الثلاثاء 24 مايو 2022
33 C
بغداد

ملف الأستثمار …. إلى أين ؟؟؟

ربما تعاني معظم الدول النامية من نقص في الخبرة والتجارب بخصوص كيفية التعامل مع ملف الأستثمار ، وقد تتشارك مع بعضها عشرات العوامل التي تشكل الأسباب الرئيسية لفشل الأستثمار (الأجنبي والمحلي) لديها مثل الفساد الأداري وعدم الأستقرار السياسي والأمني وتخلخل الهيكل الأقتصادي للدولة والبيروقراطية السائدة وغيرها ، ولكن تبقى عدم مواكبة التشريعات والقوانين في مقدمة العوامل التي تشكل السبب الأساسي في عدم نجاح ملف الأستثمار . ورغم تأخر العراق في اللحاق بركب المستفيدين من الأستثمار والذي بادر بأصدار قانون الأستثمار العربي المرقم (62) في سنة 2002 ، ثم تبعه إصدار أمر سلطة الأئتلاف المؤقتة (المنحلة) المرقم (39) لسنة 2003 الخاص بالأستثمار الأجنبي ، إلا أن الأرضية لم تكن جاهزة في تلك الفترة لنجاح هذا الملف بسبب حجم التراكمات السابقة من سنوات الحرب والحصار ، ولكن بقي الأمل معقوداً بعد صدور قانون الأستثمار المرقم (13) لسنة 2006 والمباشرة بأعداد الأصلاحات وتحسن الوضع الأقتصادي . إلا أن التقاطعات والتناقضات التي جاء بها القانون مع عدم مواكبة الأصلاحات الضرورية في المفاصل الأخرى في الدولة لم تنتج إلا مجموعة من المشاريع المتلكئة ، وكانت النتيجة مخيبة لطموح الدولة والمستثمرين . ولعدم تحقق أي تقدم ملحوظ في ملف الأستثمار رغم الموازنات الضخمة التي تم تخصيصها بعد عام 2007 وتحسن الظرف الأمني بادرت الحكومة إلى إجراء التعديل الأول على قانون الأستثمار في عام 2010 ، ثم تبعه التعديل الثاني في عام 2015 ولكن من دون تحقيق أي شيء يذكر على أرض الواقع . ثم تبعهما صدور قرار مجلس الوزراء المرقم (245) لسنة 2019 بخصوص التعليمات المشددة والشاملة الى كافة الوزارات والجهات المعنية في الحكومة بتقديم التسهيلات للمستثمرين وخصوصاً الأجانب منهم بضرورة توفير الأراضي وتسهيل الحصول عليها ، وإتخاذ الأجراءات القاسية بحق كل من يعترض أو يعرقل الأجراءات ، وكذلك تسهيل إجراءات قدوم المستثمرين والتجار الأجانب والحصول على الموافقات المطلوبة لأقامتهم وإستقدام العمالة اللازمة ، وتسهيل إجراءات الحصول على القروض وتسهيل إجراءاتهم في المنافذ الحدودية فيما يخص الجمارك والضرائب ، والأيعاز إلى كافة مفاصل الدولة المعنية بالأسراع بتقديم التعديلات المطلوبة على القوانين السارية ، وتشريع القوانين الغير منجزة ، بشأن تسهيل إجراءات المستثمرين ، وخصوصاً :-

قانون الأقامة المرقم (76) لسنة 2017 .
قانون الشركات المرقم (21) لسنة 1997 المعدل .
قانون الشركات العامة المرقم (22) لسنة 1997 المعدل .
قانون المدن الصناعية المرقم (2) لسنة 2019 .
قانون البنك المركزي المرقم (56) لسنة 2004 .
قانون المصارف المرقم (94) لسنة 2004 .
قانون مجلس الأعمار .
قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص .
مشروع إستراتيجية دعم القطاع الخاص لسنة 2014 .

