النقاش الجدلي وارتباطه بنجاح الفرد

اعتاد الانسان منذ بدء تحسين واقعه الادراكي وتحوله من كونه بشرا الى انسان عند هبوط آدم الى أرضنا هذه ، على كونه اجتماعيا أي بمعنى انه لا يستطيع المعيشة بمفرده ، وان مشاركة الاخرين بكل شيء ، يعد اساسا لا نقاش فيه في حياته.

الواقع الاجتماعي للانسان دفع به ومنذ عصور مضت الى مشاركة الافكار او ما يؤمن به مع اقرانه او آخرين يمتازون بالقرب منه ، والاستئناس بالاراء المختلفة لهؤلاء الناس وربما تبني بعض الافكار التي يؤمنون بها او الخروج بمشتركات فكرية متعلقة بموضوع ما يشغل اهتمامهم جميعا.

ان حالة النقاش مع الآخرين لم تكن وليدة لحظة زمانية محددة ، إنما هي من غرائز الانسان البديهية وكون اهميتها تنطلق من احتمالية تأثيرها بالايجاب او السلب على الانسان ، ارتأينا ان نوضح خطورة التأثير السلبي لهذه الحالة ، وكيفية السيطرة عليها لتكون منطلقا ايجابيا في حياة الفرد.

ما تقدم يشير الى ضرورة التحكم ببوصلة هذه الحالة وعدم الانجرار وراء فوضويتها ، لان الفوضوية ستقود بنا الى تشعب يؤدي في نهاية المطاف الى تشتت الفكرة المراد تطويرها من قبل الفرد ، وصولا الى تشوه كامل في المعطيات المعلوماتية ، فكيف لنا أن نتحكم بتلك البوصلة ونجعلها بالشكل المطلوب الذي نطمح إليه والمراد منه تطوير الخزين المعلوماتي لدينا ؟

الجواب ان الاشخاص الذين نختارهم لمناقشة اي من الموضوعات سواء الدينية او العلمية او التربوية او الثقافية او الاقتصادية الى آخره من الجوانب التي تهم الانسانية ، لا بد لهم ان يكونوا متشاركين ولو بالحد الادنى من الادراك مع الشخص المعني ، أي بمعنى ان يكونوا من مستوى منهجي علمي متقارب اذا لم يكن موحدا ، ليكون تبادل الاراء والمعلومات تطويريا للاشخاص كافة ، ويسير بشكل مستوي متوازٍ ، اما العكس فإنه سيؤدي بنا الى تقاطع في المعلومات والاراء ، ما يؤدي حتما الى الصدام او الوصول الى مرحلة لا يمكن عندها الوصول الى نقطة التقاء ، فيتولد لاحقا تقاطع تام في المعلومة وتشوه في القناعات المتبناة لدى أي من الاطراف التي شاركت في هذا النقاش.

وعليه وبناءً على الايضاحات السابقة ، فإن علينا السيطرة على أي من النقاشات المحتدمة او المعتدلة في أي من المجموعات وعدم السماح له بالتطور الى درجة النقاش المعلوماتي ، إلا بعد توفر المعايير سالفة الذكر تجنبا للسقوط في الثغرات التي تحدثنا عنها والتي ربما تتطور لاحقا لتكون سببا لقطيعة او سوء فهم او مشكلات بين افراد ينتمون لمجتمع واحد سواء كان في العمل او الاسرة او العشيرة او الاصدقاء وجعل أي حديث مختلف الرؤى بين تلك المجموعات لا يخرج عن كونه تبادلا للاراء والمعلومات دون نقاش ، وحصر هذا الاخير مع من تنطبق عليهم شروطه.

ربما يتهمنا بعض القراء بأننا قد نكون تحدثنا بتعصب او مبالغة في هذا السياق ، إلا ان الحقيقة تبتعد عن ذلك كليا ، فما خوضنا بهذا الحديث وبهذه الصراحة الا لشعورنا بجسامة وخطورة هذه القضية الحساسة ، والتي تشكل عاملا اساسيا لتطور المجتمعات او انهيارها.

واذا ما تركنا جانبا مخاطر وعيوب النقاش في حالة التباعد الاداركي بين الافراد الخائضين له ، ومن باب الانصاف المعلوماتي ، فلا بد من التذكير بأن الجانب الايجابي لهذه الحالة يمثل ذروة الرقي الانساني في التطور الذاتي ، أي بمعنى أن شروط ذلك النقاش لو توفرت بمجموعة من الافراد ستنتقل بالفرد من حالة ادراكية الى أخرى أعلى شأنا ممزوجة بين المؤهلات الذاتية والتجارب المجتمعية للنظراء ، فتخلق انسانا تكامليا في جانب اجتماعي معين يمكن الاعتماد عليه ليكون انموذجا في هذا الاختصاص.

اذن فنحن امام انموذجين للفرد احدهما يستخدم النقاش للوصول الى الحالة الادراكية التكاملية ، وآخر يستخدمه للوصول الى التشتت الذهني المصحوب بالمشكلات الاجتماعية نتيجة لتقاطع غير مبرر مع شركاء مجتمعيين له ، ونحن ووفق هاتين النتيجتين سنحدد مصير او مستقبل ذلك الفرد والحكم عليه بأنه ناجح او فاشل في اختصاص ما او بشكل عام ، وذلك عبر تحديد آليات النقاش الذي يخوضه ضمن تجمعاته الانسانية المختلفة.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
720متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تحالف من طراز خاص بين ليبرالّيً روسيا والشيوعيين!

أفرزت الانتخابات البرلمانية الروسية الأخيرة،تحالفات غير مألوفة، بين قوى المعارضة الرسمية، وتيارات سياسية، تسعى لدخول البرلمان تحت شعار مكافحة الفساد، وتصف حزب السلطة "...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أقنعة إنتخابية فاقعة

تقترب الانتخابات البرلمانية في العراق، وتتصاعد حدة المنافسات بين المرشحين، للفوز بمقعد هناك،وتباينت طرق الدعايات الانتخابية،وإختلفت عن سابقتها، ففي الدورة السابقة،كان المرشحون يوزعون،مسدسات وبطانيات...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نحن و فيكتور هيجو

منذُ زمنٍ بعيد , فمن غير المعروف لماذا يجري في اللغة العربية , كتابة أسم هذا الروائي الشهير " كما في اعلاه " ,...

إلى الرئاسات المحترمات … مسؤولية التغيير بالإصلاحات

القسم التاسع بتأريخ 29/8/2021 كررت إقامة الدعوى بشأن تصحيح الخطأ المادي ، بصيغة ( المدعى عليه / قرار السيد قاض محكمة بداءة الأعظمية إضافة لوظيفته...

وجه الزعيم ودورة القمر

(صفحات مجتزئة من عمل سردي طويل) على نحو مفاجىء وعلى غير عادته، توارى حميد الخياط عن الأنظار وليس له من أثر يُذكر ولبضعة أيام. وعلى...

في حــــــب نجيب محفوظ في ذكرى وفاتــــــــــــــه

فن الرواية مدين لنجيب محفوظ فهو بلزاك الرواية العربية لا يختلف على ذلك اثنان من النقاد ويمكن اعتبار كتابات الرواد أمثال العقاد، طه حسين،...