الجمعة 22 أكتوبر 2021
21 C
بغداد

ما سر التكالب على إقرار الخدمة الإلزامية ؟

كل فترة ، تلوّح الدولة بإقرار قانون الخدمة الإلزامية بما يشبه التهديد ! ، وجميع المنخرطون في إصدار هذا القانون ، بعيدون كل البعد عن الحياة العسكرية ، ومعظمهم من (الأفرارية) الذين لم يجربوا هذه الحياة وكأننا نمتلك الأموال الفائضة التي سيستخدموها لشراء بؤس الشباب في بيئة لا تمتلك أدنى معايير الجيوش العالمية .

ارقى الدول المتقدمة لديها قانون خدمة العَلَم ، ولم يأتِ هذا من فراغ ، فبالأضافة الى رفد الجيوش المستمر بأرصدة بشرية ودماء جديدة ، فالجندية تقضي على الأنانية ، والنزق والترف والتذمر والفراغ لدى الشباب ، تعلم الشباب ما معنى العمل كفريق ، تقضي على نزعة التمرد والانفلات فتصقل فيهم روح الانضباط والأنصياع للأوامر وأحترام المافوق والأكبر سنا فينعكس ذلك على نظرته لمجتمعه ، تعلمهم نكران الذات والتضحية ، تضعهم على محك الحياة ، بعد ان تُخرجهم من خيمة الابوين ، الى حيث الحياة الحقيقية ، ليعلموا أن طريق الحياة ليس دائما مفروشا بالورود ، تُعلم الصبر والخشونة وأخلاق الفرسان وحمل الامانة ، تشحذ فيهم قيم الرجولة والنبل والايثار والتشبث والثبات ، تنمي لديهم الكرامة والأعتزاز بالنفس ، انها بمثابة خطوة أولى لدرس عملي في حب الوطن ، بعد أن قرأنا أدبياته ورددنا أناشيده في مدارسنا ، هذه هي مبادئ الجندية التي شببنا عليها ، فبعض العوائل كانت تحتفل عند دخول أحد أبنائها الى الجيش بفخر وكأنه عُرس ، فأية عائلة لا تتمنى أن يتصف أبنها بهذه الصفات الراقية ؟ .

أقول نعم للخدمة الألزامية ، ولكن بشرط ، أن يخضع لها الجميع ، أبن الأمير والفقير على حد سواء ، وعلى أن لا تظهر استثناأت تجر استثناأت ، وبشرط أن الأنتماء لميليشيا أوحزب لا يُسقط هذا الفرض ، ولا يعفي من له محسوبية أو منسوبية ، ولا يستثني مَن يحمل صكا مجيّرا من (الحجي فلان) ، أو الوزير أو عضو البرلمان الفلاني .

ولكني اتسائل ، هل تتوفر لدينا حاليا ، قيادات عسكرية غاية في الحرص والمهنية والرعاية الأبوية والتربوية ، بحيث نأتمنها على شبابنا ، تلك الثروة الي لا تُقدر بثمن؟ ، وهل هي أهلا لتحمل أمانة ومسؤولية جسيمة في قيادة جيل جديد ؟ ، أشك في ذلك ، ولشكّي هذا ما يبرره ، فما مأساة (سبايكر) و(الصقلاوية) ، والحصارات المتكررة التي تلتها لجنود في وحداتهم فيبادون عن آخرهم ،بسبب ضعف التنسيق والدعم ، ما هي منا ببعيدة ! ، وكأننا نقدم جنودنا مثل قرابين مجانية ، بالإضافة إلى مهزلة إلقاء القبض على قائد القوة الجوية ، والذي فرّ من أيدي الجهات الأمنية كما يفر المراهقون ! ، في سابقة لم تعرفها جيوش العالم ، وهذا مجرد مثال وربما ما خفي كان أعظم ! ، بربّكم ، كيف نأتمن شبابنا الغالي وهم تحت سلطة قادة من هذا النمط في جيش متعدد الإنتماأت ؟! ، أوغلت فيه الأحزاب والتيارات تقسيما وفسادا ، انتجت في النهاية هزيمة تاريخية في كارثة (تسليم) الموصل أرضا وبشرا وسلاحا بالمليارات ، وضحايا بمئات الالاف ، وإني لأعجب كيف لم يبادر من شغل منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والداخلية إلى الإنتحار ! .

