الأحد 4 ديسمبر 2022
11 C
بغداد

الكتابة الابداعية – الايحائية في قصيدة غناء عوسجة بدمعة كبرياء

الكتابة الابداعية – الايحائية في قصيدة ( غناء عوسجة بدمعة كبرياء ) للشاعرة : سلوى علي – العراق – السليمانية .
أنّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي القصيدة التي تتخلّى عن الوزن والقافية , تكون فقراتها النصيّة سلسة , وفي نفس الوقت صعبة الانقياد والكتابة , تعبّر عن هواجس النفس الدفينة , وعمّا يحدث في أعماق الروح , وتُثير المتلقي وتجعله يقف أمامها مندهشاً متحيّراً قلقاً , أنّها تُكتبُ على شكل كتلة واحدة وبدون تشطير أو ترك فراغات بين فقراتها النصيّة أو نقاط , وتكون طبيعتها شعريّة , حيث ينبعث الشعر الكثير مَنَ النثر الكثير , تُكتبُ بالجمل المتوالية والفقرات المترابطة فيما بينها , وتحتفظ بخصوصيتها الشعريّة , وتبتعد كثيراً عن السرد الحكائي , تكون الكتابة فيها متواصلة , وتمتاز بكثرة الصور الشعريّة والمشحونة بزخم شعوري عاطفي شديد , هي المزاوجة ما بين النثر والشعر , والتشظّي الشعري , تبتعد كثيراً عن التشطير ولا تكتفي بالصورة الشعريّة المعهودة , كلّ جملة فيها هي عبارة عن سطر شعري , فهي ليست قصة أو مقالة , هي لا تمتلك ثيمة ولا تسلسل حكائي ولا حتى تطور حدثي , فقراتها النصّية تتتابع وتتوالى , وكذلك صورها الشعريّة الكثيرة , وما فيها من كمية مشاعر وأحاسيس مرهفة , قادمة مِنْ أعماق الذات الشاعرة , تحافظ على الرمزيّة الإيحائيّة والتكثيف اللغوي والصور الشعرية والأنزياحات , هي القصيدة التي لا تعتمد على توظيفات بصرية إيقاعية , التعبيريّة فيها تعني التقاط المعنى العميق والدفين وإظهاره بصورة شعريّة مذهلة , لغتها التعبيريّة تكون بلّوريّة ومن خلالها نستطيع رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة .

في هذه القصيدة السرديّة التعبيريّة النموذجيّة / غناء عوسجة بدمعة كبرياء / , نجدها تشتمل على التضادية ابتداء من :

1- نثرية الشعر ( النثروشعرية ) .

2- شعرية السرد ( السرديّة الشعريّة ) .

3- توصيلية الرمز ( الرمزيّة ) .

4- تأثيريّة الكلام شعورياً واحساسيّاً ( التأثرية الشعورية ) .

5- الادراك العميق باللغة ( التجريديّة ) .

