أجيال تأكل أجيالا!!

أستمع لحوار يجمع بين الكاتبين الكبيرين المصريين مصطفى أمين وأنيس منصور , وتظهر فيه روح التواصل ورعاية الأجيال وتشجيعها , وإعانتها على العطاء والنماء , فالجيل السابق يرعى الجيل اللاحق ويدعمه ويوفر له وسائل التفتح والنضوج والإنطلاق.
ولهذا أوجدت مصر رموزا كبيرة في الأدب والثقافة والصحافة , أما في مجتمعنا العراقي , فأن الأجيال تتحاصد , تتنافر , تتباغض , تتناحر , وكل جيل يحسب نفسه هو ولا غيره!!
وحتى يومنا هذا لا نسمع من الأجيال التي بلغت من العمر عتيا إلا ما هو سلبي وإلغائي ونكراني وإحباطي وتثبيطي , فهي تتمترس في زمنها وتحسبه أزهى الأزمان وغيره عبارة عن “خردة” , وهذه نرجسية مرضية فاعلة فينا.
فأنيس منصور تلميذ مصطفى أمين , وسلامة موسى أوجد نجيب محفوظ , وأخذ بيديه إلى طريق الإبداع الأصيل , وهناك الكثير من الأسماء المصرية وربما العربية , التي أوجدت أسماءً ورموزا إبداعية ذات قيمة معرفية وحضارية.
وعندما نبحث في واقعنا العراقي لن نجد مثالا واحدا مهما حاولنا أو توهمنا وإدّعينا , وهذه علة خطيرة تمخر في أعماق الوجود الثقافي , مما تسببت بفقدان دور المثقف وإنعدام قيمة الثقافة في المجتمع , وميله إلى ما يناهض ذلك ويلغيه.
فلو نظرتم في واقع اليوم وتساءلتم – على سبيل المثال – هل قدمت أجيال الستينات والسبعينات والثمانينيات مثالا وقدوة للأجيال التي تلتها , ومَن منهم قد أخذ بيد مبدع وإستثمر فيه لصناعة المبدع الذي يريده ويراها نموذجا للتفاعل ما بين الأجيال؟
ربما لن تجدوا أحدا!!
وإذا وجدتم فعليكم بالقول والإفصاح!!
هذه الظاهرة السلوكية العراقية بإمتياز , يصعب تفسيرها ومعرفة آلياتها , لكنها تشير إلى تخندقات نرجسية متمحورة حول عامود الأنا , الذي تضخم حتى أوهم أصحابه بأنه الخيمة الوهاجة التي لا تضاهيها جميع الأنوار.
كما أنها تشير إلى فقدان التفاعل التربوي والتغذية التواصلية ما بين الأجيال , وهذا نهج تقاطعي إقتلاعي عنيف يعصف بالساحة الثقافية على مدى العقود , وهو يفسر غياب الرموز الثقافية العراقية الفاعلة في الثقافة العربية والإنسانية.
ومن العجيب أن السلوك يبين أن الذي يريد أن يكون عليه أن يلغي الذي كان ويريد أن يكون , ويعجز عن إيجاد صيغ تفاعلية إيجابية ذات منفعة مشتركة , وقوة إبداعية متلاحمة.
فهل من جواب , أم أن ما تقدم محض كلام؟!!

المزيد من مقالات الكاتب

الدُمى قراطية!!

لا غالب إلا الله!!

الأمة تصنع!!

العاصون في الكراسي!!

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون

من الادب العالمي:قصائد قصيرة الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون ترجمة: سوران محمد (١) منع قلب من انكسار ....................... لو استطع منع قلب من انكسار، لن أعيش خسرانا ؛ ولو أخفف من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رواتب الرئاسة وافتراش التلاميذ الارض للدراسة

هل هو قدر مجنون ان يضع الزمان حكام لا يعبأون الا بأنفسهم وكأنهم حكام على ركام من هواء، ذلكم هم حكام العراق بعد عام...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

القاص والروائي غانم الدباغ : قراءتان متباعدتان

عرفتُ القاص والروائي غانم الدباغ في منتصف سبعينات القرن الماضي من خلال أربعة أعمال : ثلاث مجموعات قصصية (الماء العذب) و(سوناتا في ضوء القمر)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رأس مقطوع يتكلم

مثل كل الصبية لم تشهد ايامة سيركا حقيقيا إلا في تلك الأيام من صباه في البصرة، كان يسكن في منطقة تسمى الطويسة وهي في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رحلة مع الروائي عبدالخالق الركابي

يعد الروائي عبد الخالق الركابي احد الاسماء المهمة في المشهد السردي العراقي والعربي، وأحد الذين اسهموا في تطور الرواية العراقية, فهو من جيل الروائيين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل الجمعة مباركةٌ عندنا .؟

بغضّ النظر عمّا تفيض به السوشيال ميديا اسبوعياً بالمسجات والصور والألوان المحمّلة بعبارة < جمعة مباركة > , وبغضِّ نظرٍ وبصرٍ ايضاً عن المشاعر...