الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
17 C
بغداد

امريكا وحركة طالبان: تصريحات علنية وسيناريوهات خفية

بايدن في خطابه الاخير؛ قال ان روسيا والصين تحاولان او تريدان لنا البقاء في افغانستان حتى يتم هدر مواردنا في هذا البلد بلا نهاية، او افاق واضحة لوضع نهاية لهذه الحرب. في مكان اخر من الخطاب، اضاف؛ ليس من مسؤوليتنا بناء امة، كما ان الجيش الافغاني، يقول بايدن؛ لا يقاتل ويريد من جيشنا القتال بالإنابة عنه، وفي الجانب الثاني، يؤكد؛ ان مهمتنا هو تصفية تنظيم القاعدة والارهاب بصورة عامة، وقد فعلنا. الولايات المتحدة صرفت كما تقول 83مليار دولار على بناء جيش افغاني. لكن هذا الجيش لم يقاتل ابدا، بل انه على الضد تماما؛ من القتال؛ كان قد استسلم مع كامل معداته، بلا قتال الى قوات طلبان البالغ عديدها 70 مقاتل، بلا معدات قتالية متطورة، لكن بعزيمة قوية وبإرادة قتال لتحرير وطنهم من المحتل الامريكي. هذا هو الفرق؛ وهو فرق ايديولوجي ووطني وسيكولوجي وتاريخي. الجيش الافغاني الذي دربه المحتل الامريكي؛ ليس لديه عقيدة وطنية؛ اي عقيد عسكرية تحمي الوطن من الاحتلال، وصيانة سيادته، بل ان مهمته هي حماية قوات الاحتلال، وخطط وبرامج الاحتلال في وطنه، مما جعل مراتب هذا الجيش، وقياداته؛ لا تؤمن اصلا بقتال ابناء وطنهم؛ كانوا قد انتموا، الجل الاعظم منهم، من اجل الوظيفة والراتب. ان اي تكوين لجيش تحت الاحتلال، ولخدمة خطط الاحتلال؛ لا يمكن ان يكون جيشا قويا، مهما حاز من عناصر وادوات القوة، ومهما كان ما لديه من اسلحة متطورة؛ يظل جيشا ضعيفا، جيشا هشا، جيشا فارغا من الدافع والغاية والهدف؛ لا يصمد امام اي قوة مهما كان حجمها وبدائية تسليحها، وبالذات حين تكون هذه القوة، هي قوة وطنية، اي ان قواتها، من الافغانيين؛ تدريبا وتسليحا وإرادة، حتى وان كانت تستند الى الايديولوجية الدينية المتشددة، لكن خطابها يظل؛ يمتلك الدافع والهدف والغاية؛ في تحرير الوطن من الاحتلال، الذي تشكل مفرداته، محور هذا الخطاب. من وجهة نظري المتواضعة؛ هذا هو السبب الرئيسي في هزيمة جيش الاحتلال الامريكي، البالغ300 الف جندي، أو اكثر قليلا، والمجهز بأحدث الاسلحة والمروحيات والطائرات المقاتلة، والتي استولت عليها قوات طلبان؛ لتمتلك جيشا قويا، من بين اقوى الجيوش في المنطقة كما يقول الخبراء في هذا الشأن. هناك من يقول؛ ان حركة طلبان، حركة متشددة، بالاستناد على اعلام وادبيات الغرب، وبالاعتماد على تاريخ الحركة، وطروحاتها الايدولوجية، من دون الاخذ في الاعتبار في التحليل والتقييم؛ التغيير الكبير جدا، في سياسة الحركة، الذي ظهر واضحا في تصريحات قياديي الحركة، وفي اجراءاتها عندما حررت كابول العاصمة، والتي جعلت منها، هذه الاجراءات، عاصمة هادئة، باستثناء المطار الذي سادت فيه الفوضى والاضطرابات؛ بسبب ركض الامريكيون نحو الطائرات التي كانت جاثمة على ارض المطار بانتظارهم، اضافة الى الافغان الذين شعروا بتخلي المحتل الامريكي عنهم، وتركهم يواجهون مصيرهم؛ لذا، كانوا يسبقون الامريكيين الى الطائرات.. وفي العودة الى تغيير سياسة الحركة؛ فقد اعلنت الحركة من انها سوف تبني علاقات متوازنة مع جميع دول العالم، ولن تكون ارض افغانستان منطلقا للإرهاب وتهديد دول الجوار. كما انها ارسلت رسائل طمأنة الى كل من الصين وروسيا، اضافة الى انها، اي الحركة، وفي معالجة الوضع الداخلي؛ اعلنت عفوا عاما عن جميع من تعاون مع الاحتلال الامريكي من الافغانيين، وهذا امر في غاية الاهمية، لجهة التأسيس لقواعد السلام والاستقرار، كما انه يشكل، بدايات