الخميس 05 آب/أغسطس 2021

العلاقات المغربية الإسبانية على صفيح ساخن

الخميس 17 حزيران/يونيو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بات من المؤكد أن العلاقات المغربية الإسبانية تجتاز اليوم مرحلة عصيبة بعدما اختارت حكومة الائتلاف التي يقودها كل من الحزب العمالي الاشتراكي الإسباني بقيادة بيدرو سانشيز وحزب َبوديموس اليساري الراديكالي بزعامة بابلو إغليسياس، ليس فقط الدفاع على قرار استقبال زعيم البوليساريو، إبراهيم غالي بجواز سفر وهوية مزورين، ولكن أيضا استدعاء السفيرة المغربية في العاصمة مدريد وتجديد تمسكها ودفاعها عن استقبال غالي تحت ذريعة “أسباب استشفائية إنسانية”.
بل إن الخرجات الإعلامية خاصة لزعيم حزب بوديموس PODEMOS، بابلو إغليسياس PABLO IGLESIAS، المعروف بعدائه الشديد لوحدة المغرب الترابية تصب كلها في اتجاه واحد وهو التحيز الصريح والمعلن لـ”جبهة البوليساريو”، دون مراعاة أو اعتبار للموقف الرسمي لمملكة إسبانيا، التي تتخبط هي الأخرى ومند عقود خلت في أزمة ترابية مماثلة تقض مضجعها وتعطل مسارها التنموي، والإشارة هنا إلى إقليم كاتالونيا الذي يطالب بالإنفصال وإنشاء جمهورية مستقلة عاصمتها برشلونة.

بيان شديد اللهجة
بدأت القضية بولوج زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، وفي غفلة من الجميع التراب الإسباني على متن طائرة رئاسية جزائرية، وذلك على الرغم من متابعته من قبل القضاء الإسباني بـ”جرائم ضد الإنسانية وعمليات اختطاف وتعذيب”، وهو ما جعل الدبلوماسية المغربية تتحرك وتندد على لسان وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في بيان شديد اللهجة أصدرته يوم 31 ماي/ أيار، بهذه التجاوزات القانونية.
وجاء في بيانها “إن جوهر الأزمة المغربية- الإسبانية، هو مسألة دوافع خفية لإسبانيا معادية لقضية الصحراء، القضية المقدسة لدى الشعب المغربي قاطبة”، مبينة أن جوهر المشكل هو مسألة ثقة تم تقويضها بين شريكين، وأضاف البيان أن “الأزمة ليست مرتبطة بحالة شخص، إنها لا تبدأ بوصوله مثلما لن تنتهي بمغادرته، إنها وقبل كل شيء قصة ثقة واحترام متبادل تم الإخلال بهما بين المغرب واسبانيا، إنها اختبار لموثوقية الشراكة بين المغرب واسبانيا”.
وسجلت الوزارة في بيانها أنه إذا كانت الأزمة بين المغرب وإسبانيا لا يمكن أن تنتهي بدون مثول المدعو غالي أمام القضاء، فإنها لا يمكن أن تحل بمجرد الاستماع له، مشيرة إلى أن الإنتظارات المشروعة للمغرب تتجاوز ذلك، فهي تبدأ بتقديم توضيح لا لبس فيه من قبل إسبانيا لخياراتها وقراراتها ومواقفها.
وذكرت أنه بالنسبة للمغرب، فإن المدعو غالي ليس سوى صورة لـ”البوليساريو”، موضحة أن الطريقة التي دخل بها إلى إسبانيا، بجواز سفر مزور وهوية جزائرية منتحلة وعلى متن طائرة رئاسية جزائرية، تمس حتى بروح هذه الميليشيا الانفصالية.
وأكد بيان الوزارة، أنه بعيدا عن حالة المدعو غالي، “فقد كشفت هذه القضية عن مواقف إسبانيا العدائية واستراتيجياتها المسيئة تجاه قضية الصحراء المغربية، وأظهرت تواطؤات جارنا الشمالي مع خصوم المملكة من أجل المساس بالوحدة الترابية للمغرب”، وطرح في هذا الإطار مجموعة من التساؤلات من قبيل “كيف يمكن للمغرب في هذا السياق أن يثق مرة أخرى بإسبانيا؟ كيف سنعرف أن إسبانيا لن تتآمر من جديد مع أعداء المملكة؟ هل يمكن للمغرب أن يعول حقا على إسبانيا كي لا تتصرف من وراء ظهره؟ كيف يمكن استعادة الثقة بعد خطأ جسيم من هذا القبيل؟ ما هي ضمانات الموثوقية التي يتوفر عليها المغرب حتى الآن ؟ في الواقع، هذا يحيل إلى طرح السؤال الأساسي التالي: ما الذي تريده إسبانيا حقا ؟”.
وأشار البيان إلى أن هذه الأزمة تطرح أيضا مسألة الاتساق في المواقف، واعتبر أنه “لا يمكن أن تحارب الانفصال في بلدك وتشجعه في بلد جار لك”، مفيدا في هذا السياق، بأنه “مراعاة لهذا الاتساق إزاء نفسه أولا، ثم إزاء شركائه، لم يسبق للمغرب أن استغل مطلقا النزعة الانفصالية، لم يشجع عليها أبدا كورقة في علاقاته الدولية، وخاصة مع جيرانه”.
وسجلت وزارة الخارجية المغربية أن سياسة المغرب تجاه إسبانيا ظلت واضحة، فخلال الأزمة الكطلانية، لم يختر المغرب البقاء على الحياد، بل كان من أوائل من اصطفوا بوضوح، وبشكل صريح وقوي، إلى جانب الوحدة الترابية والوحدة الوطنية لجاره الشمالي، وتساءلت “يبقى السؤال مشروعا: ماذا كان سيكون رد فعل إسبانيا لو تم استقبال شخصية انفصالية إسبانية في القصر الملكي المغربي؟ كيف كان سيكون رد فعل إسبانيا إذا تم استقبال هذه الشخصية بصفة علنية ورسمية من قبل حليفها الاستراتيجي، وشريكها التجاري الهام، وأقرب جار جنوبي لها؟”.
وقبل ذلك كانت وزارة الخارجية المغربية قد استدعت السفير الإسباني لأجل التنديد والاستنكار، ثم استدعت وبالضبط يوم 18 ماي/أيار الماضي، لكن هذه المرة السفيرة المغربية، كريمة بنيعيش في مدريد للتشاور ردا على استدعاء مدريد في اليوم نفسه لهذه الأخيرة احتجاجا على حادث “الدخول الكثيف للمهاجرين إلى سبتة”، الجيب الإسباني على الساحل المغربي.

