الجمعة 22 أكتوبر 2021
28 C
بغداد

مفهوم الحرية عند (الحسين) ، ما زلنا نبتعد عن أدراكه !

عندما تتجلد العقول ، ويصيب الفكر الشلل ، ويهيمن طمع السلطة على الحكمة ، فسوف لن يستمع لهمس الضمير الخافت ، لهذا أراد الله أن تكون واقعة استشهاد الحسين ، عالية مدوّية صاخبة ، كمطارق تهز الكيان ، كمن يصرخ في أذننا لتصحوا عقولنا البليدة ، ترياق يدفع عن جسد الأمة سمومها وخدَرَها وأنحرافها ، وكأنه العلاج بالكيّ ، كما لو كانت اللغة الوحيدة التي نفهمها ، لغة العنف والدم والصخب والنار، لتُذهب عن عقولِنا ذلك التجلّد ، وهو يُذبحُ وذراريه بمنتهى الوحشية التي خلت من أي خصلة يملكها أنسان ، أرادوا بذلك أبادة (خطّه) ومنهجه ، أرادوا بساديتهم وعنف المأساة ، تخويف كل من يُطالب بفطرته الأساسية التي خلقها الله معه ، الحرية ، فهي أكبر عدو يخافه الطغاة ، وهم يحلمون بشعب من العبيد ، هكذا رأيناهم يحاربونها دون هوادة ، فهم يعلمون أن الحرية ٳن تفشت ، كانت لهم كالمبيد .

(ٳن كنتم عُرُبا كما تدّعون) ، قالها الحسين مخاطبا معسكر أعداءه ، نعم ، العروبة مجرد ادّعاء ، يقع في آخر قائمة أهتمامات الأنسان العربي كما أثبتت الوقائع ، ولم يرثوا معه الخصال الأنسانية ، لهذا قال (فكونوا أحرارا في دنياكم) ، لقد وضع أصبعه على الجرح ، فجيش أعداءه ، كان من العبيد ، يتحرك كالآلة ، بلا ضمير ، بلا مشاعر ، بأشارة من أسيادهم .

لا أبالغ اذا قلت ، أن الأنسان حيوان حُر ، انا حُر ، أذن أنا أنسان ، لكن مفهوم الحرية لدينا ، مفهوم ضيق ، هو أن تعمل ما تحب ، هذا هو بالمختصر ، ومايترتب على ذلك مجرد أمور ثانوية ، حتى لو كانت تمردا وتجاوزا على حرية الغير ، لهذا انبرى أهل البيت (ع) ، المولعون بالحرية بأمتياز ، أن يرسموا لنا خطوطها العريضة الواضحة ، بأعتبارها من أهم أسرار الأنسانية الحقة الراقية .

الحرية في نظر الحسين ، مفهوم راقٍ لا زلنا غير ملمين به بسبب قصور فهمنا المزمن لها لأننا لم نألفها كونها ممنوعة أبدا في بلداننا ، ونحن نتنقل من عصر ديكتاتورية الى آخر ، وٳن توفرت ، وقعنا في فخ اساءة استخدامها وكأننا لم نبلغ سن الرشد مهما بلغنا من العمر عتيا ! .

الحرية بدون أطُر تزينها كالأيقونة (لا أقول تطوقها) ليست حرية ، الحرية دون مراعاة الغير ، دون تعاون ، دون تكافل ، دون اعتبار للبشر شركائنا في الحياة ، دون فطرة سليمة ، ليست حرية ، انها تختزل كل الخصال الحميدة من نبذ الغيبة ، والكرم ، وصون اللسان والحشمة ، والخُلق اللين والتواضع والصدق ، فتضيف عليك هالة من الهيبة والأحترام ، بل القوة ، وستشحذ عقلك وفراستك ونظرتك للحياة ، لهذا قيل (الحُرّ تكفيه اشارة) في إشارة إلى (حرية) الحُر الرياحي ، لأنه رفض الإنخراط في قطعان العبيد التي إستلت السيوف لحرب الحسين .

