السبت 24 تموز/يوليو 2021

صدق أو لاتصدق وصلت الى أميركا بنصف دولار!

السبت 12 حزيران/يونيو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

تجربة الخروج من العراق يتم النظر اليها حسب الفروق الفردية للبشر وفي مقدمتها العلاقة مع المكان والحساسية أزاء الاحداث والناس وكيف تنظر الى موقعك في الوجود ، عادة معظم المهاجرين واللاجئين يحكمهم هدف ( القطيع ) وهو البحث عن المال والشعور بزهو رفاهية المكان ، وربط قيمة الشخص بحصوله الى الإقامة والجنسية في بلد آخر غير بلد المولد ، وهذا هدف غريزي مبتذل .. ولست مقتنعا بإدعاء العراقيين والعرب بمغادرت بلدانهم بحثا عن الحرية ، فالعربي من الأساس غير مؤمن بالحرية ولا يحترم الديمقراطية .

توجد نوعية آخرى من المهاجرين من دون هدف محدد يعذبهم قلق وجودي وحالة من الحيرة والضياع والتيه وهؤلاء قلة نادرة لايحل مشكلتهم السفر وتبديل المكان مادامت أزماتهم مع الأرض والسماء والبشر والإله والكون كله !

غادرت العراق عام 1991 وفي جيبي حوالي 40 دولارا فقط ساعدني بها صديق من أهالي الموصل دون يكون عندي أية مخططات أو أهداف ولا حتى مهارات ، مدفوعا بشعور الضياع والكآبة ، بعد ان شعرت بالقرف من مايسمى وطن الولادة .. ولم أكن أعلم بوجود قوانين اللجوء وأنا بعمر 31 عاما ، أحيانا الفوضى والعشوائية وإنعدام الخبرة توصلك الى أهداف دون ان تسعى اليها .. لاأعرف هل هي دحرجة الأقدار .. أم صدف عشوائية ؟!

بعد سماعي بوجود قوانين اللجوء وأني أستطيع الحصول على راتب وشقة في الدولة التي تقبلني مما يمكنني من الإستغناء عن العمل والتفرغ للقراءة والإنزواء عن الحياة .. جن جنوني من الفرح وصعقني هذا الترف المدهش الذي يوفره العالم المتحضر للاجئين ، لكن بعد مدة من الزمن صرت أشعر بالإشمئزاز من كل شخص يتكلم عن اللجوء بسبب تحول هذا الأمر الى هوس وعبودية على عقول غالبية العراقيين في الأردن ولبنان وسوريا ، فقد كنت أوقام ان أجعل اللجوء رهان حياتي !

قدمت على االجوء في مكتب الأمم المتحدة في الأردن وتم رفضي ، ثم مكتب لبنان ورفضت أيضا ، ونتيجة اليأس والإفلاس دخلت سوريا ثم السكن في دمشق السيدة زينب ، وبين اليأس وقليل من الأمل تم قبولي في مكتب للأمم المتحدة في سوريا، وقبل حوالي ثلاثة أيام من سفري الى أميركا سمعت خبرا كاد ان يحطمني .. إكتشفوا اني كنت في لبنان وتم رفضي ، لكن الموظفين السوريين سكتوا عن الأمر أو لم تكن لديهم حجة قانونية ضدي كونهم لم يسألوني عن لبنان وكنت قد قدمت بنفس الأسم دون تغيير يعني عدم وجود التزوير وحصلت مستجدات عندي تبرر قبولي لاجئا وهي إنتهاء صلاحية جواز سفري وكذلك عملي مع صحافة المعارضة العراقية .

وصلت الى الولايات المتحدة الأميركية عام 1998 وأنا في جيبي ( 50 ) ليرة سورية فقط أي مايعادل نصف دولار حينها ، ولم يكن معي أية ملابس أو أغراض ماعدا مجموعة كتب ، وكان السفر عن طريق الأمم المتحدة وثمن التذكرة دفعتها إحدى المنظمات الإنسانية الأميركية لكافة المسافرين على ان نسددها فيما بعد على شكل دفعات ، وهذه المنظمات عناصرها من ملائكة البشر بعملهم الإنساني النبيل وهم حصرا من أصول أوروبا الغربية ، لكن للأسف لوثها العراقيون والعرب الذين يعملون فيها بتخلفهم !

صعقتني المساحات الواسعة للشوارع وخلوها من البشر الذين يمشون ، الجميع يستعملون سيارتهم الخاصة أو النقل العام ، وهذا حال الولايات الأميركية ، بإستثناء ولاية نيويورك والعاصمة واشنطن وولايات أخرى قليلة جدا التي تشاهد فيها الناس تمشي في الشوارع ، اما البقية فلا أحد يمشي راجلا مما شكل لي صدمة وشعور قاتل بالوحشة ، فيما بعد عرفت اني أشكو من (( فوبيا المساحات الواسعة الفارغة )) وربما يعود سببها الى سكننا في منطقة صحراوية فارغة امام بيتنا حينما كنت طفلا ، وكنا نتوقع الخطر يأتي الينا من الصحراء على شكل ثعابين وعقارب ، أو لصوص في الليل .