بين الأمس واليوم
وليست هذه هي المرة الأولى التي يصطدم فيها البلدان ديبوماسيا، فقد سبق أن اصطدما في ملف جزيرة ليلى المعروفة أيضا في المصادر العربية وفي التاريخ المغربي باسم (جزيرة تورة) إبان فترة الحكومة التي كان يقودها اليميني خوسي ماريا أثنار خلال العام 2002، كادت أن تنتهي بمواجهة عسكرية لولا تدخل الإدارة الأمريكية، التي أجبرت على الفور الجيش الإسباني على مغادرة الجزيرة.
غير أن مواجهة اليوم تختلف عن سابقتها سواء من حيث المعطيات أو من حيث السياقات السياسية، ذلك أن المغرب خلال اندلاع أزمة جزيرة ليلى كان لا يزال في بداياته الأولى يشق طريقه نحو خلق فضاء ديمقراطي وأجواء سياسية صالحة للإبداع والابتكار والاستثمار وللتحصيل العلمي، في حين أنه اليوم أصبح مستقرا سياسيا ومؤسساتيا، بعدما تمكن من تجاوز مرحلة الانتقال الديمقراطي.
ويزكي ذلك أن المغرب قد تحول في الأعوام القليلة الماضية إلى فاعل سياسي واقتصادي وأمني مهم ليس فقط على مستوى منطقة شمال إفريقيا، ولكن أيضا على مستوى منطقة المتوسط، ولذلك كانت مواقفه حاسمة وصارمة ضد أي انتهاك أو مساس بقضاياه الوطنية ومنها القضية المتعلقة بوحدته الترابية.
وفي هذا الصدد قال المحلل والخبير في العلاقات الدولية نوفل البعمري في تصريح صحفي: “مغرب اليوم ليس هو مغرب 2002، وإسبانيا اليوم ليست بالقوة التي كانت عليها أمس”، مبينا أن “أي تحرك دبلوماسي وسياسي بين البلدين محكوما بهذه التوازنات وهذه المتغيرات العميقة والكبيرة التي شهدها البلدان والمنطقتان ككل”.
لقد قطعت المملكة المغربية مع سنوات الخنوع والخضوع وسياسة الإملاءات، التي كانت تنهجها على حسابه الجارة الشمالية، فمغرب اليوم لم يعد يقبل الإهانة أو المساومة في قضاياه الوطنية وخاصة منها تلك المتعلقة بوحدته الترابية.