الحرية تعني احترام الحياة ، وبيئتها وموجوداتها وكل اشكالها ، تعني الفضول المشروع وروح التقصّي والبحث ، تعني العمل لأجل فائدة الصالح العام فلا مكان للأنانية مع الحرية ، الحرية الحقيقية ، هي حرية الفكر ، أن تكون سيّد نفسك وآرائك دون فرضها على الغير ، أن لا تحتكر علما أو مالا ، أن تترفع عن عبادة (الآلهة) المعاصرة المتعددة ، التي تكون على شكل سيارة ، طعام ، مال ، شهوة ، جاه .

الحرية هي أن تعمل دون مراقبة ، أن تحب عملك وتعطيه حقه وٳن كان وضيعا ، وحتى لو فُرض عليك ، وأن تتقنه ، حتى اذا انهيته ، سيقال عنك أنك حُر.

الحرية هي بأحترام الوقت ، وعدم تبديده ، أن لا نكون فريسةً للخواء الفكري والروحي ، بل حتى الشرود الذهني ، وأن نستبدله بالتفكّر والتدبر ، كما أوصانا الأمام علي (ع) .

الحرية هي أن لا تكون عبدا للمتع والشهوات والأسراف ، بل نستبدل ذلك بالقناعة ، والشعور بالأكتفاء ، أن تفكر أن ثمة جزء من هذا الأسراف ، يمثل مسألة حياة أو موت للجياع ، كما قال الأمام علي (ما جاع فقير ، ٳلا وبما مُتّعَ به غني ) .

الحرية هي أن تترفّع عن كل أنواع العُقد ، كعقدة الشعور بالاضطهاد ، أو الرغبة في الأنتقام ، وأن لا تكون في النفس رائحة من الحقد أوالحسد أوالكراهية ، فالأمر الصعب هو ترويض النفس بأن تجاهدها ، وتشذبها وتنفض عنها غبار كل الصفات السلبية ، هكذا تسمو الروح ، وتتعالى عن طبيعنها الحيوانية ، عندها سيكون ذلك أفضل العزاء للحسين ، وأخاله سيبتسم رضىً ، ابتسامة ما أغلاها وما أروعها وهو في عليين ، ولنتذكر قول أديبنا جورج جورداق (رحل الحسين عن هذا العالم ، بعد أن لقّن البشرية درسا لن تنساه) ، فقد ألهم هذا الرجل البشرية واسترعى أنظار مصلحيها وقادتها وأدبائها وباحثيها ، من أن الحرية ضرورةٌ غاليةٌ لا تأتيك الا بأغلى الأثمان ، طالما هنالك من يريد انتزاعها منك .

قال الشاعر الكبير (جبران خليل جبران) وهو يقول عن أبي الحسنين الأمام علي (اتصوره وهو يغادر هذه الدنيا مبتسما ، فقد علم أنه بذر بذرة ، لن تموت) ، فنِعم البذرة ، ونِعم المبادئ ، بل نِعم المدرسة .

وأقول أن تنمية فكرة الحرية الحسينية ، هي بجعلها تتغلغل عميقا في الأذهان ، الى درجة أن تنعكس لاشعوريا على كل تعاملاتنا وتصرفاتنا وتفكيرنا ، أفضل بكثير من الممارسات (المادية) الصاخبة الى درجة اراقة الدماء ، ثم ينتهي كل شيء ، بعد انتهاء موسم عاشوراء .

سمعت أحد أئمة المنابر يقول ساخرا متهكما : (من أين اتت مظلومية الحسين ) ؟! ، وأنا أتسائل ، اليس كلّ مَنْ يُقتل بلا ذنب ، يُعدّ مظلوما ؟ فكيف بالحسين ، سيد شباب أهل الجنة وبضعة الرسول ، الأمام قام أم قعد ، لكن هنالك احتمال أكيد ومبطّن لدى هؤلاء ، أن الحسين كان يستحق حدّ القتل لخروجه على أمام زمانه أمير المؤمنين (يزيد) ، وأنه نازعه على سلطانه !! ، هذا الذي قال متشفيا ورأس الحسين أمامه :

لَعِبَتْ (هاشم) بالمُلكِ ……….. فلا خبَرٌ جاء ، ولا وحيٌ نزلْ !

