ثلاثة أيام صعقت العالم ! – الحلقة الاولى

في الطريق الى مطار تشكالوف العسكري الحكومي بضواحي موسكو ، وعلى مسافة بضعة أمتار من المعتقل الشهير في شارع
“ماتروسكايا تشنا ” انفجرت عجلة احدى سيارات الليموزين التي تقل قياديين سوفيت،قرروا السفر على وجه السرعة الى القرم، للقاء آخر رئيس سوفيتي؛ ميخائيل غورباتشوف في منتجع ” فاروس” الحكومي الخاص بقادة الدولة السوفيتية.

لم يلتفت احد، للحادث العرضي، فقد تم استبدال السيارة ” البنشر” باخرى، وواصلت المجموعة،السير نحو المطار.
بيد ان الحادث نهار 18 آب/ اغسطس 1991، لاح وكأنه شارة شؤوم لطاقم الركب المتجه نحو غورباتشوف.
فقد دخلوا بعد أيام بوابة المعتقل الشهير ، لتبدا معهم التحقيقات شهورا ، حول دورهم مع قادة اخرين؛ في ” مؤامرة لجنة الدولة للطواريء)، برئاسة نائب رئيس الجمهورية غينادي يناييف(1937-2010). وتمر هذه الايام ذكراها الثلاثون.

الليموزينات السوداء المسرعة بدون أرقام ، أقلت، الجنرال فالنتين فارينيكوف(1923-2009) نائب وزير الدفاع ، بطل الإتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ،
وأوليغ شينين(1937-2009)، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي.
و اوليغ باكلانوف(1933-2021)؛ النائب الاول لرئيس مجلس الدفاع السوفيتي.
وفاليري بولدن (1935-2006)،مدير إدارة الرئيس غورباتشوف.
وبعد أقل من ساعتين، هبطت الطائرة العسكرية الخاصة، في باحة منتجع ( فاروس) المحاط بحراسة مشددة من البر والبحر والجو. ولا يمكن لاي وسيلة نقل الوصول الى المباني الفخمة،الغارقة وسط غابة من أشجار البتولا والصنوبر وكالبتوس، بدون اذن خاص من رئيس جهاز أمن الدولة السوفييتية ( كي.جي.بي) فلاديمير كروجكوف( ت 2009).
الذي يعتبر مهندس محاولة التآمر وانتهت بتفكك الإتحاد السوفيتي، وغياب الدولة العظمى من خارطة العالم.
سبقت الأيام الثلاثة (18-21) من اب/ اغسطس 1991. سلسلة أحداث، ما تزال وقائعها، وبعض ما تسرب عن تفاصيلها ، مثار جدل بين المؤرخين والباحثين في تناول” الانقلاب” الفاشل بين فريق، يؤكد ان غورباتشوف نفسه، كان وراء كل ما جرى، وانه وبالتنسيق مع الكسندر ياكوفلييف ، الموصوف بمهندس
(بيريسترويكا- اعادة البناء)، خططوا بدعم من واشنطن لتدمير المنظومة السوفيتية، وتحول روسيا نحو النظام الراسمالي.
فيما يرى فريق اخر، ان غورباتشوف؛كان ضحية مؤامرة دنيئة من أقرب مساعديه ورفاقه في قيادة الحزب والدولة، الذين استشعروا خطر اصلاحات غورباتشوف الجذرية على مصالحهم ومواقعهم القيادية في الحزب والدولة. فسعوا لإبعاده واستعادة زمام المبادرة وفرض وصاية الحزب الشيوعي القائد على شعوب الاتحاد السوفيتي.
كنت على مدى الأيام العاصفة الثلاث، أقوم بتغطية الاحداث، مراسلا صحفيا لعدد من الوكالات العالمية، وراقبت عن كثب، ما جرى تلك الأيام التي عجز الصحفيون عن اجتراح عنوان صادم لها، فنبشوا الذاكرة واستعاروا من الصحفي الأميركي الشيوعي، جون ريد عنوان كتابه الموسوم ” عشرة أيام هزت العالم” حين أرخ، بصفته مشاركا، لوقائع ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمي عام 1917.
فكتبوا ” ثلاثة أيام هزت العالم”.
والمقارنة عرجاء دائما.
صحيح ان أيام جون ريد العشرة، هزت العالم في حدوده القديمة مطلع القرن، وخاصة اوروبا الرأسمالية المسيحية بما يصل من تقارير صحفية مكتوبة، محدودة الانتشار ، الا أن أيام لجنة الدولة الثلاثة ، أصابت شعوب العالم بالذهول، من اقصى الارض الى اقصاها وهي تتابع بالصوت والصورة انهيار الدولة العظمى مثل بيت من القش.
وتحول الحدث المدوي الى مأساة خاصة لدى شعوب، كانت ترى في الاتحاد السوفيتي، سندا وعونا خالدا ، لتكتشف انه أوهن من بيت العنكبوت، وان الناس في شوارع موسكو وساحاتها، يتظاهرون حاملين لافتات تحيي الامبرياليين الأميركان الذين كانت اصوات موسكو عبر الاثير تلعنهم بشتى اللغات قبل يوم او يومين.
ماذا جرى ؟
كيف تسنى لحفنة من ( المغامرين) تغيير وجه العالم في 72 ساعة؟
هل كانت نوايا أعضاء لجنة الدولة للطواري صادقة في محاولتهم اليائسة لانقاذ السفينة السوفيتية من الغرق؟
ام انهم بالفعل كانوا يرتجفون خوفا على مصالحم الحزبية الضيقة.
هل ورط غورباتشوف الساحر الذي يخرج الارانب من القبعة، خصومه المتشددين في عمل دبره نفسه، وكان ينتظر ترتيبا للوضع، يتعارض تماما مع ما كان يتحدث عنه على مدى سنوات “بيريسترويكا” التي أوصلت غالبية الشعوب السوفيتية الى حافة الفقر، وفتحت الطريق أمام الجريمة المنظمة، حين حرر سجناء بتهم جنائية على انهم ضحايا “القمع السوفيتي” اسوة بدعاة حقوق الأنسان او ما يعرف بسجناء الضمير؟