ارتباك دبلوماسي
إن الناظر والمتمعن في المسار السياسي والاقتصادي للمغرب خاصة في الفترة الأخيرة يدرك جيدا أن ثمة تحولات ملموسة طرأت في البلاد، وأن المغرب الجار الأقرب عربيا وإفريقيا لدول الاتحاد الأوروبي انتقل بالفعل إلى مرحلة جديدة من تاريخه، مرحلة البناء والتشييد والبحث عن حلفاء وشركاء اقتصاديين جدد في كل من الصين والاتحاد الإفريقي وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت أخيرا بمغربية الصحراء، بعيدا عن شركائه التقليديين والإشارة هنا إلى بعض دول الاتحاد الأوروبي وتحديدا إسبانيا.
لقد أزعج هذا التحول خاصة منه السياسي والاقتصادي، الحكومة الإسبانية و أغاضها، وجعلها ترتبك وتقترف أخطاء على مستوى آلتها الدبلوماسية، على رأسها خطيئة استقبال شخص مبحوث عنه قضائيا وزعيم ميليشيات مسلحة بوثائق ثبوتية مزورة لتضمن له الإفلات من العقاب والمتابعة الجنائية.
ويشهد لهذا الانزعاج والارتباك في السياسة الدبلوماسية الإسبانية أيضا، خطاب التباكي الذي تبدع حكومة بيدرو سانشيز في تمثيله من قبيل ما صرحت به نائبة الحكومة الإسبانية، كارمن كالفو من أن ما يحدث في سبتة “يتعلق باعتداء على الحدود الترابية لإسبانيا وتهديدا لأمن سكانها”، في إشارة لآلاف المهاجرين الذين دخلوا مدينة سبتة المحتلة بطريقة غير شرعية، وهو خطاب الهدف منه هو حشد أسماء وازنة في الاتحاد الأوروبي ضد المغرب على غرار البلجيكي شارل ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي، والإيطالي دافيد سوسولي، رئيس البرلمان الأوروبي، واليوناني مارغاريتس شينيس، نائب رئيس اللجنة الأوروبية، حيث صرح هذا الأخير أن “سبتة حدود أوروبية”.
لقد كان حريا بالحكومة الإسبانية وحتى تكون منسجمة مع نفسها، أن تختار الاصطفاف مع المغرب وذلك لثلاث اعتبارات يختصرها الباحث في مركز إفريقيا والشرق الأوسط للدراسات، الموساوي العجلاوي في العبارة التالية “إن ثلاثة ملفات رئيسية تجمع تعاون المغرب وإسبانيا وهي، أولا: ملف الهجرة، والذي لا يمكن للمغرب أن يستمر فيه في لعب دور حارس سبتة ومليلية المحتلتين أو “دركي لأوروبا” مقابل هزالة الدعم المادي في هذا الاتجاه، ثانيا: ملف التعاون الأمني والاستخباراتي، إذ بفضل يقظة الأجهزة الأمنية المغربية تجنبت إسبانيا حمامات دم، مما دفع العاهل الإسباني إلى توشيح عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، لمرتين متتاليتين، أما الملف الثالث في العلاقات بين الرباط ومدريد يظهر من خلال حضور إسبانيا كأول شريك تجاري للمغرب”.
عبدالرحمان الأشعاري

النوافذ

1ـ الخرجات الإعلامية خاصة لزعيم حزب بوديموس PODEMOS، بابلو إغليسياس PABLO IGLESIAS، المعروف بعدائه الشديد لوحدة المغرب الترابية تصب كلها في اتجاه واحد وهو التحيز الصريح والمعلن لـ”جبهة البوليساريو”.

2 ـ إن جوهر الأزمة المغربية- الإسبانية، هو مسألة دوافع خفية لإسبانيا معادية لقضية الصحراء، القضية المقدسة لدى الشعب المغربي قاطبة.

3 ـ بعيدا عن حالة المدعو غالي، “فقد كشفت هذه القضية عن مواقف إسبانيا العدائية واستراتيجياتها المسيئة تجاه قضية الصحراء المغربية.

4 ـ إن الناظر والمتمعن في المسار السياسي والاقتصادي للمغرب خاصة في الفترة الأخيرة يدرك جيدا أن ثمة تحولات ملموسة طرأت في البلاد.

5 ـ لقد أزعج هذا التحول خاصة منه السياسي والاقتصادي، الحكومة الإسبانية و أغاضها، وجعلها ترتبك وتقترف أخطاء على مستوى آلتها الدبلوماسية.




الكلمات المفتاحية
العلاقات المغربية الإسبانية صفيح ساخن عبدالرحمان الأشعاري

الانتقال السريع

النشرة البريدية