حرف الأنظار أمرٌ من المحال !

تتابعت المحاولات المشبوهة الرامية إلى حرف الأنظار عن المشاكل الحقيقية التي تعاني منها البلاد المتمثلة بأزمة الحكم والنظام, والانفصام المصيري بين عموم أبناء الشعب وطموحاتهم وأساطين المحاصصة الطائفية – العرقية ونهجها التدميري, وذلك بإعادة إحياء جدث الفرقة الطائفية والفئوية التي قبرتها انتفاضة تشرين المجيدة وإطلاق زومبي الطائفية, من جديد, بدعوات تفجير تمثال باني بغداد الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور او تهديم مرقد مؤسس ” المذهب الحنفي ” الإمام أبي حنيفة النعمان قرين وصديق امام الشيعة موسى بن جعفر, اللذين تعرضا كليهما لجور الخليفة العباسي.

هذه الشراذم ليست بلا آباء بل هي مدفوعة من جهات متنفذة في السلطة لا تجرأ اليوم التصريح, علناً, بحنينها إلى أيام الاقتتال الطائفي التي تؤمن لها بيئة مثلى لابتلاع صناديق الانتخاب والانفراد بالسلطة و الاستفراد بالشعب وابناءه المنتفضين.
يتفق متابعون لما يجري بأنه محاولة لوضع العصا في عجلات أي تغيير قادم.

يشير بعض المهمومين بقضايا التغيير بأننا لسنا بحاجة إلى ” ثورة جياع ” كما انتفاضات ” الربيع العربي ” بل إلى ” ثورة فكر “, كما انتفاضة طلاب باريس عام 1968 والتي اكتسحت أوروبا وبلدان أخرى في العالم.
الحقيقة أن ظروف الواقع والصراع الدائر ومسار الأحداث هي التي تحدد طبيعة التوجه وهي ليست مسألة رغبوية وإنما تؤثر بها عوامل متعددة.
عموماً صعوبة الظروف المعيشية وارتفاع مستويات الفقر وشمولها شرائح لم تكن تندرج تحت خطوطها توفر ظروفاً ملائمة لثورة جياع.
انتفاضة تشرين جمعت بشكل او بآخر ” ثورة الجياع ” ب ” ثورة الفكر ” ولهذا كان شعار ” نريد وطن ” جامعاً متضمناً مطامح الجميع.

وبعد تجربة الانتفاضة وما أحاطها من قمع همجي, فاحتمالات اندلاع ثورة شعبية قائمة, حيث تتوفر ظروفها وتجد مقوماتها في مظاهر انقسامات في الطغمة الحاكمة وتعمق التمايز الطبقي بين فئات المجتمع العراقي واحتدام الصراع بين قلة مستذئبة تستأثر بثروات البلاد واكثرية شعبية غارقة في الأزمات والمشاكل من حيث انتشار البطالة وتردي الأوضاع المعيشية لعموم المواطنين من طبقات المجتمع وشرائحه المسحوقة وخريجي الجامعات, وتتوسع لتشمل نخب فكرية واقتصادية وفنية, تمنع من تقديم إبداعاتها لعامة الناس لرفع مستواهم المعيشي والثقافي وذائقتهم وتشذيب طبائعهم التي شوهتها حروب وقمع الدكتاتور السابق وكذلك ورثته الحاليين الذين أضافوا لها مما في جعبتهم من بهارات تفرقة طائفية وعرقية ومناطقية.
وهنا تبرز الحاجة إلى تثبيت المفاهيم !

” أعرف أن هناك من يصاب بالذعر عندما يُذكر اسم كارل ماركس “, بيد ان تصنيفه للثورات لازال راهناً وصائباً : ” أن كل ثورة تلغي المجتمع القديم هي ثورة اجتماعية, وكل ثورة تلغي السلطة القديمة هي ثورة سياسية “.
وبينما تتجمع الشروط والظروف الموضوعية للثورة, كما أسلفت, وتتبلور وتتضافر وتنضج, فأن الظروف الذاتية لقيامها, المتمثلة بتراص الصفوف ووحدة الرؤى وتوفر قيادة قادرة على إدارة الصراع وتحظى باتفاق واسع, لازالت متعثرة.
لذا فإن محاولات العودة إلى ماضي الصراع الطائفي مستمرة لعرقلة الوصول إلى أيٍ من شكلي الثورة التي أشار لهما ماركس.