كيف حصل أن أكثر من عشرين مليون منتسب في الحزب الشيوعي السوفيتي،لم يخرج أحد منهم للدفاع عن النظام ورموزه، بل ان غينادي زيوغانوف أمين عام الحزب الشيوعي الروسي حاليا، رفع يده في جلسة البرلمان الروسي، مصوتا على حل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية؟
أسئلة لاعجة كثيرة سنحاول الإجابة عليها في الذكرى الثلاثين لقيام لجنة الدولة للطواري، وانتهت في ثلاثة أيام ومعها ماتت الدولة السوفيتية العظمى.
يتبع..

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون

من الادب العالمي:قصائد قصيرة الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون ترجمة: سوران محمد (١) منع قلب من انكسار ....................... لو استطع منع قلب من انكسار، لن أعيش خسرانا ؛ ولو أخفف من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رواتب الرئاسة وافتراش التلاميذ الارض للدراسة

هل هو قدر مجنون ان يضع الزمان حكام لا يعبأون الا بأنفسهم وكأنهم حكام على ركام من هواء، ذلكم هم حكام العراق بعد عام...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

القاص والروائي غانم الدباغ : قراءتان متباعدتان

عرفتُ القاص والروائي غانم الدباغ في منتصف سبعينات القرن الماضي من خلال أربعة أعمال : ثلاث مجموعات قصصية (الماء العذب) و(سوناتا في ضوء القمر)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رأس مقطوع يتكلم

مثل كل الصبية لم تشهد ايامة سيركا حقيقيا إلا في تلك الأيام من صباه في البصرة، كان يسكن في منطقة تسمى الطويسة وهي في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رحلة مع الروائي عبدالخالق الركابي

يعد الروائي عبد الخالق الركابي احد الاسماء المهمة في المشهد السردي العراقي والعربي، وأحد الذين اسهموا في تطور الرواية العراقية, فهو من جيل الروائيين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل الجمعة مباركةٌ عندنا .؟

بغضّ النظر عمّا تفيض به السوشيال ميديا اسبوعياً بالمسجات والصور والألوان المحمّلة بعبارة < جمعة مباركة > , وبغضِّ نظرٍ وبصرٍ ايضاً عن المشاعر...