الثلاثاء 16 أغسطس 2022
44.3 C
بغداد

وكأنه حدث من قبل

كنت بعمر لايتجاوز السادسة وأنا أراها صامدة وقد حبست دموعها ولم تظهرها وهي تجلس بكل صمت وكبرياء في ذلك الطريق ،ترقب مجيء والدي مجازا من جبهات القتال .. أَما وقد حان موعد نزوله حتى تهيأنا لاستقباله بكل شوق وفرح .. انتظرنا حتى صارت الشمس في كبد السماء فعادت وهي شامخة نلوذ تحت كتر عباءتها كأنها تستعد ،أو مستعدة لأي خبر قد يأتي به القدر إليها.. ماهي الّا سويعات حتى طرق الباب طارق : يخبرنا بأن من ننتظر قد فارق الحياة وأصبح على قيد الشهادة ، حينها لم تنفجر بالبكاء كعادة النساء في مثل هذه الحالات بل زغردت حتى عَلا صوتها فاستغربنا أنا واخوتي لِمَ فعلت ذلك؟ فقد استشهد من كان سندها وسندنا بهذه الحياة !! ؟.. ولم نعرف السر ، واستمرت حياتنا وهي تحنو علينا وتغطينا بجناحيها كما اليمامة مجابهة كل أنواع العوز والجوع والتعب والظروف حتى صار منا المهندس والصيدلي والكاتب .. صنعت بوحدتها وقوتها رجالًا كبِروا وصارعوا الحياة ولم يعرفوا سر ّ تلك الزغرودة !! حتى صالت وجالت بنا الأيام وكأنه حدث من جديد، وهي منحنية على عكازها المصقول فقد كانت تنتظر ذات الإنتظار مرة جديدة ،لكن بغير شارعنا الذي ودعناه حينما كبرنا ، كانت تنتظر أخاً لنا ، هَوسهُ الوطن وحملِ السلاح بغيرة وشهامة قلَّ نظيرها .. كنتُ في غرفتي أطيل النظر بتصاوير مرّت عليها سنين بهمها وفرحها ومرّها وحلوها ،حتى صكّت مسمعي زغرودة خُيّل لي للحظة أنها عادت من نفس زمن تلك التصاوير وكأني أحلم.

وإذا بها زغرودة بدت قوية لأول وهلة فتباطأتْ ضعيفة يكاد صوتها ينخفظ سريعاً ..فعجلتُ النزول متفاجئاً بتابوتٍ لُف بعلم الكرامة يحوي بعضا من أوصال جسد جاسم .. أخي الأصغر الذي تعوّدَ أن يتقاسم معنا كل شيء ..حتى أخذه القدر عنوَة في جرف النصر .. حينها هوَت تلك العجوز الشامخة عليه وأطلقت سراح دمعها وهي تقول له :(( ماضاع بيك التعب ماضاع بيك رباي .. يامن چنت ، سلوتي وهسة عفت دنياي )).. حينها عرفنا ذلك السر الدفين ،انها أعطت أغلى ماتمتلك بهذه الحياة وهو ذخرها، أبٌ لثلاثة أبناء، غيور شجاع ، وابن ورث عنه شجاعة فريدة .. استبشَرَتْ كون القدر اختارها دون النساء، وكأنه حدث من قبل

المزيد من مقالات الكاتب

حنيـــن النـــوق

زهرة التوليب

وكأنه حدث من قبل

موت بطيء

المادة السابقةكاظم حبيب في سطور!
المقالة القادمةأقوياء والعرب يجهلون!!

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
867متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المؤرخون الإسلاميون والباحثة بثينة بن حسين

شخصيا أثمّن الجهّد المبذول من قبل الباحثة التونسية في كتابها الموسوعي (الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية) وهو من الكتب الضرورية ويستحق...

لماذا لم يكتب الشيعة تاريخهم بايديهم

عندما تبحث عن أي حدثٍ ما في تأريخ الشيعة سياسياً أو عقائدياً أو اقتصاديا ،أو كل ما يهم هذه الطائفة من أسباب الوجود والبقاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محاولة اغتيال سلمان رشدي: جدلية التطرف في الفكر وممارسة العمل الإرهابي؟

في نهاية القرن العشرين واجه العالم عملية إحياء للأصولية الدينية إذ شكل الدافع الديني أهم سمة مميزة للإرهاب في الظروف المعاصرة، بعد أن أصبح...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لقد ابكيتنا يا رأفت الهجان…

اليوم وانا اعيد مشاهدة المسلسل المصري القديم رأفت الهجان من خلال شاشة الموبايل وبالتحديد لقطات لقاء بطل الشخصية مع عائلته في مصر بعد عودته...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أموال ( النازحين ) تحولت إلى خزائن اللصوص ؟!

معظم النازحين في العراق وإنا واحد منهم سجل أسمه في قوائم وزارة الهجرة وتم توزيع تلك القوائم إلى منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى والأطراف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإنسداد السياسي في العراق… ومتاهات الفراعنة

يبدو المشهد السياسي في العراق مثل متاهات الفراعنة أو دهاليزهم السِريّة كمن يحاول الخروج من غرفة مظلمة عِبرَ باب دوار حتى يجد نفسه قد...