الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
17 C
بغداد

بسامراءَ لا الكهفُ كهفٌ ولا القاطولُ قاطولُ!!

مكان الصبا في سامراء الحضارة والقوة والشموخ فقد ملامحه , وخرِّبت علاماته الفارقة , فاندرسَ الكهف الذي كان يموج بالحياة الرقراقة , الفواحة بالجمال والتفاعلات الإنسانية المتواكبة , سباحة وصيد وتأملات , وجولات على وجه الماء عند الغروب , حيث الشمس ترسم لوحاتها الفاتنة الخلابة.
وقد وصف الجواهري بعضا من روعة ذلك المشهد الساحر:
عجبي بزهو صخوره وجباله عجبي بمنحدراته وسهوله
بالماء منسابا على حصبائه بالشمس طالعة وراء تلوله
بالشاطئ الأدنى وبسطة رمله بالشاطئ الأعلى وبرد مقيله
بجماله, والبدر يملأ سنا بجلاله رهن الدجى وسدوله
بالنهر فياض الجوانب يزدهي بالمطربَين: خريره وصليله
أما منطقة القاطول فتحوّلت إلى معسكر مدجج بالصبّات الإسمنتية , والسيطرات , والأبراج , وغيرها من معوقات الحركة , والقابضات على أنفاس الحياة , وهناك من يبيح لنفسه التنقيب في بيتك ليعتقل مَن يمتلك ما لا يرغب فيه , ويجده ذريعة لمصادرة حرية الشخص أو الأشخاص في البيت , وما أكثر المغيبين من شبابها.
حركة مقيدة , وحياة مصفدة , وحرية مصادرة , وتخريب وتشويه لمعالم المنطقة , التي كانت تزهو بالبهجة والنشاط.
المقاهي , المحلات , الشوارع الجميلة المحتشدة بالناس , وتفاعلات المجتمع الطيبة النوايا والغايات , كلها ذهبت مع الريح , وكأن المنطقة تحت إحتلال يترصدها بأعين العدوان والإنتقام.
أما الشارع الذي يصل منطقة القاطول بالإمام علي الهادي , فممنوع من النشاط , هذا الشارع الذي هو قلب المدينة وشريانها الأبهر النابض بالحيوية والعراقة , تم الإستحواذ عليه , وأحيط المرقد بالخرائب الموحشة , بعد أن عاش لمئات السنين في زهو وتألق وكبرياء وجمال أخاذ.
وعندما تبحث عن ذكرياتك وأيام صباك في المدينة لا تجد ما يشير إليها , فلا الكهفُ كهفٌ ولا القاطولُ قاطولُ , وإنما أطلال ومعسكرات ووجوه غريبة محشوة بالأضاليل والأوهام.
تلك مأساة مدينة تم الإنقضاض على وجودها , وروحها ورموزها وملامحها الفارقة فتحولت إلى ركام , وكأني بإبن المعتز وهو يرثيها:
“قد أقفرت سر من رأى …فما لشيئ دوام
ماتت كما مات فيلٌ…تُسل منه العظامُ”

سامراء التي صار لايدخلها أبناؤها المولودون فيها إلا بكفيل!!
فأي زمن هذا , وأي دين ومذهب يا أمة يعقلون؟!!

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
742متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المأساة الكبرى

وتستمر المأساة للشعب العراقي بعد عام 2003 بعد إزاحة نظام ديكتاتوري دموي لا يؤمن بالحرية ويشوبها انتهاكات جسمية في حقوق الإنسان، ودخل المحتل الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محطات من السفر

اليوم تشير درجات الحرارة في انقرة الصغرى الى تحت الصفر بينما العظمى الى عشرة درجات ولكن الجو بين مشمس وغائم وتشعر عندما تسير في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مفاجأة سقوط أفغانستان على يد طالبان بهذه السرعة!

لم تستفد أمريكا من دخول الاتحاد السوفيتي السابق الى افغانستان عام 1984 بطلب م الرئيس الافغاني الاسبق (نجيب الله). الا ان الرئيس الامريكي الاسبق (جورج...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أجيال تأكل أجيالا!!

أستمع لحوار يجمع بين الكاتبين الكبيرين المصريين مصطفى أمين وأنيس منصور , وتظهر فيه روح التواصل ورعاية الأجيال وتشجيعها , وإعانتها على العطاء والنماء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق والسودان ..وسيناريوهات الإنقلاب !!

كان هناك سيناريو يتردد في العراق قبيل الانتخابات ، مفاده أن القوى التي يطلق عليها بـ " المقاومة العراقية " مع تشكيلات فتح وقوى...

القبول بهذه الانتخابات عارٌ مابعده عار

أصبح واضحاً لجميع الشرفاء الغيارى من العراقيين أن الانتخابات الأخيرة هي الأسوء في تاريح العراق على الاطلاق ، وهي تمثل أكبر تحدي لنا وأن...