اللقاح…ومعالي السيد البواب

تجهد أحزاب السلطة الفاسدة والفاشلة في أن تحد من خياراتنا واسلوب حياتنا الذي لا يلتقي مع اسلوبها الهمجي المافيوي، وهي تريد بذلك للعراقي، مهما كان حجم وعيه، أن يتحمل، وحده، أعباء وانعكاسات فسادها وفشلها، مما يجعله يخوض غمار صراع غير عادل بين وعيه الاجتماعي وبين سلوكيات التخلف التي تسود المجتمع وفق اسلوب ممنهج أفردت له تلك الاحزاب عشرات الفضائيات والصحف ومراكز الدراسات وآلاف الصفحات والمواقع الالكترونية.

بدأ الأمر استجابة لحملة اللقاحات التي استطاعت الافلات بشق الانفس من الخطاب الشعبوي الذي أحاطها بحزمة من الخرافات التي لم تصمد طويلا أمام الخطاب العلمي النخبوي بضرورة أخذ جرعتي اللقاح ضد وباء كورونا. وبعون نبيل من أحد الزملاء الاعلاميين تم الحجز لي ولعائلتي بأخذ الجرعة الاولى من لقاح فايزر في المركزالصحي للضباط ضمن منطقة زيونة (لانه الافضل تنظيميا والانظف بين المراكز الاخرى) على حد تعبير الزميل العزيز.

في ساعة مبكرة من الصباح حضرنا الى المركز الصحي عائلتي وأنا، وانضممنا الى كرنفال الهرج والمرج الذي غص به المركز بمشاركة المئات من المحتشدين أمام الغرف والقاعات ممنيّن النفس بالحصول على استمارة اللقاح. لكن صياح المنتسبين وزجرهم للناس يوشك ان يصل حد استخدام الهراوات وخراطيم المياه لتفريقهم وابعادهم عن المركز.

حصلت بشق الانفس على الاستمارات المحجوزة سلفا باسمائنا وبدأت رحلة الحصول على الفايروس، من خلال الزحام الكبير وعدم مراعات الشروط الصحية قبل الحصول على اللقاح، وسط أجواء حارة أقرب الى الحمّامات التركية منها الى قاعات مركز صحي، حيث أجهزة التبريد لا تعمل إلا داخل غرف وقاعات الكادرين الطبي والاداري، اما (أولاد الخايبة) فهم لا يستحقون التبريد ولا المهافيف حتى.

جار الموت

بعد تدوين المعلومات المطلوبة في الاستمارة، عليك ان تقف بطابور طويل متلاصق للعرض على طبيبة تحتل غرفة صغيرة وتقوم بمراجعة الاستمارة ومتابعة تلقيح الاطفال في ذات الوقت. الغريب ان الطبيبة لا تقوم بأي دور سوى إعادة قراءة ما دونته انت نفسك في استمارة اللقاح، والاغرب ان الغرفة والطابور مجاوران لغرفة وطابور آخر مختص بأخذ مسحة الوباء، ومعروف ان هذه الخطوة لا تُجرى الا لمن تظهر عليهم أعراض الوباء، ما يعني انك طيلة فترة مكوثك في طابور العرض على الطبيبة ستكون جارا لصيقا للمصابين أو للمشتبه باصابتهم بالوباء.

معالي السيد البواب

المرحلة الثانية والأكثر معاناة تبدأ بتسليم الاستمارات الى معالي السيد البواب الذي يقف على باب مدخل تنظيم بطاقة اللقاح وأخذ الجرعة. معاليه له معايير خاصة بتقديم وتأخير الاسماء المرشحة لنيل جائزة اللقاح، الظاهر منها هوالواسطات التي تبدأ بادعاء المنتسبين للوزارة، وتأتي قبلها ابتسامة من صبية جميلة وتنتهي بما خفي وهو الأخطر والأهم، ورغم كل ذلك، فان معاليه يستهزء بمن يهدده باللجوء الى مديرة المركز لانه، على ما يبدو، يمثل مركز قوّة في المركز الصحي.

سلمت معاليه استماراتنا الأربع ووضعها نهاية كدس الاستمارات الذي بين يديه، وهو إجراء عادل في مظهره، وبعد مرور نحو ساعة من الانتظار في جحيم الحر وسط الطوفان البشري، نادى باسمي بطريقة المنادي في المحاكم المصرية. وكان من الطبيعي، بالنسبة لي ووفق منطق كدس الاستمارات الذي بين يديه، ان ينادي بأسماء بقية أفراد عائلتي، لكنه قفز الى أسماء أخرى وسط دهشتي واعتراضي من عدم وجود بقية استمارات العائلة. وتحت ضغط توسلات الطابور البشري دخلت باب الطلسم وحدي بانتظار أن يشمل معالي السيد البواب عائلتي بعطفه الابوي في وقت لاحق.

