السبت 3 ديسمبر 2022
11 C
بغداد

أعطني خوذة (كيوشي أميميا) ، وخذ مني ألف عمامة !

إخترتُ عنوان المقالة تيمنا بمطلع قصيدة السيدة (سعاد الصباح) في أحد مهرجانات المربد ، ومطلعها (أعطني خوذة جندي عراقي ، وخُّذ مني الفَ أديب) ، وبغض النظر عن رأيي في توجّهات الدكتورة سعاد الصباح ، إلا إني أجد هذا العنوان مناسبا لمقالتي .

(كيوشي أميميا) ، مهندس ياباني يعمل في شركة (هيتاشي Hitachi) اليابانية المشهورة للصناعات الثقيلة ، كان في جولة سياحية في أرجاء (كمبوديا) ، فتأثر جدا لرؤية عدد كبير من المعاقين وقد بُترت أطرافهم ، خصوصا من الأطفال ، فهاله مما رأى ، هكذا دفعته انسانيته وحركت فضوله للسؤال عن السبب ، فهذا الرجل ، رجل علم وبحوث وليس سياسيا ، لكنه ليس متبلّد المشاعر كسياسينا الذي أهمل صُلب عمله ، ولا يمتلك أي مهارة أو مَلَكة سوى أساليب النهب ! ، فعرف أن سبب عوَقَهُم هو ملايين الألغام التي زرعها نظام (الخمير الحمر Khmer Rouges) الدموي الذي كان يرأسه الدكتاتور (بول بوت) السيّ الصيت في السبعينيات ، ومن مخلفات الحرب بما فيها القنابل غير المنفلقة ، وأن هذه الألغام حصدت من الارواح ايضا ما حصدت ، خصوصا القرويون الذين يعيشون في تماس مباشر مع هذه الألغام ، والتي تشكل 40% من مساحة البلد !.

فعاد الى بلده متعجبا من أهمال المجتمع الدولي لهذا الخطر الكبير ، فأراد أن يعمل شيئا لمساعدة هذا البلد ، فقرر أن يغير هذا (المُنكر) بيده لا بلسانه ولا بقلبه ! ، بسبب يأسه من (رحمة ) ما يسمّى (المجتمع الدولي) ، فتوجه الى مختبره ومرسمه لتصميم آلية ثقيلة لتفجير هذه الألغام والنجاة من شرّها ، وهو يرى أدوات بدائية وبطيئة للغاية في الكشف عنها ونزعها وتفجيرها ، وما يرافق ذلك من خطورة على الشخص المنقب عنها ، والذي غالبا ما يكون من المتطوعين .

قام بتصميم وصُنع آلية ، هي عبارة عن حفّار بذراع طويل ينتهي بأسطوانة عرضية مليئة بالأسنان التي تشبه الأزاميل وتدور بسرعة لنزع وتفجير الألغام في نفس الوقت ، وبماله الخاص ، اكرر ، بماله الخاص ! ، قام بشحنها الى كمبوديا ، وكان هو من يعمل عليها معتمرا خوذته البيضاء ، وقد نجحت هذه الآلية الى حد كبير ، لكن بعض الألغام كانت من القوة ، بحيث كسرت الأسطوانة ودمّرَت أسنانها .

أراد الرجل تطويرها ، لكن ماله نفذ ولم يعد يكفيه ، فتبرع له الكمبوديون ، ففكر في تحويل الأرض المليئة بالأدغال والألغام ، الى أرض صالحة للزراعة ، فصنع آلية مدرعة ذات اسطوانة وأسنان بسبيكة معدنية هو مَن طورها ، تقاوم أشد الأنفجارات يحملها ذراع أمامها ، ووضع في الخلف محراثا ، أي أنها تفجر للألغام وتنزع الأدغال لكشف وجه التربة ، ومحراث ومَبذرة للبذور في نفس الوقت ! ، ولا تزال تعمل وقد نجحت في اكتساح الآلاف من الألغام بوقت قياسي ، هكذا تحولت لعنة هذه الارض الخطرة الى سلامٍ أخضرٍ !.

رجل واحد ، ربما كان بوذيّا أو وثنيا ، أو بلا ديانة ، كان مختبرا ومعملا وباحثا بحد ذاته وبغاية الأبداع والرقي الإنساني ! ، قطعا الخلل ليس في الدين ، بل على العكس ، فلدينا من التراث الأنساني الذي جاء به ديننا الحنيف ، من أحترام للحياة ، والتعامل اللين ، والتسامح ، والتكافل ، والعلم ، والرقي الانساني الى أقصى الدرجات ، ما يحسدنا العالم عليه ، الا أنها بقيت حبيسة الكتب ! ، ولكن الخلل في من سُمّى بأسم هذا الدين ، قال تعالى في سورة (البقرة) (مَثَل الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يَحملوها ، كمثل الحمار يحمِلُ أسفارا) ، فما أبلغ هذه الآية ، وأنا أراها تنطبق على الكثير ، ولكن بأستبدال (التوراة) في الآية الى القرآن ، (والأسفار) الى سُوَرْ !. 

