التداعيات الكارثية للانسحاب الامريكي من العراق

عندما نتحدث عن الانسحاب الامريكي من العراق وفق مااعلن في البيان الختامي للحوار الستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الذي عقد خلال الاسبوع الماضي في واشنطن،لابد من الاجابة على اربع تساؤلات جوهرية، التساؤل الاول هو هل هناك تكافؤ في القوى و انواع الاسلحة والذخيرة لدى القوات الامريكية المتواجدة في العراق وقوات الفصائل الشيعية المسلحة التي تسمى ب(المقاومة)؟.
التساؤل الثاني هل امريكا مضطرة للابقاء على قواعدها و قواتها القتالية في العراق، ام هناك بدائل للبقاء؟ التساؤل الثالث من المتضرر من خروج القوات الامريكية من العراق ؟ والتساؤل الرابع ماذا سيحدث في العراق في حال انسحاب القوات الامريكية في ظل الخلافات الطائفية والقومية والصراع بين المكونات على السلطة والخلافات بين المكونات انفسهم؟
لنبدأ بالجواب على السؤال الأول،لايختلف اثنان انه ليس هناك وجه مقارنة بين القدرات العسكرية للقوات الامريكية والفصائل المسلحة الشيعية العراقية وما يمتلكه الجانبان من اسلحة وذخيرة وتكنلوجيا متطورة سواء للدفاع او للهجوم،اذ ان القوات الامريكية مدججة بأنواع الاسلحة الفتاكة سواء داخل العراق او في قواعدها المنتشرة في دول المنطقة او على متن اساطيلها المدمرة في منطقة الخليج والشرق الاوسط.
اما الفصائل المسلحة الشيعية لايكاد اسلحتها تتعدى الاسلحة التقليدية المتوسطة وبعض الصواريخ المتوسطة المدى ولايمكنها حسم اية معركة مفتوحة ضد القوات الامريكية في العراق مع العلم ان القوات الامريكية لحد الان لم تستخدم جميع قدراتها العسكرية ضد الفصائل التي تقصف القواعد الامريكية او سفارة الولايات المتحدة والهيئات الدبلوماسية في داخل المنطقة الخضراء بين آونة واخرى.
وعملية اغتيال قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس دلالة واضحة على ان زمام المبادرة بيد القوات الامريكية وهي قادرة على توجيه ضربات نوعية و قوية لتلك الفصائل وقنص
قادتها متى ما شائت، وشن غارات جوية على مواقع الحشد الشعبي في 27 من يوليو حزيران الماضي بالقرب من الحدود السورية ومناطق اخرى بالطائرات والصواريخ الموجهة وتكبيدها خسائر بالارواح والمعدات حقيقة لايمكن انكارها.
اذن في كل الاحوال القوات الامريكية لاتنسحب بفعل قصف الطائرات المسيرة او الصواريخ التي يمتلكها الحشد الشعبي،وبأمكانها الرد القاسي على مصادر تلك النيران واسكاتها،لكنها تفسح المجال لها لتجعلها ذريعة لضرب منشآت ومواقع الحشد الشعبي متى ما ارادت كحق مشروع للدفاع.
جوابا على التساؤل الثاني هل امريكا مضطرة للابقاء على قواعدها و قواتها القتالية في العراق، ام هناك بدائل اخرى؟،هناك حقيقة لايمكن اخفائها ان الولايات المتحدة لها قواعد وقوات عسكرية في العديد من دول العالم ابتداء من اوروبا ومرورا بشرق اسيا والمحيط الهندي وصولا لمنطقة الخليج والشرق الاوسط،ويمكنها استخدام تلك القواعد والقوات للدفاع عن مناطق نفوذها و مصالحها الحيوية عند الضرورة،اذن بقاء القوات الامريكية في العراق من عدمه،لايضعف الدور الامريكي في العراق والمنطقة كما يتصور البعض.
اما جوابا على التساؤل الثالث من المتضرر من خروج القوات الامريكية من العراق؟ لابد ان نعترف ان القوة الجوية العراقية التي تعد العمود الفقري للقوات العسكرية بجميع صنوفها ومسمياتها المختلفة هي عاجزة الان في مواجهة الارهابيين ومن البديهي من دون غطاء جوي يصعب تحقيق اي انتصار عسكري، وفي المقابل نرى ان تنظيم داعش الارهابي بدأ ينظم صفوفه ويلملم قدراته القتالية ويعزز نشاطاته العسكرية من خلال الخلايا النائمة وماتبقى من مقاتليها في مناطق مختلفة في عدد من المحافظات العراقية وبعض دول الجوار.
المشكلة الاخرى هو الجانب الاستخباري،اذ لايمكن لاي قوة عسكرية ان تؤدي مهامها بدقة وتصيب اهدافها من دون امتلاك جهاز استخباري قادر على اختراق صفوف العدو اما بشكل مباشر او عبر التكنولوجيا المتوفرة، اذ يفتقر العراق في الوقت الحاضر الى امتلاك جهاز استخباري يمكنه من جمع المعلومات الضرورية للقيام بعمليات استباقية او مباغتة العدو في الوقت المناسب، لذلك مايزال العراق بحاجة ماسة الى القوات الامريكية في الجانب الاستخباري ونحن في حرب مفتوحة ضد اكبر تنظيم ارهابي يهدد السلم والامن العالميين.
القضية الاخرى هي الاسلحة التي اشتراها العراق من الولايات المتحدة كطائرات F16 ودبابات ابرامز الامريكية التي بحاجة الى قطع غيار وذخائر عسكرية وخبرات امريكية لتكون جاهزة ومؤثرة في ميادين القتال ومن دون خبراء ومستشارين امريكيين تصبح هذه الاسلحة المهمة والستراتيجية بالنسبة للعراق مجرد اكوام من الحديد على الارض كلفتنا مئات المليارات من الدولارات.
كذلك العراق بحاجة ماسة للدعم السياسي والدبلوماسي الامريكي من خلال الامم المتحدة والمنظمات التابعة لها والمنظمات العالمية الاخرى التي تهيمن عليها واشنطن فضلا على اعتماد العراق على المصارف الامريكية في بيع نفطه الذي يعد الوارد الاساس لموازنته وكذلك حاجته للدولار الامريكي وسندات الخزانة لتنشيط التجارة والتعامل مع السوق الامريكية التي تعد اكبر الاسواق للدول التي تصدر البضائع والثروات الطبيعية وبالاخص النفط،ومن دون هذا الدعم،سيكون العراق في عزلة دولية، ناهيك عن امكان واشنطن فرض حصار خانق على العراق كما فرضته على ايران.
هناك امور كثيرة اخرى كثيرة اخرى يحتاجها العراق من الولايات المتحدة لانريد الخوض فيهاومن دونها ينهار النظام السياسي والاقتصادي العراقي خلال اشهر،اذن الخاسر الاكبر من انسحاب القوات الامريكية من العراق هو الشعب العراقي وبالاخص الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تتأثر بشكل مباشر بأي ضغط سياسي واقتصادي امريكي قد يتعرض له العراق بسبب دفاع القوى السياسية العراقية المرتبطة بأيران عن المصالح الايرانية في العراق والمنطقة.
وجوابا على التساؤل الرابع والاخير وهو ماذا سيحدث في العراق في حال انسحاب القوات الامريكية في ظل الخلافات الطائفية والقومية والصراع بين المكونات على السلطة والخلافات بين المكونات انفسهم؟هنا لابد من الاعتراف ببعض الحقائق منها ان الخارطة السياسية للعراق الذي رسمته القوى الكبرى بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى رسمت بطريقة بحيث يستمر الصراع الطائفي والقومي بين المكونات التي تتشكل منها الدولة العراقية.
وهذا ما عايشناه ولمسناه على مدى قرن من انشاء الدولة العراقية الذي شهد البلاد خلالها انقلابات دموية وحروب داخلية واقليمية وصراعات مكشوفة بين المكونات
كتحصيل حاصل لبنية نظام الحكم في العراق ومايزال هذا الصراع مستمر لحد الساعة على المستويين السياسي و الاجتماعي وخلال السنوات الثمانية عشر الماضية اشتد هذا الصراع حتى وصل الى الاقتتال الطائفي والقومي وسقوط الالاف من الضحايا واصبح من المستحيل معالجة هذا الجانب البنيوي من واقع الكارثي.
وفي حال انسحاب القوات الامريكية من العراق وبفعل التدخلات الاقليمية ووجود ارضية عدم قبول الاخر، ستعم الفوضى جميع المحافظات سواء بخلافات واقتتال بين القوى السياسية لكل مكون،فضلا على تقاتل المكونات فيما بينها على المصالح والاستحواذ على الثروات باللجوء الى السلاح وبدعم من القوى الاقليمية التي تتصارع ايضا فيما بينها على مناطق النفوذ في العراق.
بالنتيجة في حال انسحاب القوات الامريكية من العراق كما حدث في افغانستان، فسيشهد العراق كوارث وحروب وويلات واراقة دماء لها اول وليس لها اخر و يعتقد المراقبون السياسيون ان العراق سيكون في خبر كان وستعود الخارطة السياسية الى ماقبل الحرب العالمية الاولى بفعل تدخلات دول الجوار التي تعتقد كل منها ان لها حقوق ومصالح في العراق ينبغي ان تعود لها.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تَعَبُد… ولكن على الواحدة والنص