واليوم بعد تفاقم الوضع الأقتصادي نتيجة الأدارة السيئة وهبوط أسعار النفط الذي يشكل المصدر الرئيسي لموازنة الدولة ، أصبح العراق بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة الأسراع بالتنمية الأقتصادية وتفعيل ملف الأستثمار من أجل التحرر من الركود الأقتصادي . وكانت النتيجة بمثابة مفاجئة صاعقة عندما صدر التقرير الموجز من الهيئة الوطنية للأستثمار العراقي بتأريخ (2021/04/22) ليضعنا أمام المنجز النهائي لحصيلة ملف الأستثمار في العراق بعد مرور خمسة عشر عاماً على صدور قانون الأستثمار والذي نلخصه كما يلي :-

ھناك خلل في البنى التحتیة للبلد وتأسیس خاطىء ، ويجب العمل على إنهاء هذه الفوضى .
تمت إحالة (2322) مشروع الى الأستثمار من قبل الهيئة الوطنية للأستثمار منذ تأسيسها ، معظمها إما مشاریع متلكئة أو وھمیة (%50 منها وهمية) أي أن نسبة الأنجاز فيها صفر.
ھناك الآلاف من الدونمات من الأراضي تم الأستحواذ علیھا لسنوات عدة دون تقدیم أي إنجاز، حيث تم تخصيص (933 000) دونم للمشاريع الأستثمارية ، وان المشاريع الحقيقية العاملة حالياً تمثل (%2) من هذه الأراضي .
البیروقراطیة والفساد من الأسباب التي تعرقل الأستثمار .
المباشرة بسحب الأجازات الأستثمارية لـ(1128) مشروع بسبب تدني نسب الأنجاز فيها حيث تتراوح نسب الأنجاز فيها ما بين ( 0- 35) % وإنتهاء المدد الزمنية لتنفيذ تلك المشاريع .
ثم تبع التقرير تصريح لرئيس الوزراء بتأريخ (2021/06/24) حيث صرح فيه بأنه تم سحب الأجازة الأستثمارية لأكثر من (2000) مشروع وهمي منحت قبل أكثر من عشر سنوات ولم يتم فيها بناء طابوقة واحدة فيها .

ولكن المثير للتساؤل هو كم ستحتاج الدولة من مدة زمنية لتصفية هذه المتعلقات التي إستنفذت سنوات طويلة من الزمن ؟؟؟ وكم هي كمّ الأجراءات الأدارية والقانونية المطلوبة لفكّ الأشتباك وتصفية عقود لـ(2000) مشروع إستثماري ؟؟؟ وهل بالأمكان إستعادة الأموال التي تقدر بمئات الملايين نتيجة الأعفاءات والأمتيازات التي تمتعوا بها المستثمرين ؟؟؟ وهل أن إلغاء الأجازات الأستثمارية أو إستعادة جزء من الأراضي ستعيد للدولة التعويض الحقيقي عن حقوقها الضائعة ؟؟؟ وهل أن قانون الأستثمار قد رسم الطريق بشكل واضح أمام الأدارات المتعاقدة لتنفيذ هذه الأجراءات بشكل سلس ؟؟؟ وهل أن الخلل يكمن في القانون أم في سوء تطبيق القانون ؟؟؟ وهل أن القانون قد طرح جميع إحتمالات الفشل وطرح الحلول والمعالجات المطلوبة ؟؟؟ وهل أن القانون وفر لنا البدائل والضمانات الكافية لإستمرار ونجاح المشروع المتلكأ ؟؟؟ لأن أساس المشروع الإستثماري قائم على عنصرين مهمين ، هما إمكانية ومقدرة المستثمر (المالية والفنية) ، وفي لحظة غياب أي عنصر منهما نتيجة عجز المستثمر ، وعدم تمكن الدولة من تقديم البديل سينهار المشروع . ولأن الدولة قد قدمت الإمتيازات والإعفاءات اللازمة وخصصت الأراضي من أجل جذب المستثمرين ، ولأن عقود الإستثمار من العقود الطويلة الأمد ، فأن الخسارة تكون مركبة ومعقدة لا يمكن حلها بسهولة ، مع الأخذ بنظر الأعتبار أن عملية توفير التمويل اللازم أو المستثمر البديل لإكمال المشروع في حال فشل المستثمر من أصعب المشاكل خصوصاً إن كان المشروع ينفذ من قبل المستثمر الأجنبي ، وأن الإجراءات القانونية في حال نشوء أي نزاع تكاد تكون عقيمة وغير مجدية للوصول إلى نتائج مضمونة في فترة قصيرة نتيجة جنسية المستثمر وإجراءات التحكيم الدولية ، لذا ينبغي أن تكون دراسات الجدوى الفنية والمالية التي يتم إعتمادها دقيقة ، وتكون عملية إختيار المستثمرين وتدقيق مقدرتهم وإمكاناتهم مدروسة بشكل جيد ، وأن تكون هناك ضمانات كافية عند التعاقد .