لتوجه سياسي مرن وبراغماتي على عكس سياستها قبل عشرين عاما، من الآن. القيادي في الحركة، عبد الغني بدرار، الذي عاد من الدوحة الى كابول، قال؛ ان الحركة عازمة على وضع اطار عام؛ لتشكيل الحكومة، يشارك فيها جميع الافغانيين، في الاسابيع القليلة المقبلة. كما ان قياديي الحركة، صرحوا من ان الحركة سوف تسمح للنساء في العمل والدراسة، بالإضافة الى تصريحات اخرى تقع في هذا التوجه. ان القول بأن حركة طلبان، حركة اسلامية متشددة؛ هذا صحيح قبل عشرين عاما، وصحيح ايضا فكريا، وغير صحيح في الاجراءات السياسية المعلن عنها من قياديي الحركة؛ اذا ما صحت نوايا واهداف وغايات الحركة في بناء افغانستان بلا عنف ولا انتقام وثأر، ومشاركة جميع الوان الطيف السياسي والاثني في الحكومة، وفي البناء والامن والتنمية. في هذا الاتجاه؛ تجري الآن، مفاوضات في الدوحة، العاصمة القطرية؛ بين كرازي، الرئيس الافغاني الاسبق، اول رئيس تحت الاحتلال، وقلب الدين حكمتيار، رئيس الحزب الاسلامي؛ والذي خاض قتالا مع الحركة في النصف الاول من تسعينيات القرن السابق، قبل هزيمة قواته في القتال الاهلي في ذلك الوقت، وعبد الله عبد الله، رئيس المصالحة الافغانية؛ لغرض انضاج الاوضاع، لإنتاج حكومة يشارك فيها الجميع، حسب ديباجة هذه المفاوضات. أما القول من ان حركة طلبان، حركة اسلامية متشددة، لأنها قاتلت المحتل الامريكي بشراسة، فهذا قول ليس صحيحا في هذا الاطار، اي، في اطار؛ ان يُسلب من الشعب حقه الطبيعي في مقاومة ومقاتلة المحتلين بقوة وشراسة، وبكل ما يحصل عليه من سلاح، وبمختلف الطرق والوسائل المتيسرة في الحاق اكبر الضرر في المحتل؛ لإجباره على المغادرة. حركة طلبان يؤيدها الجل الاعظم من الشعب الافغاني، بصرف النظر عن مرجعيتها وخطابها الديني المتشدد، (مع اني هنا ارفض طروحات الحركة، اصلا ونتيجة) ولو لم يؤيدها ويدعمها القسم الاكبر من الشعب الافغاني؛ لما كان في مقدورها مقاتلة اقوى جيش في العالم لعشرين عاما، وادامة زخم هذا القتال، مما اجبر المحتل على الرحيل ذليلا في نهاية مشوار القتال هذا. ان قتال طلبان، ضد المحتل الامريكي، هو قتال اكتسب قوته من زخم التاريخ وقوته ورسوخه وتجذره في المجتمع الافغاني، أذ، ان التاريخ بما فيه من معطيات وعوامل وعناصر؛ كونت المجتمع الافغاني على شكله الحالي، عبر سفره لعدة قرون؛ كسلوك ورؤية وموقف، وقيم وتقاليد، ودين؛ رسخها هذا التاريخ في نفس الفرد وفي روح المجتمع؛ تفعل فعلها في لحظة دخول الغزاة الى ارض هذا المجتمع كمحتلين؛ في رفض ومقارعة جنود هذا الاحتلال، اضافة الى الطبيعة الوعرة بجبالها الشاهقة؛ مما جعل افغانستان توصف من انها مقبرة الامبراطوريات الغازية، من نهاية القرن التاسع عشر، الذي فيه هزمت الامبراطورية البريطانية، ونهاية القرن العشرين، أذ هزم الافغان الاتحاد السوفيتي، وفي هذه الايام ألحقوا بأمريكا هزيمة ساحقة. لويد اوستن، وزير الدفاع الامريكي، ومارك ميلي، رئيس اركان الجيش الامريكي، قالا في لقاءات صحفية لهما؛ ان الجيش والحكومة الافغانية، لم يكن متوقعا ان ينهارا في 11يوما وتسيطر حركة طالبان على كامل التراب الافغاني، يقولا؛ ان جميع المعلومات الاستخبارية كانت تؤكد بانهما سوف يصمدان لأسابيع واشهر وربما لسنوات. ان هذا يعني وفي اهم ما يعني؛ ان الولايات المتحدة دائما ما تخطأ في قراءة ما يمور من قوة رفض شعبي لاحتلالها لهذا الشعب او ذاك الشعب؛ وهي في هذه القراءة تعتمد على العملاء والجواسيس من ابناء هذا الشعب او من ذاك الشعب. بايدن قال؛ ان قوات بلده سوف تبقى في افغانستان الى حين اجلاء