لم يذق طعم النوم ليلتها بعدما طرقت باب شقته بالخطأ، السكر والإرهاق اللذان هي فيه جعلها تخطأ في رقم الشقة والدور.... لقد كانت على...

ماهي التساؤلات وماذا يمكن فهمه لما بين السطور والطريقة لابعاد صورة وهوية الفاعل والداعم

ابرز ماتحدث به مستشار الامن القومي قاسم الاعرجي خلال المؤتمر الصحفي للجنة التحقيقية المكلفة بالتحقيق بمحاولة اغتيال الكاظمي قاسم الاعرجي"""" سنعرض اليوم التقرير الأولي للتحقيق...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العلم البايولوجي مصدر مهم لاقتصاد الدول العظمى

قد تخونني التعابير احيانا في بعض مقالاتي كونني ليس من ذوي الاختصاص الدقيق ومعلوماتي العلمية في مجالات الادوية والفايروسات محدودة.. ولكنني اكتب ما اشاهده...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رئيسي الفاشل في أکثر من إختبار

عندما أعلن ابراهيم رئيسي عن عدم ذهابه الى الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة وکذلك الى مٶتمر المناخ في سکوتلندا، بحجج ومعاذير أثارت سخرية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رافع الكبيسي..خاض تجارب العمل الاعلامي فأبدع فيها

رافع عويد الكبيسي هو من تولد ناحية كبيسة 1957 بمحافظة الانبار ، وقد أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها .. في عام 1978 دخل كلية...

ماجدوى الاسراع لرجوع للاتفاق النووي مع ايران

لا يُخفى أن المفاوضات مع الإيرانيين حول التوصل إلى اتفاق نووي ليست سهلة على الإطلاق. ولكن إذا أرادت إدارة بايدن إجراء مفاوضات متابعة تتطلب...