدم مراعاة جدول الصيانة الدورية ، أو وجود مواد خطرة في عنبر الشحن ، ضعف انتباه الطاقم وقلة ملاحظته ، وعدم مراعاتهم لمعلومات تدريبهم ، ثم تُرمى الكرة الى الأرض ، حيث المسيطرين الجويين ، وسوء ادارتهم ، أو سوء الفهم المتبادل بسبب مشكلة لغوية ، وغيرها من الحجج ، أهم نقطة هي تبرئة الطائرة نفسها من الأعطال الميكانيكية ، ورمي الكرة في ملعب الدولة المالكة للطائرة ، هكذا تحافظ الشركة المنتجة للطائرة على صورتها لامعة ، فلا تتأثر اسهمها في السوق !.

في 24 آذار 2015 ، سقطت طائرة الخطوط الجوية الألمانية (لوفتهانزا Lufthansa) من طراز (أيرباص) فوق جبال الألب الفرنسية ، فقد على أثرها 142 من ركابها حياتهم ، بالأضافة لطاقمها المؤلف من 6 أشخاص ، وبدلا من أن يكون السبب عطلا أو قصورا ، عُزي السبب الى ميول مساعد الطيار الأنتحارية ، وأنه كان يعاني من الأكتآب ، ووضعوا سيناريو كيف انه تخلص من الطيار بذريعة ما ، ليُخرج الطيار من المقصورة ،وما أن خرج حتى أقفل على نفسه الباب ، وقام بأسقاطها عمدا !، فهل يُعقل أن يوظف طيار بحياة حافلة بالأضطراب النفسي لتحمل مسؤولية كبيرة كقيادة الطائرة ؟ ثم كيف لا توجد آلية لفتح الباب في الظروف الأضطرارية ؟.

في 17 تموز 2014 ، سقطت الطائرة الماليزية من طراز (بوينغ 777) شرق أوكرانيا ، أيام النزاع حول شبه جزيرة القرم ، وسرعان ما وظِف هذا الحادث سياسيا ، ووجه الأتهام الى المتمردين الموالين للروس بأستخدام صاروخ أرض جو ، هكذا حُشّد الرأي العام العالمي ضد روسيا لمحاولتها ضم شبه جزيرة القرم ، بالرغم من التوضيح الروسي من عدم وجود دليل اصابة للطائرة بصاروخ .

أغرب حوادث الطيران ما حصل للطائرة الماليزية في 8 آذار2014 من طراز (بوينغ 777) ، الرحلة رقم 370 ، وكان على متنها 227 راكبا مع 12 من أفراد الطاقم ، تحطمت في خليج تايلاند ، ولم يتم العثور ولو على قطعة واحدة من الحطام وكأن الأرض ابتلعتها ! ، مع وجود أقمار صناعية قادرة على تصوير قيعان المحيطات والبحار ! وقد كثر اللغط عن هذا الحادث الغريب ، وكانت نظرية المؤامرة سيدة الموقف ، فمن المحللين من أدعى بوجود ركّاب غير مرغوب فيهم فتعرضوا للتصفية ، ومنهم من أدعى انها كانت تحمل أجهزة لم يريدوا لها أن تصل لوجهتها !..

لدى أوربا وأمريكا العديد من شركات صناعة الطائرات ، المدنية والحربية ، وكلها تمتلك سطوة كبيرة حتى في الأوساط الحكومية ومراكز صنع القرار ، بأعتبارها جزء كبير وهام ينظم مع لوبي الصناعة بشقيها المدني والحربي ولوبي النفط والمال والمنظمات السرية الأخرى ، لتشكل ائتلافا يدير العالم !.

قيل أن الرئيس الأمريكي الأسبق (جون كينيدي) ، كان في نيّته السعي لأنهاء التورط العسكري في (فييتنام) ، لما يمثله من ضغط على الأقتصاد الأمريكي ، وهذا إن حدث يعني تراجع انتاج وتجارة السلاح ، وبالذات طائرة (هيوي) الهليكوبتر العسكرية السيئة الصيت ، والتي ساهمت بفاعلية في حرب الأبادة تلك ، ويقال ان معظم الطاقم الحكومي المحيط بالرئيس (كينيدي) ، لهم أسهم استثمار في هذه الشركات ، هكذا لقي الرئيس مصرعه ، في أكبر قضية أغتيال غموضا ، لقد كان ضحية ائتلاف المؤسسات تلك !.

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
867متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المؤرخون الإسلاميون والباحثة بثينة بن حسين

شخصيا أثمّن الجهّد المبذول من قبل الباحثة التونسية في كتابها الموسوعي (الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية) وهو من الكتب الضرورية ويستحق...

لماذا لم يكتب الشيعة تاريخهم بايديهم

عندما تبحث عن أي حدثٍ ما في تأريخ الشيعة سياسياً أو عقائدياً أو اقتصاديا ،أو كل ما يهم هذه الطائفة من أسباب الوجود والبقاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محاولة اغتيال سلمان رشدي: جدلية التطرف في الفكر وممارسة العمل الإرهابي؟

في نهاية القرن العشرين واجه العالم عملية إحياء للأصولية الدينية إذ شكل الدافع الديني أهم سمة مميزة للإرهاب في الظروف المعاصرة، بعد أن أصبح...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لقد ابكيتنا يا رأفت الهجان…

اليوم وانا اعيد مشاهدة المسلسل المصري القديم رأفت الهجان من خلال شاشة الموبايل وبالتحديد لقطات لقاء بطل الشخصية مع عائلته في مصر بعد عودته...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أموال ( النازحين ) تحولت إلى خزائن اللصوص ؟!

معظم النازحين في العراق وإنا واحد منهم سجل أسمه في قوائم وزارة الهجرة وتم توزيع تلك القوائم إلى منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى والأطراف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإنسداد السياسي في العراق… ومتاهات الفراعنة

يبدو المشهد السياسي في العراق مثل متاهات الفراعنة أو دهاليزهم السِريّة كمن يحاول الخروج من غرفة مظلمة عِبرَ باب دوار حتى يجد نفسه قد...