رجل واحد ، قام بأحداث هذا الفرق الهائل ، ونحن نتعرض للإبتزاز وهدر الكرامة والإهمال ونشر التخلف ، بشكل لا يُقارَن مع الكمبوديين ، فأين نحن من فقراء كمبوديا ؟ فهم مَن تبرّع له بالمال ، على عكسنا ، فلو زار هذا الرجل العراق ، فلن يستطيع التجول بمفرده لدواعٍ أمنية ، وسننظر اليه على أنه بقرة حلوب ، وسيتعرّض للمساومة (لأخذ المقسوم) أو الأختطاف لأجل الفدية ! ، بل من المؤكّد أنه سيُقاضى عشائريا لأنه تجاوز على أراضيهم المحرمة عليهم أصلا بسبب امتلائها بالالغام التي أفرزتها الحروب الكثيرة ، وٳن كانت أراضٍ مهملة تتبرّز فيها بنات آوى ! ، فقراء كمبوديا على الأقل لديهم حس بالمواطنة وأحترام القانون والعمل لأجل الصالح العام الغائب عن بالنا ، فتفوقوا أشواطا على عقلياتنا !، وقد خلت كل وزاراتنا بل دولتنا بأكملها ممن يملك معشار ضمير وأبداع وأمانة وإنسانية هذا الرجل ! ، كان المال لدينا  وفيرا ، لكنه ضاع مع ضياع الضمير ، بربكم ، هل ملأ هذا الرجل الدنيا بخطابات سياسية أم دينية لا نفع منها الا المتاجرة ، كسياسيينا ؟ ، لا ، لم يفعل ، لقد فعل دون قول ، وبعيدا كل البعد عن الأضواء ، فهل هنالك وجه مقارنة بين خوذة هذا الرجل ، وجميع عمائم وأفندية العملية السياسية ؟! ، فعدوّنا المتأسلم ، يصنع الموتُ لنا دائبا ، وليس ازاؤه ، رجل واحد في كل الدولة العراقية ، مَنْ يصنع الحياة ، كالسيد (كيوشي أميميا) ! .

هؤلاء ، قتلوا الأنفس المحترمة ، ونهبوا ما نهبوا حتى أفقروا البلد ، وخانوا الله ورسوله وأهل بيته ، وهل من خيانة أكبر من ذلك ؟ ، “متديّنون” يتنفّسون الكبائر فمن نحنُ ؟ ، وتحوّل الزي الديني ، إلى مجرد عُدّة للشغل ، وترى أحدهم إذا إرتقى المنبر ، يتحول إلى فيلسوف زمانه ، لا أقصد بذلك الجميع ، فلو خُليتْ قُلِبَتْ ، لكنها القِلّة التي لم تتاجر بأقدس المقدّسات ، تلك التي تحت عمامتها يقبع عقلٌ حكيم وقّاد ونظيف بضمير حي ، لكنها للأسف خافتة الصوت ، لا يفهمها شعب يؤمن بثقافة الصوت العالي ولعلعة الرصاص ،  أو ذات فتاوى (حمّالة أوجه) ، فأستغلّها الأفّاقون ، وجيّروها بعقلياتهم المريضة لصالحهم !  .

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بين يدي خروج المنتخب المنظم لبطولة كأس العالم 2022

(إعداد اللاعب مقدم على بناء الملاعب) في الثمانينات تمكن أحد أبطال العراق من الوصول الى احدى البطولات الاولمبية وقبل السفر تنافس الفنيون والاداريون - واللوكية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المطر الزائر الكريم……

في كل عام أجدد فرحتي بعيد جديد أسميته عيد المطر نعم انها فرحةً لا توصف عندما ترى الارض فرحة والسماء تنزل علينا من بركاتها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بلا عنوان..

الفصل الأول بينما كنت غارقة في بحر أشجاني.. أستمع لمعزوفة " ذكرى رجل عظيم".. شغل تفكيري.. أنظم حولها أشعاري.. أرتب على إيقاعاتها أفكاري.. باغتني الحجاج...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الدين قويم والخَلق سقيم!!

الدين يتبعثر , يتقدد , يتمزق , وذاك شأن أي دين , ولا يشذ دين عن هذه المتوالية الإنشطارية التفاعلات. وعندما نتساءل: لماذا هذه النزعة...

الديستوبيا في أدبيات الروائي المعاصر” جورج أورويل “!؟

توطئة / الدستوبيا تعني التراكم الكمي والنوعي للمخرجات السلبية للحكم الشمولي الدكتاتوري في ظهور بصمة ( المدينة الفاسدة ) وهي عكس اليوتوبيا ( المدينة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم .. الشاعر والصحفي عبد السادة البصري

عبد السادة البصري قامة شعرية عراقية شامخة شموخ نخل البصرة تشم منه رائحة ( حناء الفاو ) وطيبة البصرة وتلوح على محياه عذابات العراقي...