لكنه يبقى في نظرهم أميرا للمؤمنين ! لأنه يمثل سطوة السلطة بكل ما بها من ظلم وتعسف وسياط وتسلط ، بكل ما بها من بداوة وجاهلية ، فما أبعد هؤلاء عن الحرية !.

ولنعد إلى سر سوء حالنا الذي لا يُسرّ العدو قبل الصديق ، ولنستذكر القاعدة الذهبية التي صكّها سيد الأحرار وملك الثوار الإمام علي : (كيفما تكونوا ، يولّى عليكم) ، ونحن نرى الجاهلية بأبشع صورها وقد عادت إلينا ، فنحن نقيّم مدى قرب المرء من الحسين ، بعدد قدور القيمة والهريسة التي ينشرها في الشارع برياء ! ، صنعنا أصناما على شكل أحزاب سياسية تحمل ختم العوائل والوراثة ، فصرنا لها عاكفين ! ، بعدما أبعدتنا هذه العوائل عن خط (الحسين) ، لأنها صارت تبارك الولاء لها وحدها ، ونقيّم مدى تقوى أصحاب المواكب ، بعدد الشوارع التي يغلقها ، وبعدد أفراد قوى الأمن التي تحميه ، بل بمقدار الدم المسكوب من الهامات الخاوية من مفاهيم حرية (الحسين) ، تلك التي تُراق في مواكب التطبير ، والتي تحولت إلى (فلكلور) مقدس ، لا أدري إن كان هذا الفلكلور أصيلا أو دخيلا ، أحزاب سياسية دينية ، جعلت حتى (يزيد) يتقزّم امام الثراء غير المشروع والأملاك والأبّهة والميل إلى الإجرام والقتل لكل من تسوّل له نفسه ، لمجرد مطالبته للعيش كأي إنسان سوي ، فعملوا بمبدأ من إدّعوه عدوا ، ذلك هو أبو سفيان عندما قال (تلاقفوها ، تلاقف الصبية للكرة) ! ، ويطالبون بخروج المحتل ، الذي لولاه ما خرجت الجرذان من جحورها ، ولا الخفافيش من زوايا الظلام ، فهل عرفتم سرّ سوء حالنا ؟! .

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
739متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كيف يحمي الشيعة انفسهم ؟

قبل الجواب على السؤال علينا ان نسال من هم اعداء الشيعة ؟ هل هو الحاكم ، ام المنظمات الارهابية ، ام الامم المتحدة ومن...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الى أنظار السادة في البنك المركزي العراقي

في مبادرة إنسانية رائعة أطلق البنك المركزي العراقي سلفة مالية لموظفيه لتمكينهم من شراء دار سكن لهم . وهذه مبادرة رائعة يشكر عليها القائمون...

وعي الجماهير بين مشروعين دويلة الحشد الشعبي وشبح الدولة القومية

(إلى الأمام نحو انتفاضة أخرى) لقد نجحت العملية ولكن المريض مات، هذه الجملة أقل ما يمكن أن توصف بها الانتخابات، التي طبلت وزمرت لها حكومة...

لا يرحمون ولا يريدون رحمة الله تنزل!

لعلك سمعت بالعبارة الشائعة التي تقول "تمسكن حتى تمكن!" والتي تطلق عادة على الشخص المنافق الذي يصطنع الطيبة والبراءة حتى يصل الى هدفه ثم...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق..والعودة لعهود الإنقلاب!!

الإنقلابات هي السمة الغالبة على حياة العراقيين منذ أن بزغ فجر البشرية ، ويجد فيها الكثير من ساسة العراق ومن دخلوا عالمها الان ،...

معضلة رئيسي

لاتزال وسائل الاعلام العالمية تتابع وعن کثب موضوع دور الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في مجزرة عام 1988، والمطالبات الاممية المتزايدة بمحاکمته أمام المحکمة الجنائية...