المفاجأة التي تصل حد الصدمة، ان اللقاح وهو هدف هذه الرحلة الشاقة التي استغرقت أكثر من ثلاث ساعات وسط هذا الجو الخانق التي تحلق في أجوائه الفايروسات بكل جذل، لم يستغرق الا دقيقة واحدة توزعت بين شابتين كتبتا بطاقة اللقاح بأقل من دقيقة، توجتْها شابة بملامح سماوية حقنت اللقاح بكتفي بأقل من عشر ثواني. الأمر الذي يثير أسئلة جوهرية حول الجدوى من هذه البيروقراطية المقيتة التي تغطي فيها سذاجة وسماجة صاحب المعالي البواب على العمل الحقيقي لبطلات الجيش الابيض في المركز المذكور وربما في مراكز التلقيح الاخرى.

نتيجة هذه الفوضى التي تعم واحد من أفضل وأنظف المراكز الصحية في بغداد، وفقا لمقياس تراكم النفايات، فان اللقاحات التي حصلنا عليها بشق الانفس انا وزوجتي وابنتي وابني أُرفقت بهدية (قيّمة) من بيروقراطية وفساد معالي السيد البواب وهي عبارة عن اصابة ابنتي (30سنة) وابني (20 سنة) بعدوى الفايروس، ولكم ان تتخيلوا صعوبة الاصابة المرافقة للتلقيح بهذه الاعمار.

انا لا ادعو هنا، وبأي شكل من الاشكال، الى الامتناع عن أخذ اللقاح، لكنني ادعو، وبالحاح، الى إعادة تنظيم العمل في مراكز التلقيح بما يضمن انسيابية في إعطاء اللقاح كما هو الحال في جميع بلدان الارض، وإبعاد معالي السيد البواب وأمثاله عن طريق تقديم الخدمة للمواطنين في جميع الدوائر الخدمية، وحماية المدراء والمسؤولين في هذه الدوائر من تهديدات معالي السيد البواب وأمثاله، لان هؤلاء غالبا ما يحتمون بميليشيات أو فصائل مسلحة تكون ضامنة لهم من أي عقوبة، بل وتقوم في بعض الاحيان بعقوبة، أوالتهديد بعقوبة المدير أو المسؤول في تلك الدوائر الخدمية لانه (إحتّك)، مجرد احتكاك اداري، بمعالي السيد البواب وأمثاله.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
715متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مليارات الدولارات المنهوبة لن يستردها مؤتمر!

برغم الكلمات الجميلة والمتفائلة التي القيت في مؤتمر استرداد الاموال المنهوبة المنعقد في بغداد يوم الاربعاء الماضي ،الا ان الواقع السياسي في العراق ،المتصدر...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المبشرون بالعراق الجديد

صحفٌ وفضائيات ومواقع إنترنيت معينة، حكومية عربية في أغلبها، تخوض في الشأن العراقي، بحسن نية أو بدونه، وتبشر بولادة عراق جديد في أعقاب الانتخابات...

الانتخابات العراقية (المُسَكِرة) وليست (المبكرة) هي استهزاء بعقول العراقيين

هناك مثل يقول (شر البلية ما يضحك) ولا يوجد شيء ينطبق عليه هذا المثل كما ينطبق على ما يسمونه بالانتخابات العراقية فمن الغباء ان...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

انتخابات بطعم الليمون

في كل مرحله انتخابيه تظهر لنا دعايات انتخابيه للمرشحين غريبه من نوعها وربما نادرة بعض الشيء فبعد موضوع البطانيات وتوزيع التلفزيونات والغسالات تظهر في...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

عن شبهات التزوير المتوّقع أتحدث

إلى المفوضية المستقلّة العليا للنتخابات .. مجلس القضاء الأعلى .. ممثل الأمين العام للأمم المتحدّة في العراق .. الرأي العام والشعب العراقي .. لا شّك...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

منفعة الاخرخير

لانبالغ اذاماقلنا ان حياة المرءمرهونة بمايقدمه للاخرين من منافع ولعلنا ونحن نسترشد بالهدي النبوي الشريف الذي يؤكدان خيرالناس انفعهم للناس نكون بهذاالهدي النبوي الرباني...