في حقيقة الأمر تمتلك الحكومة السلاح القانوني لمحاصرة هذه النزعات التخريبية, حيث منع الدستور إثارة النزاعات الطائفية وصنفها باعتبارها شكل من أشكال الإرهاب ( المادة 7 – أولاً وثانياً )* كما فصّل ( قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 )* في بنوده ما يعتبره ارهاباً, ومنها الدعوة إلى التفرقة الطائفية… الذي يُعد شكلاً من أشكال الإرهاب .

السلطات الرسمية التي تداري خوفها وجزعها بالادعاء في أحيان كثيرة بأن قتلة شباب العراق جهات مجهولة, ربما هم نفر من الجن لأنها عجزت عن أن تجمع آثاراً لجرائمهم سوى أجساد أكثر من 700 شهيد وعشرات آلاف الجرحى والمئات من المختطفين والمغيبين, سمتها واعلام القتلة بالطرف الثالث ( الذي حل المواطن لغزه منذ الأول لارتكابهم الجريمة ) .

تشرينيو 2019 أسقطوا قدسية الفاسدين وعرّوا حقيقتهم المرآئية و أطاحوا بالطائفية في ضربة نجلاء تضامنية, رغم فداحة تضحياتهم.
تشرينيو آيار 2021 جعلوا القتلة يكشفون عن وجوههم للعلن بمحض إرادتهم بعد اعتقال أحد منتسبيهم المتهم بقتل ثوار وناشطي كربلاء في استعراض تحدي لهيبة الدولة ولسلام المجتمع.
وكذلك الأمر بالنسبة للمشاغبين الطائفيين, فإن مجرد اعتقال فرد منهم حتى تسفر الجهة التي تقف ورائهم, بكل غباء, عن وجهها وهويتها برد فعل متهور, ويسهل التعامل بعدها معهم قضائياً.

أعلنتها قوى التغيير جلياً, بدون توفير أرضية مناسبة لإجراء انتخابات حرة وبدون الكشف عن قتلة ابناء العراق وإنهاء ملف السلاح السائب والمال السياسي المنهوب, لا يمر أمر !

والليالي من الزمانِ حُبالى….

*https://www.constituteproject.org/constitution/Iraq_2005.pdf?lang=ar دستور العراق الصادر عام 2005

*http://iraqld.hjc.iq/LoadLawBook.aspx?SC=290320067056983 قانون مكافحة الأرهاب رقم 13 لسنة 2005

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
725متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايقونة الاحزاب الاسلامية والمرجعية

اكثر من يكتب عن هذه الايقونة هم منظرو الاحزاب الاسلامية وخصوصا في ايران وبالاخص الاكثر الاستاذ عادل رؤوف والاستاذ مختار الاسدي ، وحسنا يفعلون...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الأصوليات الإسلامية والمسيحية واليهودية والصراع بين الديمقراطيين والثيوقراطيين؟

منذ انهيار جدار برلين ساد الاعتقاد بنهاية عصر الأيديولوجيات، باعتبار الزمن قد تجاوز معركة الصراع بين الرأسماليين والشيوعيين. لكن الصدام والصراع أصبح أكثر شراسة...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مؤتمر التطبيع وحبل الكذب القصير!

يوم الجمعة الرابع والعشرون من أيلول/سبتمبر عقد مؤتمر نظمه "مركز اتصالات السلام" والذي سيشتهر بمؤتمر أربيل للتطبيع لانعقادة في عاصمة الإقليم، وتحت شعار ملفت...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البرلمان العراقي وفقدان بوصلة الانتماء الوطني

عقم عطاء مجلس النواب العراقي الحالي والتي تقتضي الانشغال بالقضايا الرئيسية للأمة وبذل الجهد للدفاع عنها في كافة المحافل الوطنية والدولية، وهو ما لا...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ليس هناك مايغير الاوضاع في إيران لصالح النظام

بعد مرور أربعة عقود بالتمام والکمال على تأسيس نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية وبعد ماقد طرأ من تغيير إنکماشي غير عادي على هذا النظام والذي...

اقليم كردستان …. من امن العقاب ؟

كلنا يعلم ويعرف ان شمال العراق الذي يسمى اليوم بقليم كردستان لم ولن يكن يوما من الايام في حاضنة الحكومة المركزية في بغداد فمنذ...