فنحن أمام عناصر ذهنية للتعبير تتمثّل بالفكرة , وعناصر روحيّة تتمثّل بالعاطفة والجمال . وبالعودة الى الوحدات التعبيرية لهذه القصيدة نجد هذه الحالة من التناغم ما بين الروح والعقل والجسد , فاللغة هنا وليدة منتجة نتيجة عشق الشاعرة للغة والتوسع والابحار في جماليتها وهذا ما نجده في هذه الوحدات التعبيرية نتيجة لقدرتها وشعورها العميق باللغة وهذا ينمّ عن تجربة كبيرة للشاعرة . فمن خلال الولوج الى عالم الشاعرة الشعري ومن خلال عنوانها المثير واللفت / غناء عوسجة بدمعة كبرياء / نجد العمق الشعري الظاهر والمتجلّي , فالعنوان عبارة عن وحدة تكوينية يشتمل على الرمزيّة والتعبيريّة والتجريديّة والايحاء والخيال الخصب في رسم هذه الصورة الفذّة , هنا تتجلّى بوضوح التأثرية الشعورية والايحائية والرمزيّة والتجريديّة , هذا العنوان ينفتح أفق من التأويل , فمثلا ترمز مفردة / غناء – يرمز الى صوت الذات الشاعرة ,/ عوسجة – هو الذات الشاعرة نفسها , / بدمعة – التأثير الشعوري الإحساسي , / كبرياء – الدراك العميق بالغة التجريديّة التعبيريّة , أنّها أغنية حزينة يتجلّى من خلالها الكبرياء , والعنفوان , والقوّة , هذه الذات الشاعرة – العوسجة الشجرة المغروسة في الأراضي الجافّة وما يعني من غربة وانفصال وتشظّي تقاوم البقاء والصمود رغم الجفاف وعدم وجود التربة الصالحة والأجواء الملائمة لنموّها , بدمعة – بوح تعبيريّ يدلّ على تحمّل الصعاب والحزن والمحن ومدى التأثير النفسي والجسدي وما تلاقيه من مشاق وصعوبات في الحياة , لكن رغم كلّ هذا فها هي الإنسانة والشاعرة المعتزّة بذاتها والحاملة لكلّ هذا الكبرياء والشموخ , هذه الكرامة التي هي من أعزّ ما يمتلكه الانسان ويصنع كيانه ويحفظ هيبته ووجوده وكرامته من الضياع , هنا يوحي لنا العوان وكذلك بقيّة القصيدة بمدى تمسّك الشاعرة بكرامتها وبعدم تفريطها بها , وبعدم التهاون والتنازل وتقديم الخسارات .

والان لنتناول قصيدة الشاعرة : سلوى علي , وبهدوء نتجوّل في رحابها وشموخها وجماليتها , فمثلا نقرأ / اوتارها ترياق شقاء / كيف تكون الاوتار ترياقاً للشقاء – هذه اللغة التجريديّة حيث تنقل لنا المشاعر والأحاسيس بدلاً عن المعنى المتعارف عليه , ثم نتدرج في بحر ابداع الشاعرة بهدوء وحذر شديد / يقطع الحبل السرّي لمشيمة تفاحة عذراء فائرة الروح بين مزارات شواطئ الملح في عراء خريفها بتلك الارض الراسخة فوق خطّ استواء الانغماس / , هنا نجد بانّ الكلام ليس كلاماً عادياً جميلاً فقط , وانما هنا تتجلّى عظمة اللغة المبهرة والعظيمة , والتي تتراوح ما بين التعبيريّة والتجريديّة , ومن بعيد توح بالكثير بالعاطفة الجيّاشة وجمال الروح , ثم / كلّما انجبت عوسج امرأة حنطّيّة عصافير كهلة فوق ربوة خرساء منَ اللمسة الاولى , تجمع رايات الاستسلام في حقبة مدينتها الحزينة تقضم خشخاش الدهشة بين أنياب الذئاب الادبيّة التي أخطأت مرادها / , هنا نجد الانزياحات اللغوية والانحرافات العظيمة في اللغة والابتعاد بعيداً عن السطحية والمباشرة , وكذلك نقرأ / تبكي ووحمة أزقّتها القديمة التصقت بجداول كرزها بين ثمالة الامزجة تتذوق الف خذلان وحفنة قرنفلات من حنظل / , نجد هنا التأثيرية الشعورية العنيفة تنبعث من بين طيّات هذا المقطع النصّي الفذّ , فهذا المقطع يمتلك طاقات شعورية عنيفة وتوصيليّة رمزية محبّبة وإيحائية عالية البوح والـتأثير , ثم نقرأ للشاعرة / تشقّ صدر الكلام , علّها تنقر حشود الاسئلة كلّما تفتّقت بوصلات الضمائر هامتها الراسخة وهي تبحث عن رغيف خبز بدمعة كبرياء خوفاً مِن الغواية / , هكذا تنهي صراعاتها النفسية ومكابداتها بهذا المقطع النصّي ولتقول لنا بإيحاء : أنّها ستبقى شامخة كالجبال الراسيات مرفوعة الرأس رغم قحط الغيوم وجفافها , تبقى باقية يرافقها الإباء والكرامة زادها رغم الفقر والعوز والحاجة , عزيزة النفس صلبة متماسكة رغم ذئاب الغواية التي تحدق بها من كلّ جانب وتحاول أن تنهشها , وليبقى الصراع محتدما ومفتوحا ومستمرأ من أجل الخير والسلام والمحبة والمحبة ضد جيوش الظلام وذئاب الطغيان والفقر والعوز . لقد استطاعت الشاعرة : / سلوى علي / مِنَ التفنن والابحار عميقاً في عوالم اللغة التعبيريّة والتجريديّة يساعدها في ذلك خيالها الخصب ومخزونها المفرداتي والمعرفي , فاستخلصت كنوز هذه اللغة الدفينة وأستنطاقها بطريقة ابداعية مدهشة .

