الخميس 28 أكتوبر 2021
25 C
بغداد

البرية ودرب الضعون والبايسكل.. في ذاكرة أيام زمان

ذكرني الشيخ الأديب ضياء الگراف، سليل القيافة والعرافة والتراث، بدرب الضعون، بعتابة مؤثرة من نظمه، أرسلها لي صباح ذات يوم يقول فيها :
بدرب الضعون ساير تعبت جداماي
عساني افرح إبلاماهم وجد ماي
يلولا الشالوا ألگاهم جدّاماي
ما ونيت من ذاري السنى

فقد هيج اشجاني بهذه العتابة المؤثرة حقا.. ودفعني لاستذكار ربوع ديرتنا .. ونيسم درب الضعون أيام زمان.. الذي يمر من خلال تلك الربوع بمحاذاة أرضنا إلى قرى الجزيرة المتاخمة لها.. يوم كان الضاعنون يسلكونه في ترحالهم، وكنا نسلكه أيام رعي الأغنام والحملان، ويوم الحصاد، ونقل القش .. مما حملني على اعتلاء البايسكل لأول مرة، بعد أن تركته منذ أكثر من نصف قرن.. لأجوب به مجدداً تلك الربوع .. مستذكرا كيف اشترى لي والدي رحمه الله تعالى بايسكل في ذات يوم من أيام صيف اوائل ستينات القرن الماضي… بعد أن نجحت بتفوق من الابتدائية إلى المتوسطة..

وقد جاء به يدحرجه لمسافة طويلة مشيا على القدمين.. حيث لم يكن يعرف قيادة الدراجة .. حتى وصل به بيتنا .. حيث وصلني نبأ شرائه وأنا عند أعمامي في قرية أخرى ..إذ كنت قد عدت للتو من أرضنا درب الضعون بمعية أبناء عمي ..حيث كنا ننتظر حصاد الزرع بماكنة الحصاد يومذاك.. في حين كانت العمة زوجة عمي الأم الكبرى للجميع.. تحمل على ظهرها بعباءة الصوف ماحصدت من سنابل قمح الحنطة ..حيث اعتادت العمة أن تحصد ضغثا من جديد زرع كل موسم.. وتدق السنابل بالعصا.. وتذريها وتسردها بالغربال.. وتطحنها بالرحى بيدها.. وتعجن الطحين وتخبزه على تنور الطين.. بوقود حطب الشوك وبعر الغنم.. لتقدم لنا خبز التنور الحار مع زبدة الغنم.. في وجبة غذاء لذيذة من طعام طري نقي.. خالي من المنكهات والمواد الكيماوية..التي افسدت اذواقنا..واورثتنا شتى الأمراض المزمنة.

لقد كدت أطير ساعتها من الفرح..وازدحمت في مخيلتي صور تلك الدراجة الجميلة.. وكيف سأستخدمها.. فقد كان تملك البايسكل حدثا غريباً يومذاك .. فهرعت مهرولا عائدا إلى أهلي .. لأجد البايسكل مسندا على جدار دام الطين.. وقفزت عليه بسرعة وبنشوة عارمة وسرور غامر وأنا لا أكاد أصدق .. لأعود ادراجي على الفور إلى أبناء عمومتي، وأنا اقود دراجتي مزهوا بها.. والفرحة تغمرني بشكل لا يوصف ..حيث شاركوني فرحتي بكل صدق حال وصولي إليهم .. ومن ساعتها اعتدت اردافهم على الدراجة.. مثنى مثنى بالتبادل..

جميلة حقاً هي العتابة، وخاصة تلك التي تستفز الوجدان، إذ تحفزنا لاستذكار حقبة حياة ريفية وديعة وعفوية.. خالية من صخب وتداعيات ضجيج عصرنة اليوم .. التي جففت في مخيالنا كل مشاعر الحس المرهف.. وافقدتنا راحة بال أيام زمان.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
746متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أريد اعادة احتساب عمري لإزالة أثر التضخم !!

في الاقتصاد، التضخم يعني الارتفاع المضطرد في اسعار السلع والخدمات. تصبح القوة الشرائية لوحدة النقد أقل من السابق ،ونفس السلعة او الخدمة يصبح سعرها أعلى...

الطعون الانتخابية والشفافية المطلوبة

ان الشفافية في إجراءات وقرارات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تعد من اهم الأسباب الموجبة لإنشاء المفوضية وصدور قانونها وعلى وفق ما ورد في الأسباب...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

وزير الثقافة العراقي وثقافة المهرجانات

لقد انشأ ( مائير روتشيلد ) مجموعة قواعد عملية ، سار عليها الذين أتوا بعده ، وانتفعوا بها . ويمكن إجمالها بالاتي : - انّ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حلم الفقراء في ارض سماءها سوداء

لو سألنا نفسنا ماذا تحقق للعراقيين من مكاسب اقتصادية وديمقراطية بعد عام 2003 ؟ جميع مشاعر الناس بل أكثر الناس تنازلت عن كل الأحلام...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كربلاء برؤية جديدة / ح 4

من كتب التاريخ أسماءهم وترجمة حياتهم ....هذه النقطة مهمة جدا , فمن كتب التاريخ , وما هي الجهات التي رعت الكتابة , وأنا اعني الكتب...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الشمس في عامها الثالث

تحية لثورة تشرين، التي دشنت يوم أمس 25 أكتوبر عامها الثالث. تحية لها لأنها مثلت أعظم ثورة شعبية في تاريخ العراق القديم والحديث. فثورة...