الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
25.7 C
بغداد

البرامج الموجهة والتهريج الأعلامي!

منذ سنوات ليست قصيرة سادت برامج تلفزيونية حوارية في الاعلام العربي عموما والعراقي خاصة، اتصفت في غالبيتها بالتهريج والشتائم واشاعة الكراهية والاحقاد معبرة عن نمط بائس ومبتذل للحوار السياسي بين المختلفين في الفكر او الرأي، لكي تؤسس لبيئة فاسدة تظهر فيها ابواق دعائية ونكرات تحمل اوصاف سياسية او اعلامية او مهنية واكاديمية كمادة للحوار، وقد تسببت في اشاعة الانفعالات لدى متابعي تلك البرامج من الاهالي وعملت على تهييجهم سياسيا ومذهبيا او دينيا وعنصريا، خاصة في البلدان ذات التنوع الديني والمذهبي والقومي، وعلى ضوء ذلك وقبل أيام، أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات في العراق، كتاباً موجهاً لوسائل الإعلام تضمن 11 شرطاً في اختيار الضيوف المحاورين في البرامج، وشملت تلك الشروط بحسب الكتاب المعمم لوسائل الإعلام وخاصةً القنوات التلفزيونية “استضافة ذوي الاختصاص والكفاءة العالية وعدم استضافة أفراد مجهولين”، ولم تتطرق تلك الهيئة إلى البرامج ذاتها أو مقدميها الذين اسسوا لهذه الفوضى وهذا التهريج الإعلامي، فقد لوثت تلك البرامج ومقدميها مزاج الأهالي وكرست ثقافة إعلامية بائسة أساسها التشنج والعدائية والتسقيط، بل استخدمت أساليب في الحوارات أقل ما يُقال عنها إنها تنافس تحقيقات ضباط الأمن والمخابرات في الأنظمة الديكتاتورية، مستهدفةً من خلال تلك الحوارات التسقيط والتشويه وإشاعة الكراهية والأحقاد بين المكونات.

لقد تراقصت في سماوات الإعلام العراقي ونافوراته بعد سقوط نظام الحنفية الواحدة وفكرة القناة الأولى والثانية والإذاعة المركزية والصحيفة الوحيدة، المئات من الاذاعات والقنوات التلفزيونية، والمثير بل المفجع هو هذه الفوضى العارمة في التكاثر الانشطاري الوبائي لهذه الوسائل، حتى أصبح العراق واحداً من أكثر دول العالم في عدد إذاعاته وصحفه وقنواته التلفزيونية وبرامجه الحوارية، التي تصدح بالصراخات التهييجية والحوارات الجوفاء التي تحولت إلى مسرح لإبراز عضلات بعض مقدمي البرامج السياسية المتغولين بنرجسية مقززة تغطي سطحيتهم المهنية، حيث يمارسون دور الراعي على الأمة والوطن والناطقين باسمه مع مجموعة ممن تطلق عليهم تلك القنوات بالمحللين الاستراتيجيين أو الخبراء الاستراتيجيين في مختلف الاختصاصات، فتراه ضابطاً عسكرياً لا يفقه ألف باء السياسة يتحدث باستراتيجية في الوضع السياسي للبلد، علماً إن الجميع يعلم إن الأغلبية المطلقة من الضباط حتى 2003، لا يهتمون بالثقافة السياسية إلا ما يسمح لهم حزب السلطة في حينها، وكذا الحال في العديد من النكرات الطارئة الذين يتم تقديمهم كمحللين سياسيين او خبراء أمنيين أو عسكريين أو اقتصاديين في بيئة تتكاثر فيها منظمات المجتمع المدني وقنوات التلفزة كتكاثر اليوغلينا والاميبا دونما حدود أو ضوابط أو سقف أكاديمي أو مهني أو اخلاقي.

إن العلة الكبرى ليست في المستضافين فقط، بل بأولئك الطارئين على الإعلام من معدي ومقدمي تلك البرامج التي أصبحت منابر للتسقيط والتشويه والبذاءة والشتائم واللغة الهابطة في الحوار، وكان حريٌ بهيئة الإعلام أو أي سلطة تنظم هذه الوسائل أن تضع شروطاً مهنية للبرامج ومقدميها، وأن تسأل عن ممولي تلك القنوات وبرامجها والهدف من إشاعة هكذا ثقافة وسلوك عدواني لا يعتمد على أي أسس تربوية وأخلاقية ومهنية في تقديم الحوارات والمناظرات، لا أن تكتفي بمجموعة شروط لمواصفات ضيوف تلك البرامج متناسية مقدمي تلك البرامج ممن يديرون الحوارات السياسية أو الفكرية والتي تحولت إلى أبواق للدعاية والأستعراض النرجسي، ناهيك عن دورها في إشاعة السفاهة والثرثرة الفارغة والتهييج الطائفي والعنصري.
ورحم الله الشاعر البغدادي سبط بن التعاويذي حينما قال:
إذا كانَ ربّ البيت بالدف مولعا
فشيمة أهل البيت كلهم الرقـص

[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
742متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

عشنا وشفنا ، برنامج (ولاية بطيخ) يسبب هدر المال العام !

تابعتُ خبر إستدعاء مدير شبكة الإعلام العراقي السيد (نبيل جاسم) ، إلى "النزاهة" ، بسبب "إهداره" للمال العام من خلال تعاقده مع طاقم البرنامج...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المأساة الكبرى

وتستمر المأساة للشعب العراقي بعد عام 2003 بعد إزاحة نظام ديكتاتوري دموي لا يؤمن بالحرية ويشوبها انتهاكات جسمية في حقوق الإنسان، ودخل المحتل الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محطات من السفر

اليوم تشير درجات الحرارة في انقرة الصغرى الى تحت الصفر بينما العظمى الى عشرة درجات ولكن الجو بين مشمس وغائم وتشعر عندما تسير في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مفاجأة سقوط أفغانستان على يد طالبان بهذه السرعة!

لم تستفد أمريكا من دخول الاتحاد السوفيتي السابق الى افغانستان عام 1984 بطلب م الرئيس الافغاني الاسبق (نجيب الله). الا ان الرئيس الامريكي الاسبق (جورج...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أجيال تأكل أجيالا!!

أستمع لحوار يجمع بين الكاتبين الكبيرين المصريين مصطفى أمين وأنيس منصور , وتظهر فيه روح التواصل ورعاية الأجيال وتشجيعها , وإعانتها على العطاء والنماء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق والسودان ..وسيناريوهات الإنقلاب !!

كان هناك سيناريو يتردد في العراق قبيل الانتخابات ، مفاده أن القوى التي يطلق عليها بـ " المقاومة العراقية " مع تشكيلات فتح وقوى...