اخر امريكي من الامريكيين البالغ عددهم 10- 15 الفا من هذا البلد، اضافة الى اجلاء ما مجموعة 50- 65 الفا من الافغان المتعاونين مع الامريكيين( عملاء ومترجمين وجواسيس). الولايات المتحدة خرجت مجبرة، يجللها عار الهزيمة، ووحل انكسار هيبتها وجبروتها، من افغانستان، على ايقاع ضربات طلبان التي اثخنت جراحها، وجعلتها لعشرين عاما؛ تنزف دما ومواردا. لكن ومن الجانب الثاني؛ هل تتخلى الولايات المتحدة، على الرغم من هزيمتها المشينة، عن افغانستان بهذه البساطة والسهولة؛ والجواب وبكل تأكيد لن تتخلى عن افغانستان الذي تشكل بموقعها الاستراتيجي، اهمية كبيرة جدا في صراعها التنافسي مع قطبي رحى الصراع الدولي، الروسي والصيني، بل ربما كان الانسحاب، قد اعد له، قبل وقت طويل من الآن؛ لإعداد طريق جديد في التأثير على محور الشراكة الروسية الصينية، وعلى ايران بدرجة اقل كثيرا، هذا اولا وثانيا لإيقاف هدر الموارد، ونزيف الدم الامريكي. رغم المفاوضات التي تجري في الوقت الحاضر في الدوحة؛ لكن هناك تحركات مريبة؛ الرئيس السابق اشرف غني الذي حط الرحال في ابو ظبي، وصرح من هناك؛ انه سوف يعود الى افغانستان؛ لمقاومة كما يقول، حركة طلبان. الامارات طالما كانت ومنذ الثمانينات، قبل التطبيع مع كيان الاحتلال الاسرائيلي؛ مركزا لكل تحرك مريب ولا اقول امرا اخر، خدمة لأجندة الاستعمار والامبريالية في الوطن العربي، وفي الجوار العربي. نائب الرئيس الافغاني السابق، والمخلوع، أمر الله صالح مع نجل القائد الافغاني الراحل، احمد شاه مسعود؛ ذهبا الى بانشير التي لم تخضع الى سيطرة حركة طالبان كما لم تخضع في النصف الثاني من تسعينيات القرن السابق؛ وكانت حينها مركزا للتمرد على حكومة طالبان في كابول. هذه الولاية، التي يبلغ حجم السكان فيها؛ 150الفا، الطاجيك فيها، يشكلون ما نسبته 98%، وهي تقع على الحدود مع طاجيكستان، الدولة، العضو في رابطة الدول المستقلة، ومعاهدة الامن الجماعي بقيادة الاتحاد الروسي. الدكتور برهان الدين رباني، وعبد الرشيد دوستم، وعطا الله محمد نور؛ غادرا افغانستان مع مجموعة من المقاتلين الى اوزبكستان، عندما سيطرت قوات طلبان على التراب الافغاني، وتحديدا ولاية نزار شريف. بسم الله محمدي، القائم بأعمال وزير الدفاع في الحكومة الافغانية المنهارة، التي تشكلت تحت الاحتلال الامريكي، قال مؤخرا؛ ان القوات الافغانية والتي سماها بالمقاومة؛ تمكنت من السيطرة، او استعادة السيطرة على ثلاث مناطق في ولاية بغلان من قبضة قوات طلبان. ان هذه التحركات تؤكد بما لاشك فيه؛ ان هناك طبخة لإغراق افغانستان في الحرب الاهلية. ان هذه الحرب لو حدثت، او، لو نجح من يخطط لها، اي الامريكيون؛ سوف تجبر حركة طلبان على التخلي عن وعودها في الانفتاح على الداخل الافغاني من اجل السلام والاستقرار والتنمية كما صرح اغلب قادتها، حين حرروا كابول، وكل التراب الافغاني. الادارة الامريكية، من الرئيس الى بقية طاقم ادارته؛ الخارجية والدفاع، والامن القومي، رغم تصريحاتهم التي تطالب طلبان بالإيفاء بالتزاماتها التي الزمت نفسها بها، وهي عدم ايواء المنظمات الارهابية، وحكومة تضم جميع الوان الطيف الافغاني، وحق الدراسة والعمل للجميع، وحقوق الانسان وما له صلة بكل هذا.. لكن، ربما هناك سيناريوا امريكي يجري او جرى الاعداد له، في الظلام بالضد من جميع هذه التصريحات. اعتقد ان هذا السيناريو، محتمل جدا؛ تحويله الى واقع على الارض.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
742متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المأساة الكبرى