التاريخ والتجارب وحتى النظريات تؤكد اننا يجب أن نختار بين اثنين ، أما الجيش أو الميليشيات ، وأن السلاح يجب أن يكون بيد الجيش وقوى الأمن حصرا ، فلا مكان لمقاتلين محترفين جنبا الى جنب مع مقاتلين هواة أوطارئين ، فعندها لن تكون ثمة سرية وكتمان وهو اساس عمل الجيش ، سوف لن تكون هنالك خططا عسكرية وجهود موحدة ، وستتحول ميادين القتال الى فوضى تعمها النيران الصديقة ، ويتشتت فيها الجهد العسكري بدلا من توحيده باتجاه العدو ، هذا إن لم يحصل الإقتتال بين الإثنين !.

أسئلة مشروعة تدور بخلد ذوي المكلفين ، هل تمتلك الدولة المال الكافي وهي على حافة الأفلاس ، لفتح ميادين التدريب والإطعام والخدمات الطبية وغيرها من المرافق ؟ ، الأجدر بالدولة أن تطعم النازحين وأيواءهم ، وفتح المصانع وإنعاش القطاع الخاص ، والقضاء على البطالة ، فهل تتمكن من أطعام الألاف من المكلفين ؟ ، هل بأمكان الدولة شراء تجهيزات عسكرية لألاف الشباب ، وتهيئة وسائل الأيضاح ومعدات وساحات التدريب وكوادرها ؟ ، ما هي المواقع الجغرافية لمراكز التدريب ؟ ، فالبلد كله ما بين مناطق ساخنة ، ومحتلة ، ومناطق غاضبة ، تطلب الثأر لأبناءها المغدورين في سبايكر وأخواتها !.

ساحة البلد الحالية تبدو خالية من مقومات التجنيد الألزامي ، على الأقل ضمن الأفق المنظور ، فبالأضافة الى ما سبق ، هنالك الفساد وتسلط الطارئين وعديمو الخبرة ممن نصبتهم الظروف على المؤسسة العسكرية ، صحيح أن الخطوة الأولى للتخلص من جنرالات الفشل ، خطوة في مسارها الصحيح ، وهذا لم يحصل ، ولكننا بحاجة الى المزيد ، فكيف نأمن على أبناءنا وهم ينخرطون في خدمة العلم ؟.

من المعلوم أن مفتاح نجاح أي جيش في العالم هو توفير غطاء جوي لحماية مقاتليه ، كذلك يجب ان يكون لديه منظومات دفاع جوّي رصينة وفعّالة وكثيفة جغرافيا ، والحرب الحديثة هي حروب إلكترونية –إستخباراتية ، فمن أين لنا ذلك ؟ ، هل بواسطة صفقة طائرات (F16) الباهضة والتي أهملتها شركات تصنيعها من إجراء الصيانة اللازمة لها بحجة قصف القواعد ، بعد أن منحتهم الميليشيات المنفلتة هذا المبرر ؟! ، حتى قلّت أعداد الصالحة للطيران منها ؟ أما تسليحها فحدّث ولا حرج ، هل سمعتم أية فعّالية لدفاعنا الجوي رغم إختراقات أجوائنا التي لا تُعد ولا تُحصى ، وما هي خطوات تصحيح الخلل الكبير الذي صاحب عار الإنسحاب من الموصل ، والذي أمات الجيش سريريا ؟ وما هي خطوات بعث الروح فيه مرة أخرى والتي لم نلمسها ؟ هل إستفدنا من الدروس المريرة التي صاحبت ذلك ، مع العلم أن الوجوه المتورطة في هذا الفشل لم تتغيّر ؟ .

