العراق..ودم “المجاتيل”

بموازاة اللغة العربية الفصحى, يستخدم العراقيون لهجتهم الغنية بتعابير وتوصيفات ربما تنقل, مقدار العاطفية والمشاعر و الحزن, الذي يكتنزوه في قلوبهم, وكذلك تتيح لهم إستخدام الكناية والترميز والتشبيه, وخصوصا في مناطق الفرات الأوسط والجنوب, ذات البيئة الخصبة والمليئة بالماء والخضراء, فقيلت أمثال غاية في الروعة والحكمة, ومنها قولهم “متملطخ بدم المجاتيل” للدلالة على من يجلب التهمة لنفسه أو لأهله, وهم بعيد عنها..
لم يعايش العراقيون طيلة فترات تاريخهم الحديث, حالا يمكنهم وصفه بأنهم عاشوا في ظل “دولة”.. فكل الأنظمة الحاكمة كانت إمام مفروضة من قبل مستعمر أو دكتاتورية, أو مشوهة المعالم نتيجة تأثيرات متداخلة.. ولم يكن إلا قلة منهم, يعطون للأمر أهمية, ربما نتيجة غفلتهم عن أهمية الموضوع, أو لإنشغالهم بقضايا يرونها أهم وتمس حياتهم وأمنهم, مما جعلهم يفكرون بمديات تقتصر على سلامتهم وأبنائهم, ولا يفكرون “برفاهيات” كالديمقراطية أو الحقوق أو المشاركة بالحكم..
بعد سقوط نظام صدام والبعث, وممارستهم الديمقراطية “على علاتها” ظهرت مطالبات في شتى المجالات, لكنها لم تشتمل أو ترقى للمطالبة بتأسيس دولة حقيقية.. إلا في أحاديث خجولة لمثقف هنا أو تصريحات لزعيم هناك, في سياق مبادرات لا يستمع لها أحد, لأن خصوم من أطلقها سيعدونها تسويقا إنتخابيا يجب محاربته!
ظهرت وتعالت مؤخرا مطالبات كثيرة, بوضع منهاج جديد يعمل على بناء الدولة, بعيدا عن العمل السياسي ومماحكاته, وضرورة العمل لتحجيم المنهج المعارض لبناء الدولة, ووصفوا أصحابه بالفوضويين أو “اللادولة”.. وككل الدعوات فإن من يخاصمها سيحاول أن يفندها ويسقطها, أو في الأقل يحاول أن يزيحها ويشوهها عن مقاصدها الحقيقية, على فرض صدق دعواها!
هناك من حاول أن يأتي بمن يتقبله المجتمع, ويقدمه خصما لتلك الدعوى, بحجة أنه تستهدفه وتحاول محاربته, وهذا ما قامت به جهات إعلامية معروفة التوجهات, من خلال الإدعاء بأن من يقصد بهم “باللادولة” بأنهم الحشد الشعبي.. ثم تنفيذ حملة للدفاع عنه, وأنجر لها إعلاميون وناشطون دفاعا عن الحشد, بل وأنجرت له جهات وشخصيات كانت تعد واجهات للحشد.. وهي محاولة بائسة, فهي تذكرنا بالمثل العراقي “متملطخ بدم المجاتيل”
الحشد هو الدولة.. بإنضباط قواته وأفراده وقادته, وبحسب ما رسمه لهم قانونهم, ومن يحاول أن يقول أو يسوق غير ذلك, بإدعاء الدفاع عنهم, ومن يحاول أن ” يملطخه بدم المجاتيل” فهو كاره له وحاقد عليه, ويحاول أن يقاوم أي منهج لبناء الدولة الحقيقية, التي يحميها الحشد وكل أبناء هذا الوطن..
قيل في الحكمة أنه “لا يصح إلا الصحيح” وبناء الدولة كمفهوم ومنهج عمل ومؤسسات, قادم عاجلا أو أجلا, وإلا فالخراب التام هو البديل.. وعندها لن يعفى أحد من المسؤولية أو الضرر الذي سيحصل, و لن ينفعنا الندم حينها..

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
770متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المتظاهرون عندهم وعندنا

لن يخرج النظام الإيراني المحتل من العراق وسوريا ولبنان واليمن إلا بحالة واحدة هي أن ينشغل بأمنه وسلامة رأسه قبل أي شيء آخر.   وهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

استجداء مدراء المدارس بحجة التبرعات حيهم !

ضمن سلسلة اخفاقات متكررة لوزارة التربية بعدم المتابعة والمراقبة لإدارات المدارس وهي تقوم بتنظيف جيوب التلاميذ على مدار السنة الدراسية الجديدة، وخاصة حين يتم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق على مفترق الطرق اما يكون او لايكون!

بسبب الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها الحكومات الشيعية المتعاقبة عقب سقوط النظام السابق (2003) وخاصة حكومتي "نوري المالكي" (2006 – 2014) بحق المكون السني في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كوردي ام عراقي؟

اجرت فضائية سكاي نيوز عربية حوارا مع السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان اثناء زيارته لدولة البحرين للمشاركة في (منتدى حوار المنامة 2021)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراقيون هم أغلبية المهاجرين على الحدود البيلاروسية البولونية

غريب هذا الصمت الذي تتعمده اغلب ما تطلق على نفسها بالكتل السياسية ، وفي المقدمة الكتل الكردية، غريب كل هذا التغافل عن كون العراقيين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حول دور ومكانة الخيانة العظمى في تفكيك الاتحاد السوفيتي (1991 -2021) بمناسبة الذكرى ال 30 لتفكيك الاتحاد السوفيتي

المبحث الحادي عشر ( الحلقة الحادية عشرة) :: الانقلاب الحكومي وتفكيك الاتحاد السوفيتي في اب 1991 :: ادلة وبراهين. خطة المبحث الحادي عشر : المطلب...