الجمعة 29 أكتوبر 2021
25 C
بغداد

الحياة في مهب الأقفاص

بعد مخاض مرير من الكلام والسنين رزقه الرب بمولوده الأول، أسماه سلام نكاية بواقع مسقط رأسه، أخذ يكبر أمامه يراقبه يوميًا وهو يزهر، كان يخاف عليه حتى من أنظار الرصيف لا الناس، ذات يوم بينما هو عائد من عمله وجد زوجته تلاعبه وتغني له (دلول يبني دلول) تأمل هذه اللحظة الحميمية التي تنصهر فيها اللغة والتلقي ببودقة صوت الأم، الصوت الذي لايزال يرن في أذنه من أقصى لحظة القماط للآن، عصي على السكوت، ظلٌ لروح حجبت الموت.

كبر الطفل وأصبح بعمر مشي الخطوة الأولى، حيث أكتشاف الإستقامة المعبرة عن أول رجات الانحراف، صار يدرك شيئًا فشيء العالم، تاركًا خلفه مراحل الحبو و (الحجلة).

في غمار ذلك كان الأب يركض خلف لقمة العيش حيث الاستمرارية بلا انقطاع، في زمن تمخض عن معناه حتى أصبح مجرد منفعة خالية من أي غائية، مع ذلك بقي وفيًا لعنايته وهو يرقب ابنه يشق طريقه لحيث الصخر العصي على الفتح.

ابتهج بنتائجه في المدرسة وكان يفخر فيه أيما افتخار بين أصحابه، كان متفوقًا للدرجة التي تبعث على الحسد، لذلك كانت أمه تقيم بشكل مستمر طقوس (الحرمل) وتضع حوله هالة من الدعوات المتينة التي تبقيه بعيدًا عن كل الشرور.

ذات يوم أخبر والده بأن يصحبه لمكان لكي يتنزها سوية، وافق أبيه على ذلك متجاوزًا صرامته المعتادة في هذا الأمر، أخذه لحديقة الحيوانات لمشاهدتها استجابة لطلبه، رأى الأسد واستشعر تضور رأسه للتاج، شاهد الذئب وهو لايزال يترافع في قضية ليلى دون إن يدرك إن التهمة لصيقة الكلام لا البرهان، قفز مع القرد المبتهج على رمي المارة،
كان يتنقل بين أقفاصها باندهاشٍ تام غير آبهٍ حتى لوالده الذي شغلته ملامحه السعيدة.
في خضم ذلك كانت إحدى الأقفاص مفتوحة
دون أن ينتبه العاملون لذلك، كان آخرها والذي لم يصله سلام بعد، سلام الذي أستمد الثقة من انقضاء الوقت وهو يشاهد الحيوانات، لدرجة إن يقترب منها وصولًا لمسك القفص بيديه، وأبيه هو الأخر الذي انتقلت إليه هذه العدوى لم يبدي أعتراضًا على ذلك، أخذا يقتربان منه، وحينما وصلاه حصل ما كان بالحسبان لكنه غاب بلحظة عاطفة مميتة، وجداه فارغا.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
746متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

جمال العتابي ينظر الى الوراء مقهقها!

خرّج المعلم حسن العتابي، خلايا شيوعية، في مجملها تشكل منظمة محلية بمقاييس أربعينيات القرن الماضي. المعلم المثقف، أنجبت زوجته عشرة أبناء، كلهم خاضوا في المعرفة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كلب الست وسفير الفقراء

أن يعضَّ الكلب إنساناً ليس خبراً صحفياً بل العكس هو الخبر ! هكذا يدرسون الطلاب في الإعلام. لكنَّ الخبر الذي تداولته وسائل الإعلام المصرية كان...

مجزرتا المقدادية برسم الصراع على الكراسي !

ما أن يرتفع ضجيج الصراع السياسي على الكراسي والمغانم ولي الاذرع حتى يرتفع ضجيج جعجعة البنادق وازيز الرصاص ليسيل دم الابرياء في مشاهد اعتدناها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الدولة العلمية والثورة- ج2-3

الودائع الخمسة للاجيال القادمة ليست كل اهداف الدولة العلمية يمكن تحقيقها بسرعة او بنطاق زمني محدد, فبعض تلك الاهداف لايمكن تحقيقها بسهولة بسبب عظم التحديات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نحو إصلاح الأمة والذات

كم من الترهلات يتلقاها الإنسان في رحلة حياته معلومات تعبر عن فهم ناقليها وتنشئ نمط الحياة في العائلة وربما البيئة لمدينة أو قضاء أو...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الفساد في العراق … مرض متجذر في العروق

بعد محاولات مستفيظة ومتعددة وبنية صادقة في معرفة ما كان يجري في الأيام الماضية بغية الاستفادة منها واخذ الدروس والعبر والوقوف على اهم الامراض...