القاضي عبدالجبار التكرلي ونظرته المتقدمة تُجاه حق الأم في الولاية على اولادها

ان الحاكم والمحامي الكبير عبدالجبار التكرلي كان واحد من كبار حكام محكمة التمييز في العراق وكان آنذاك يسمى القاضي بالحاكم، وكانت سيرته التاريخية تعج بالمآثر الكبيرة ومنها انخراطه في العسكرية بصفة ضابط في الجيش العثماني والمشاركة في الحروب وتعرضه للآسر في معارك بئر السبع الفلسطينية ونقله إلى الإسكندرية ومن ثم فك اسره في بغداد عام 1918، كما تولى مناصب سياسية ووزارية وبرلمانية وغيرها، وهو من مواليد محلة باب الشيخ في بغداد عام 1893 والمتوفى عام 1964 ، وخلال هذه المسيرة العطرة مارس العمل القضائي كما زاول مهنة المحاماة بعد عام 1958 ولحين وفاته، وشغل عضوية المحكمة العليا التي تمثل القضاء الدستوري في العراق آنذاك بوصفه من كبار أعضاء محكمة التمييز، كما شارك في لجنة كتابة القانون المدني العراقي، ذلك المنجز الحقوقي والمعرفي الكبير الذي نفخر به ونستدل بأنواره إلى جادة الصواب في ظل العتمة التي تلف مجتمعنا في الوقت الراهن، ومآثر المرحوم عبدالجبار التكرلي وعائلته العلمية والثقافية، فإنها تتسع لأفاق مديدة، لكن وجدت ان للتكرلي موقف يكاد يكون متفرد في زمانه عن بقية أقرانه وكذلك عن السائد في المجتمع آنذاك، وهذا الموقف اطلعت عليه وانا أطالع الجزء الأول من الأعمال التحضيرية للقانون المدني العراقي التي اشرف على جمعها وأعدادها كل من القضاة (الاستاذ ضياء شيت خطاب وابراهيم المشاهدي وعبدالمجيد الجنابي) وكذلك الأساتذة (عبدالعزيز الحساني وغازي ابراهيم الجنابي).
وطبعتها مطبعة الزمان في بغداد عام 1998، وكان للتكرلي موقف تجاه حق المرأة في ان تكون ولياً وليس وصياً على اولادها القاصرين، حيث ان السائد في المجتمع العراقي والعربي والإسلامي ان الولاية للرجل حصراً باستثناء بعض الآراء الفقهية لدى بعض المذاهب على جواز ولايتها على أولادها القاصرين وهذا الرأي يمثل اقلية غير ملتفت اليها، وفي مناقشة موضوع الولي على الصغير عند كتابة القانون المدني النافذ رقم 40 لسنة 1951 والتي أصبحت فيما بعد المادة (102) وعلى وفق النص الاتي (ولي الصغير هو ابوه ثم وصي أبيه ثم جد الصحيح ثم وصي الجد ثم المحكمة أو الوصي الذي نصبته المحكمة) حيث اقترح المرحوم التكرلي ان تضاف الأم إلى الأشخاص الذين لهم حق الولاية على القاصر بدلاً من ان تكون وصياً عليهم، لكن هذا المقترح لم يلقى القبول من أعضاء لجنة كتابة القانون آنذاك، ومنهم المرحوم الدكتور عبدالرزاق السنهوري والمرحوم منير القاضي، وذلك بسبب خلفيتهم الدينية التي تعتمد على أراء بعض للمذاهب التي لا تجيز ولاية المرأة سواء على القاصر أو في الأمور الأخرى ، لكن كان للتكرلي تأكيد وتوضيح لمقترحه فيرد على الدكتور السنهوري بقوله (هذا القانون سيعمل به أجيالٌ طويلة ومن المعقول ان تطالب المرأة بحقها في الولاية على ولدها ولاية شرعية) لكن الأعضاء بعد المناقشة اكتفوا بان تكون الأم وصية على أولادها القاصرين وبقرار من القاضي، وكان التبرير الذي قدمه المرحوم منير القاضي بان (احتمال زواج الأم بعد موت زوجها فلا تكون صالحة للولاية على ولدها) وللاطلاع على هذه الحوارية والنقاش مراجعة الصفحة (113 من ج1 من الأعمال التحضيرية الملمع عنها في أعلاه) وهذا الرأي المتقدم في زمانه كان يمثل استشراف مستقبلي لما يكون عليه التشريع، ويعطي درساً لمن يتولى كتابة النصوص القانونية بان يكون الكاتب ملما بالأحوال الاجتماعية الحاضرة والمستقبلية من اجل إعطاء نص يتوفر على عنصر الديمومة في المعالجة عند التطبيق، كما يمثل رأي تقدمي تجاه المناداة بحقوق المرأة التي ما زال البعض ينتقصها بل يسعى إلى سلب ما حصلت عليه بعد نضالها من اجل تحقيق هذه المكاسب، وما يعزز فكرة تقدمية المقترح ومقاربته من الاتجاهات الفكرية والحقوقية المتقدمة ان القانون العراقي قد منح المرأة صفة الولاية على أولادها القاصرين لكن في مجال ضيق جدا وعلى وفق ما ورد في المادة (3/خامساً) من قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 المعدل التي جاء فيها الاتي (يعتبر ولياً، الأب والأم أو أي شخص ضم اليه صغير او حدث او عهد اليه بتربية احدهما بقرار من المحكمة) حيث جعلت من الأم ولياً على الحدث الجانح ومثله ورد في قانون تحديد سن المسؤولية الجنائية في إقليم كوردستان – العراق رقم 14 لسنة 2001 ، ويذكر ان هذه المناقشات حول كتابة القانون المدني كانت بتاريخ 30/8/1943 أي قبل ثمانية عقود تقريباً، وكان ذلك المقترح هو خطوة للنهوض بواقع المرأة إضافة للمحاولات الأخرى في المجتمع انذاك، واليوم وبعد ان دخلنا في الألفية الثالثة نجد من يسعى ليعود بنا إلى الوراء تحت ذرائع واهية، لذلك لابد لنا من استذكار قادة الرأي من الأوائل الذين تصدوا لمهمة تأسيس البنى التحتية للمجتمع العراقي سواء في باب التشريع او القضاء او سائر العلوم الأخرى، ليكونوا مثالاً يحتذى به من الأجيال الحاضرة، وعلى وجه الخصوص في الجانب القانوني لان البعض يسعى لتقييد الأفكار وتكميم الأفواه لمن يعمل في المجال الحقوقي من خلال وضع القيود والموانع والأوامر الزجرية، وقد يصل بعضها إلى عزله عن مواقعه الحقوقية سواء كانت في المحاماة او في القضاء او في سائر مفاصل الدولة، بينما نجد ان القاضي عبدالجبار التكرلي لم يكن يُنقل عنه هذا الأثر الكريم لو لم يكن قادراً على التعبير عن أفكاره بحرية واسعة دون قيد وكان مخزونه المعرفي والثقافي وعلو وجاهته الاجتماعية ضابطاً لحدود مسؤولياته دون الحاجة إلى رقيب، حيث يقول احد فقهاء القانون ان تقلد مناصب القضاء هو اسمى درجات العلو الأخلاقي والتسامي في الأفكار، ويصفه الامام علي (ع) بقوله (ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم (4)، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل) ،كما يقول ابن أبي الدم الحموي في كتابه الموسوم ادب القضاء ان (القضاء تلو النبوة) أي يلي النبوة في المكانة، لذلك لا توضع القيود على القاضي في التفكير لأنه في منزلة سامية إلا اذا كان هناك من يخشى منه الميل والانحراف وهم الذين وصفهم الدكتور مصطفى الزحيلي في شرحه لكتاب ادب القضاء بقوله (ان المكانة العظيمة التي احتلها القضاة، والدور الفعال الذي يقوم به القضاء، لفت الانتباه نحوه، فطمع به أصحاب الأهواء، وتنافس عليه السوقة، ووصل إلى منصة العدالة الجهلة، فأساءوا اليه وشوهوا أغراضه، وكانوا وصمة عار في جبين التاريخ وسادت الرشوة والجور وشراء الوظائف في بعض الأحيان، فتنبه إلى ذلك العلماء والصالحون، وحذروا منه وبينوا شروط القاضي وشروط تعيينه، وابرزا مخاطر القضاء، واعلنوا التخويف منه، ونشروا الاحاديث الواردة في التشديد من قضاء الجور، وذهبوا إلى تفضيل ترك القضاء على قبوله، بالنسبة لمن توفرت فيه الأهلية والشروط، فكيف بمن يفقدها) وعلى وفق ما ورد في كتاب ادب القضاء (منشورات المجمع العلمي في دمشق ـ طبعة عان 1975 ص7) وفي الختام لابد من التذكير بان مسيرة نيل الحقوق لاتقف عند حد زمني او مفصل هيكلي بل إنها مسيرة فكر وتنوير تمضي حيثما عجلة الحياة تدور ويذهب منها الغثاء والزبد ويبقى ما ينفع الناس، فليكن تفكيرنا ف ما ينفع الناس وحماية مجتمعنا من الزلل والتيه وما استذكار تلك القامات الحقوقية والفكرية إلا محاولة لبيان من تخلده المواقف ومن تنبذه وتلفظه الصحائف بعد زوال عرشه وسطوته.
سالم روضان الموسوي / قاضٍ متقاعد