القصيدة :

غناء عوسجة بدمعة كبرياء

أوتارها ترياق شقاء ، یقطع الحبل السري لمشیمة تفاحة عذراء فائرة الروح بین مزارات شواطئ الملح في عراء خريفها بتلك الارض الراسخة فوق خط استواء الانغماس ، كلما أنجبت عوسج امرأة حنطية عصافير كهلة فوق ربوة خرساء من اللمسة الأولى ، تجمع رایات الاستسلام في حقبة‌ مدينتها الحزينة تقضم خشخاش الدهشة بین ٲنیاب الذئاب الأبدية التي ٲخطٲت مرادها. تبكي و وحمة ازقتها القديمة التصقت بجداول كرزها بین ثمالة الامزجة تتذوق الف خذلان وحفنة قرنفلات من حنظل. تشق صدر الكلام ، علها تنقر حشود الأسئلة كلما تفتقت بوصلات الضمائر هامتها الراسخة وهي تبحث عن رغيف خبز بدمعة كبرياء خوفا من الغواية.

……….

سلوی علي / السلیمانیة – العراق

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

خطة السنوات الخمس بلا نتائج

جوزيف ستالين رئيس الاتحاد السوفيتي السابق كان أول من تبنى مفهوم الخطة الخمسية وادخلها حيز التنفيذ عام 1928، بهدف تطوير الصناعة وتجميع الزراعة بهدف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حيَّ على الفساد

لا أدري من هو مؤسس فِكرة مُقايضة الحُريّة والإفلات من السِجن مُقابل تسليم المال المنهوب أو البعض منه إلى الحكومة في العراق. فُكرة غاية في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ضرورة تشكيلة لجنة عليا لتدقيق العقود الكبيرة

منذ عام 2006 ووحش الفساد تحول لغول كبير يأكل الاخضر واليابس, حتى تضخم وتجبر في زمن الكورونا, حيث اصبحت السرقات علنية مثل نهب المليارات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم .. الأديب والصحفي هاتف الثلج

الأديب الشامل والصحفي المعروف هاتف عبد اللطيف الثلج الذي نتعرف على بداياته اليوم ، هو أديب ذا مقدرة أدبية وصحفية ممتازة أتاحت له الظروف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ماذا بعد تحديد سقف أسعار النفط الروسي ؟

منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي والتحالف الانغلوسكسوني (الولايات المتحدة وبريطانيا ) وحلفائهم ، لا يألون جهدا في اتخاذ مئات القرارات...

امرأة عراقية تتزوج بعد تجاوزها العقد الثامن!!

اصبح من اللافت للنظر ان يتكرر علينا مشهد المواطن المتذمر والمواطن الراضي مع اختلاف النسب ، فلو جربنا ان نقف يوميا امام احدى المؤسسات...