وتستمر المأساة للشعب العراقي بعد عام 2003 بعد إزاحة نظام ديكتاتوري دموي لا يؤمن بالحرية ويشوبها انتهاكات جسمية في حقوق الإنسان، ودخل المحتل الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محطات من السفر

اليوم تشير درجات الحرارة في انقرة الصغرى الى تحت الصفر بينما العظمى الى عشرة درجات ولكن الجو بين مشمس وغائم وتشعر عندما تسير في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مفاجأة سقوط أفغانستان على يد طالبان بهذه السرعة!

لم تستفد أمريكا من دخول الاتحاد السوفيتي السابق الى افغانستان عام 1984 بطلب م الرئيس الافغاني الاسبق (نجيب الله). الا ان الرئيس الامريكي الاسبق (جورج...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أجيال تأكل أجيالا!!

أستمع لحوار يجمع بين الكاتبين الكبيرين المصريين مصطفى أمين وأنيس منصور , وتظهر فيه روح التواصل ورعاية الأجيال وتشجيعها , وإعانتها على العطاء والنماء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق والسودان ..وسيناريوهات الإنقلاب !!

كان هناك سيناريو يتردد في العراق قبيل الانتخابات ، مفاده أن القوى التي يطلق عليها بـ " المقاومة العراقية " مع تشكيلات فتح وقوى...

القبول بهذه الانتخابات عارٌ مابعده عار

أصبح واضحاً لجميع الشرفاء الغيارى من العراقيين أن الانتخابات الأخيرة هي الأسوء في تاريح العراق على الاطلاق ، وهي تمثل أكبر تحدي لنا وأن...