فيروز الأيقونة الحية

ليس للصوت الغنائي بصمة الا لصوتها فلا سبيل لتقليده ، فلكل صوت شبيه الا صوتها، لترابطه مع وجدان واحساس متفرد ، فان قلدت الصوت فلن يكون لك ان تستحضر الروح والوجدان والدافع . كان لكثير من المطربات و المطربين الكبار أثر واسلوب وطابع لاتخطئه العين ولاتتجاوزه الاذن ،ولكننا نتحدث عن أمر آخر خلط بالطرب والغناء والامتاع ، الهدف والوقار ، الصدق والوضوح ، والتطابق وراء الكواليس وامامها . لم تستغل وزنها للمرح او اللهو والتحرر كما فعلت كل المطربات عبر العالم والعرب وان في مرحلة عمرية واحدة على الاقل ، عداها !.
لم تتزلف للملوك ولا للساسة والأغنياء في اغنياتها الا للاوطان والشعوب والمدن . غنت لكل المدن العربية بحب ، وللمدن العالمية برقي وندية المتفضل وليس دونية المتطفل ، وزارت العواصم وكرمت فيها من الشعوب قبل الحكومات ، مطربة النخبة والعامة على حد سواء .
وجهها على المسرح هو وجهها في البيت والشارع ، هذا ان كانت اصلا تعرف كيف تتسكع في الشارع ،حملت هموم وطنها لبنان ودينها وفلسطينها ، لم تغادر ارضها مع المغادرين في ايام الحرب والظلام وقتال أخوة الوطن لبعضهم ، فصمدت سنين تحت خوف المدافع والموت حتى تجمّع حولها الفريقان المتخاصمان واجتمعا على محبتها .
أفضل من قرأ الشعر الفصيح من المطربات على مر العصور وربما المطربين ايضا . أيقونة حية تعيش بين ظهرانينا ،، وقار وجد والتزام ، ووجه صارم بسيط الابتسام ، عميق التفكير بعيد الشرود ، غنت للطبيعة بقدر غنائها للحب العذري المهذب . لم تستخدم صوتها ولا جسدها ولاعينيها للاغراء وليس تصلح له لتصميم فيزيائي بريء لجسدها ومحياه ، وليس لعطل في الجمال الذي حازت منه قدرا طيبا .
غنت للتاريخ ولليالي الألف وسحرالشرق في بغداد ، وألق الغرب في الاندلس وللطيور وللماء وللسماء وللبحر وللصيف والخريف والشتاء . فكنا نشم رائحة الخريف ونرى تساقط الاوراق في كلماتها ، ونحس ضباب الطرقات في الشتاء الموصوف حتى وان كنا في صيف قائض . انشدت للطفولة والقمر والعربات والطرقات ، بل وحتى للاسماء والابواب ، وللاشجار وطائرات الورق وللظفائر والخواتم . جعلت من تفاصيل حياتنا وصور ذكرياتنا اغنيات، تصوغ الكلمة نغما هادئا عذبا لا حاجة معه للاعادة والتطريب ، فطابعها التعبير ، فتؤثر في دقيقتين مايحققه غيرها في ساعتين ، أو قد يعجز عنه ! خلّدت مئات القصائد العربية ، الفصيحة والعامية ، وخلدها الشعراء بذكر اسمها في قصائدهم كرمز للمقاومة والحب والصباح !.
وصفت البنت التي تنتظر حبيبها والتي تودعه والحبيب الذي كتب القصائد لغاليته ايام الحصاد ، والمطر والمضلات والعشاق والرسائل والثلج والغابات والوديان . جسدت الحنين والشوق ورسمت سكون الليل واشراقة الشمس ورتّلت للكنائس والمعابد وثقفت للصلاة والتوكل والرضا . وصفت جمال المراة المصان العفيف ورسّخت القيم الراقية . غنت لمكة وللقدس ولكل دين ، وانتقدت السياسة وراقبتها ، خلّفت زياد الرحباني و مئات الاغاني ، كل منها امّا درس في العربية او ترسيخ لقيمة او تثقيف لحب طاهر لايلمح ولايوحي ، او وصف لمنظر او شعور لاينسى ، او لوعة تخفف او دعم لوطن محتل او لطفل يطلق حجارة على غاصبي ارضه .
فيروز،،،طهر الصوت وعفة الفن ورسالة الحب وقصدية الكلمات ، وعمق الأثر ورسوخ النغم الدائم والوان الطبيعة ، وحب الوطن ونعومة الانثى وصلابة الحرة ، وطرب الكريم وتفرد الموسيقى وثقافة المرأة ، ورمزية الابداع ،،الذي يتعاظم بالتقادم .

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تَعَبُد… ولكن على الواحدة والنص

لم يذق طعم النوم ليلتها بعدما طرقت باب شقته بالخطأ، السكر والإرهاق اللذان هي فيه جعلها تخطأ في رقم الشقة والدور.... لقد كانت على...

ماهي التساؤلات وماذا يمكن فهمه لما بين السطور والطريقة لابعاد صورة وهوية الفاعل والداعم

ابرز ماتحدث به مستشار الامن القومي قاسم الاعرجي خلال المؤتمر الصحفي للجنة التحقيقية المكلفة بالتحقيق بمحاولة اغتيال الكاظمي قاسم الاعرجي"""" سنعرض اليوم التقرير الأولي للتحقيق...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العلم البايولوجي مصدر مهم لاقتصاد الدول العظمى

قد تخونني التعابير احيانا في بعض مقالاتي كونني ليس من ذوي الاختصاص الدقيق ومعلوماتي العلمية في مجالات الادوية والفايروسات محدودة.. ولكنني اكتب ما اشاهده...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رئيسي الفاشل في أکثر من إختبار

عندما أعلن ابراهيم رئيسي عن عدم ذهابه الى الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة وکذلك الى مٶتمر المناخ في سکوتلندا، بحجج ومعاذير أثارت سخرية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رافع الكبيسي..خاض تجارب العمل الاعلامي فأبدع فيها

رافع عويد الكبيسي هو من تولد ناحية كبيسة 1957 بمحافظة الانبار ، وقد أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها .. في عام 1978 دخل كلية...

ماجدوى الاسراع لرجوع للاتفاق النووي مع ايران

لا يُخفى أن المفاوضات مع الإيرانيين حول التوصل إلى اتفاق نووي ليست سهلة على الإطلاق. ولكن إذا أرادت إدارة بايدن إجراء مفاوضات متابعة تتطلب...