عشت وضعا صعبا بسبب فوبيا الأماكن الفارغة .. إشتدت الكآبة عليّ وكادت حياتي تتدمر .. ورغم اني كنت متدينيا لكني لأول مرة في حياتي بدأت فكرة الإنتحار تراودني ، عملت بمشقة في عمل يدوي لغاية جمع تذكرة السفرة وعدت الى سوريا في قرار جنوني بعد مضي حوالي ثمان أشهر في أميركا ، ومن يعتقد ان العقل يتحكم بالعواطف والإضطرابات النفسية فهو مخطيء ، جميع المشاكل والحروب وسفك الدماء فشل العقل في منعها ، مثلما فشل العقل في منعي من العودة الى سوريا ، و أجد من حقي الإستشهاد بتاريخ وسلوك البشر ليس تبريرا ، بل تدليلا على ان سلوك الإنسان أقرب الى الأخطاء والحماقات والجرائم ، والحكمة في حياتنا هي صدفة يرافقها ظرف ملائم ونادرا ما تكون ناتجة عن خيار ، فور وصولي سوريا سارعت الى التجوال في الأسواق والأزقة القديمة .. كنت أشعر بحميمية في هذه الأماكن المزدحمة وترجمتها النفسية هي الشعور بالأمان من رعب فراغ المكان !

لاحقا عرفت لماذا كنت أبتهج وأشعر بفرح عارم بمناسبة عاشور في كربلاء عندما تكتظ بالزوار وتزدحم المدينة .. كنت أحس بالحميمية والأمان والطمانينة كنوع من علاج فوبيا الأماكن الفارغة ، وعند إنتهاء المناسبة ومغادرة الزوار تعتريني حالة من الوحشة والحزن رغم وجود حركة للناس من سكان المدينة لاباس بها في شوارع كربلاء !

عقب وصولي الى سورية بعد أيام قليلة أدركت خطأ رجوعي الكارثي ، فقد دخل عامل المقارنة بين أميركا وسوريا لدرجة كنت أشتاق حتى الى شراب البيبسي الأصلي في أميركا ، وإنتبهت الى سؤال : ماذا عن المستقبل ؟

بدأت إتصالاتي ببعض العراقيين في أميركا من أجل ان يجمعوا لي ثمن تذكرة العودة حيث كنت مفلسا ، وعشت لحظات إنتظار قاتل ومرعب من إنتهاء صلاحية جواز السفر المؤقت بسبب تأخر مبلغ ثمن التذكرة التي كانت كلفتها 500 دولار وظهر فيما بعد ان الشخص الذي جمع التبرعات سرقها وهو يعلم ان جواز ستنتهي صلاحيته ، وفي الآخر أنقذني صديق في كندا وأرسل مبلغ التذكرة ، وعدت مرة ثانية الى أميركا بروح المشتاق وبدأ شعور الإنتماء الحقيقي الى أميركا تعبيرا عن طبيعتي الصادقة في التعامل مع الأشياء والأشخاص والأماكن والبلدان ، حاولت بعدها السكن في ولاية مزدحمة شوارعها بالناس و ليست فارغة وتكررت محاولاتي خمس مرات وكلها فشلت بسبب عدم حصولي على السكن الرخيص بما يناسب راتب الضمان الإجتماعي ، ثم إضطررت الى البقاء في مكاني حيث أعيش بعد ان خفت حالة الفوبيا وتكالبت الأمراض الجسدية عليّ وخضعت لأحكام الفقر !

لو سئلت عن أهم مكاسب السفر وترك العراق بالنسبة لي فهي :
– الحصول على العلاج الطبي وتجنب آلام المرض ووجود فرصة موت مريح بلا أوجاع بفضل المستشفيات الأميركية .
– المكسب الآخر هو إتخاذي قرار الإلحاد والتحرر من سجون الأديان ، ولو بقيت في العراق .. إذا لم أمت بسبب الأمراض مبكرا وتستمر حياتي ، مؤكد كنت أغرق في التدين والتصوف وينتهي أمري بين الحسينيات والحوزات مغيب العقل ومستلب الإرادة !

ختاما : ليس هناك متسع في الروح والفكر للشعور بالخسائر والأحزان .. مادامت الحياة والوجود كله بلا قيمة عدم ، وطوبى للساخرين من الحياة !




الكلمات المفتاحية
أميركا خضير طاهر صدق أو لاتصدق نصف دولار وصلت

الانتقال السريع

النشرة البريدية