من أين تأتي عقيدة التضحية التي تدفع شبابنا لخدمة وطن عقّه وسلبه حقوقه ، وأهمل خدماته وسلط عليه سوط الجوع والأمية والبطالة ، بل وقاتله وغيّبه وشوه سمعته لمجرد مطالبته بحقوقه الأساسية ؟، وأعود للإجابة على السؤال في عنوان المقالة ، لماذا التكالب على إقرار هذا القانون ؟

أحد هذه المبررات وكلّها سخيفة وغير عقلانية هو القضاء على البطالة !! ، وهل لدى الدولة التي تتباكى على خلو خزائنها من المال ؟ ، والتي بالكاد تستطيع دفع مرتبات موظفيها ، وماذا بعد أن يقضي المكلّف خدمته ؟ هل سيعود إلى جيوش العاطلين ؟ تصرفات الحكومة تجاه المواطنين طيلة سنوات السقوط العجاف ، تبين أن الدولة لا يعنيها تنمية روح الشباب ، وإبعاده عن (الميوعة) ، وتنمية الحس الوطني ، فالشباب لا ينقصه حب الوطن ، ولكن قولوا أنه باب جديد قد يُفتح (لا سمح الله) ولا ينغلق للفساد والإبتزاز والرشى وأعداد غفيرة من الفضائيين ، ولكم أن تتصوروا كيف سيتحوُل شبابنا إلى دجاج يبيض ذهبا ولكم أن تتصوروا الأموال التي تعود على الفاسدين المعشعشين في كل زاوية ، يريدون بهذلة شباب لا تنقصه البهذلة وهو يصارع الحياة ، بينما أولاد السياسيين والبرلمانيين وأذنابهم في منأى عن كل ذلك ، فهم في عيشة راضية في منتجعات أوربا وأمريكا وغيرها ، إنها الأنانية والنفاق بعينه ، والأهم من ذلك ، أن المشمولين بهذه الخدمة المزعومة ، هي الفئة العمرية لشباب الثورة التشرينية بأكملها ، وبهذا ستتخلص الدولة من صداع الإنتفاضة التي زعزعت عروشهم .

 

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
739متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كيف يحمي الشيعة انفسهم ؟

قبل الجواب على السؤال علينا ان نسال من هم اعداء الشيعة ؟ هل هو الحاكم ، ام المنظمات الارهابية ، ام الامم المتحدة ومن...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الى أنظار السادة في البنك المركزي العراقي

في مبادرة إنسانية رائعة أطلق البنك المركزي العراقي سلفة مالية لموظفيه لتمكينهم من شراء دار سكن لهم . وهذه مبادرة رائعة يشكر عليها القائمون...

وعي الجماهير بين مشروعين دويلة الحشد الشعبي وشبح الدولة القومية

(إلى الأمام نحو انتفاضة أخرى) لقد نجحت العملية ولكن المريض مات، هذه الجملة أقل ما يمكن أن توصف بها الانتخابات، التي طبلت وزمرت لها حكومة...

لا يرحمون ولا يريدون رحمة الله تنزل!

لعلك سمعت بالعبارة الشائعة التي تقول "تمسكن حتى تمكن!" والتي تطلق عادة على الشخص المنافق الذي يصطنع الطيبة والبراءة حتى يصل الى هدفه ثم...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق..والعودة لعهود الإنقلاب!!

الإنقلابات هي السمة الغالبة على حياة العراقيين منذ أن بزغ فجر البشرية ، ويجد فيها الكثير من ساسة العراق ومن دخلوا عالمها الان ،...

معضلة رئيسي

لاتزال وسائل الاعلام العالمية تتابع وعن کثب موضوع دور الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في مجزرة عام 1988، والمطالبات الاممية المتزايدة بمحاکمته أمام المحکمة الجنائية...