وليس غريباً أن نلاحظ غياب المستثمر الأجنبي وخصوصاً الشركات العالمية ذات الجنسية المتعددة والتي تمتلك الأصول الباهضة وتحقق أرباحاً سنوية عالية لا تتقدم للمساهمة في المشاريع الأستثمارية إلا بضمانات سيادية أو مشاركة الدولة المضيفة في التمويل وتحمل المخاطر معها ، وهذا ماتحقق فعلاً في عقد مشروع بسماية السكني بعد تقديم ضمانات عديدة من قبل الدولة للمستثمر مثل قيام وزارة المالية والمصارف الحكومية بتقديم السلفة التشغيلية والأقساط المحددة في بنود العقد الى الشركة المستثمرة مع ضمان البنك المركزي بتوفير العملة الصعبة ، وكذلك توفير الحماية للعاملين من قبل وزارة الداخلية مع توفير البنى التحتية للمشروع على حساب الدولة مع توفير خدمات الغاز السائل والأتصالات من قبل شركات إستثمارية أخرى ، مع إضافة ملحق عقد للأبنية الخدمية الأخرى لصالح المستثمر ليكون المجمع السكني جاهزاً وصالحاً للسكن مع شمول المستثمر بكافة الإعفاءات والإمتيازات التي تنص عليها قانون الإستثمار !!
أو كما حصل في الإتفاقية الصينية (الأطار المشترك) أو (إتفاقية القرن) ، حيث تم تقديم الضمانات العديدة من الجانب العراقي ( تسليم النفط مقدماً + إيداع 100 مليون دولار كحساب تحوطي + إيداع حساب تحوّطي بمقدار 150% من قيمة الديون التي تترتب على المشاريع المنفذة للأشهر الستة القادمة + تجديد الحساب التحوّطي شهرياً + إستلام قروض من المصارف الصينية بموجب فوائد + مساهمة الجانب العراقي بنسبة %15 من قيمة القروض ) وبدون تقديم أية ضمانات من قبل الجانب الصيني في حالات الأخفاق أو التلكؤ ، علماً أن جميع المشاريع التي تنفذ وفق هذه الأتفاقية ستنفذ بطريقة تسليم المفتاح (Turnkey) ومن خلال الصناديق السيادية الغاطسة (Sovereign Sinking Fund) أي أن المبالغ الحقيقية للمشاريع ستكلف زيادة بحدود (35% – 45%) لكون طريقة التسديد بالآجل وفي ظروف مثل ظروف العراق التي تحتسب على أنها ذات مخاطر عالية .