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
806متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

في الامتحان يكرم مقتدى أو يُدان

لمقتدى الصدر، منذ تأسيس جيش المهدي وتياره الصدري في أوائل أيام الغزو الأمريكي 2003، عند تلقيه شكاوى من أحد الفاسدين، وخاصة حين يكون قياديا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مظلومية العراقيين… من لها ؟

تعددت المظلوميات التي حُكمنا بها ! بعضها أُعطيت لها أبعاداً طائفيةتاريخية ومنها معاصرة, أُسكتت بالسلاح الكيمياوي لإطفائها ووأدها. مدّعو هذه المظلوميات, الذين أدخلهم المحتل الأمريكي...

التحولات الاجتماعية والنظم الثقافية في ضوء التاريخ

1     نظامُ التحولات الاجتماعية يعكس طبيعةَ المعايير الإنسانية التي تتماهى معَ مفهوم الشخصية الفردية والسُّلطةِ الجماعية . والشخصيةُ والسُّلطةُ لا تُوجَدان في أنساق...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كاتيوشيّاً

طَوال هذه السنين الطِوال , يستغرب بل يندهش المرء لا من اعداد صواريخ الكاتيوشا التي جرى اطلاقها هنا وهناك < دونما اعتبارٍ للمدنيين الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الرئاسة بين الألقاب والأفعال!

لم يتعود العراقيون أو غيرهم من شعوب المنطقة إجمالا على استخدام مصطلحات التفخيم والتعظيم على الطريقة التركية أو الإيرانية في مخاطبة الما فوق الا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

إنبوب النفط العراقي الى الأردن.. ضرورة أم خيانة؟

لكل دولة سياسات ومواقف عامة وثابتة، تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، وإن تعددت أساليبها في إدارة الدولة منها: حماية اراضي الدولة وسياداتها، رسم السياسات المالية...