ولو تم إحتساب جميع كلف الخدمات التي تم تقديمها في مشروع بسماية السكني والتعويضات التي تم تقديمها للمتجاوزين ، والخسائر التي تحققت نتيجة تأخر تخصيص الأرض لمدة (٩) أشهر ، والتأخيرات التي حصلت في المراحل اللاحقة في التنفيذ ربما ستتجاوز كلفة المتر المربع الواحد أكثر من (1000) دولار ، في الوقت الذي تم فيه بناء مجمعات سكنية عديدة بكلفة لم تتجاوز (600) دولار للمتر المربع الواحد ، ومن دون خروج العملة الصعبة . ومن المؤكد أنه لو تم تنفيذ هكذا مشاريع عن طريق المناقصة العادية ستكون كلفها أقل ، ومن المؤكد أنه لو تم تقديم نفس الدعم والإسناد الذي حظي به الشركة الكورية إلى المستثمرين أو المقاولين المحليين لكانت النتائج أفضل بكثير .
ونحن أمام مفترق طرق ، ويجب أن نلتزم أحد الخيارين :-
إما أن نقوم بإلغاء قانون الإستثمار الحالي ونعترف بفشله لأنه لم يقدم لنا مشروعاً ناجحاً منذ تأسيسه أكثر من (15) عاماً ، وإن كان هناك مشروع ناجح فمن المؤكد أنه لم يتم تنفيذه وفق آليات قانون الأستثمار المرقم (13) لسنة (2006) المعدل ، ويجب علينا أن نقوم بإعداد صيغة قانون جديدة وندرج بها الآليات والسياقات والأساليب المتبعة في مشروع بسماية السكني والأتفاقية الصينية ، بسبب النجاح الذي تحقق فيهما ونسميه (قانون الأستثمار العراقي) .
أو أن لا يتم تسمية عقد بسماية أو الأتفاقية الصينية على أنها عقود إستثمارية ، وإنما هي عقود بمزايا خاصة (عقـــود الأستثمار الحديثة التي توافق البيئة العراقية) وتنطلق من تقديم الدعم والإسناد والتمويل المشترك ومشاركة المخاطر مع المستثمر من أجل جذب وإستقدام الشركات العالمية .

وفي النهاية ، وبغض النظر عن إختلاف التسميات وتعدد الأساليب المتبعة في التعاقدات ، سواءاً كانت عن طريق المناقصة منافسة أو عن طريق الأشغال العامة أو عن طريق عقود الأستثمار ، فإننا نتطلع إلى إستغلال الأموال في تحقيق التنمية الأقتصادية وبشكل صائب ، وإلا … ( فالمال … خادم جيد ولكن ، سيد فاسد ) .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
862متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كتاب اصوات من التاريخ

بسم الله، ارحل صدرت مؤخرا الطبعة الجديدة من كتاب مثير بعنوان (أصوات من التاريخ) للكاتب البريطاني سايمون سيباغ وتم نشر الكتاب أصلا عام 2005 محققا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

عطلة للنساء بالدورة الشهرية

بين فترة زمنية وأخرى نقرأ أو نسمع عن قرار مهم في دولة ما قد يتعلق بالإقتصاد أو المجتمع، فبعد تأمين اسكتلندا مستلزمات الحيض مجاناً...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تفسيراتٌ ما لزيارة ” قرداحي ” الى العراق

كان قد جرى الإعلان عن زيارة السيد جورج قرداحي الى العراق منذ نحوِ اسبوع , بغية زيارة معرض بغداد الدولي للكتاب , وكان الأمر...

مبادرة ثوار تشرين والقوى الوطنية المتحالفة معها

ايها الشعب العراقي العظيم, الأخوة والاخوات في الوقت الذي يتفق فيه الجميع على انّ العملية السياسة في العراق قد وصلت فيه الى طريقب مسدود , والى...

ما بين الانتفاضة في ايران والانتخابات في العراق ولبنان خيوط تنقطع

الانتفاضة الان في ايران ليست الاولى من نوعها فقد سبقتها انتفاضات عديدة اكد فيها الشعب الايراني رفضه حكم الملالي في طهران وهذا حق طبيعي...

مؤشرات ومعطيات لحقائق الموقف

حدثني صديق، عمل في الستينات وزيراً في أكثر من حكومة عراقية واحدة، أنه ذهب للولايات المتحدة للدراسة بعد حل الوزارة التي كان عضواً فيها،...