عامل نظافة ، ومبدأ (لا يصح إلا الصحيح)

سمِعتُ صوت منبّه سيارة القمامة ، فأستعددتُ لإخراج حاوية النفايات من المنزل ، تناول عامل النظافة حاويتي ، وأفرغها بمهارة في (جعبة) السيارة ، شاب في العشرينيات ، مُلثّم رغم الحر الشديد كي لا تزكم أنفَه رائحة النفايات ، وربما ليتقي حر الشمس لئلا تحرق وجهه .

حذاؤه ممزق ، كيف لا ، وهو لا يعرف غير طريق النفايات في عمله ، وأتذكّر بنفس الوقت ، أحذية برّاقة من أرقى الماركات ، تدوس سجادةً حمراء ، أو لا مناص لها لتخطو بسبب أطواق الحمايات والمتزلفين والإمّعات ، يرتدي قبعة ، لا أعرف لونها لأنها ملّت العرق وسطوع الشمس الذي لا يرحم ، مشتملا بأسمال ، بقايا (تراكسوت) وقميص ممزق ، وقد غطّت تلك الأسمال القاذورات بسبب بيئة عمله ، وأتذكّر أرقى البدلات من أشهر دور الأزياء ، يرتديها (أفندي) ، لا تسقط عليها أشعة الشمس ، في مكاتب مكيفة ومريحة ، يقوم السائقون في إسطول حماياته بتشغيل مكيفات سياراتهم الفارهة قبل خروج (الأفندي) بساعة ، أو لا تُطفأ نهائيا طيلة زيارات هذا (الأفندي) ، هذا الشاب يعمل كالماكنة ، لم يتعبه حمل حاويات الأزبال ، وأرى المسؤول عند إستقلاله لسيارته ، لا يُتعِب نفسَه بمد يده لفتح مقبض السيارة وإغلاق الباب ، فثمة أكثر من متخصص يقوم بذلك ، ويتقاضى لذلك أجرا .

سألته ، بُني ، هل أكملت تعليمك ؟ ، إستغرب في بادئ الأمر ، لم يسأله أحد هذا السؤال رغم طرقه لمئات الأبواب يوميا ، فقال : إعدادية ، قلت : لِمَ لَمْ تُكمل دراستك ؟ ، قال : ألا ترى الحال يا حاج ، عشت عمري وأنا أرى إلحاح آبائنا بإكمال دراستنا ، لكني فهمت الأمر متأخرا بعد أن أضعته على إكمال الإعدادية ، فماذا فعلت الدراسة للخريجين منذ 18 عام ، أتعبوا أدمغتهم ، فصاروا ضحية مَن لا أدمغة لهم ، كلّتْ أعينهم من المطالعة ، فجافتهم مجموعة من عميان البصيرة ! ، حلّ محلّهم الأميون والمتخلّفون وأصحاب الشهادات المزورة ، من الأقارب وأصحاب الرّشى ، وجميعهم لا يحمل ذرّة من النزاهة والوطنية ، وأهم شيء إفتقارهم الشديد للكفاءة والمهنية .

اُسقِط في يدي ، لم أستطع مجادلته ، ندمت على ترديد قاعدة (لا يصح إلّا الصحيح) ، لقد ألقى عليّ حجة بالغة ، وتذكرتُ كم كنت ألحُّ على أبنائي ، وأسوقهم بإستمرار إلى مناضد المطالعة ، لقد فَهِمَ أولادي حال البلد كعامل النظافة ، وكنت أتبجح بهذه العبارة وكأنها سلاح ، ومرّت 18 عاما ، وطال أمَدُ ترقب العمل بهذه القاعدة حتى صدأت ، جيل بأكمله ، ونحن وسط شياطين تسلّطوا علينا ، فحجبوا النور عن هذه القاعدة فتشوّهت حروفها حتى صارت (لا يصح إلا الخطأ) ! ، تخرّجَ أبنائي من الجامعات ، ولم يجدوا مَتّسَعا ليشقّوا طريقهم ، بين المزوّرين والأميين من المرتشين ، وأصحاب المنسوبية والتحزّب ، عامل النظافة هذا ، يتحمّل عناء تخليصنا من الأزبال التي تحمل معها شيئا من أحزاننا ، دَفَنَ نفسه في النفايات ، لأجل نظافتنا ، فهل يوجد وجه مقارنة بينه وبين الآلاف من الطفيليات والفضائيين ، ممن لا نحصل منهم إلا المزيد من المعاناة ، وقد (أثروا) قيادييهم ومدرائهم ومسؤوليهم من تجار المناصب ؟ ، لاوالله ، إنهم لا يساوون قبّعة عامل النظافة ، ولا أقول (شيئا) آخرا ! ، فهذا يسعى لتنظيفنا ، وأولئك يوسّخون عقولنا ويسرقوننا ويدمّرون بيئتنا بل ومبادئنا ويكرّسون التخلف والأمية والقرارات المرتجلة التي أوصلتنا للهاوية بسبب قصر النظر الشديد والتخلف والطمع الذي لا يعرف حدودا لأولئك القيمين ، فالّذي أفهمه إننا لا نملك إقتصادا أصلا ، على الأقل من ناحية معايير إقتصاد الدول ، فكل شيء عندنا ، إن لم يكن مُهمَلا ، فهو مشوّه وإرتجالي وترقيعي وبعيد عن الدراسة ، وبنفس الوقت ، يشوبه الفساد والسّرقة على نطاق واسع ، أعلم جيدا أن الصادرات الوحيدة تقريبا للبلد هو النفط ، وتجاوز سعر برميل النفط 70 دولار ، والغريب (وليس غريبا على هذا البلد) ، أن قيمة العملة المحلّية لم توقف تدهورها ، لأني أعلم أن (رزيّة) تخفيض سعر صرف العملة المحلية ، والتي اصابتنا في الصميم ، فتحت الأبواب على مصاريعها ، للتدهور المستقبلي الذي لن يتوقف لتلك العملة ، وبقيت في نزول مع صعود سعر برميل النفط ، وما يرافق ذلك من غلاء دراماتيكي لا يشمل (النخبة) الحاكمة ، أية معادلة كسيحة هذه ؟ أفتونا يرحمكم الله .

حاولت أن أواسي هذا الشاب بحكمة (إذا أنت أمير وأنا أمير ، مَنْ يسوق الحمير) ، فكففت عن ذلك ، لأني حقيقة لا أعرف مَنْ يسوقُ مَنْ ! ، ولا أزال أجدُ نفسي غير متّفق مع مبدأ هذا الشاب ، فما زالت مؤمنا بقاعدة (لا يصح إلا الصحيح) ، وكأنها لعنة ! ، قاعدة ، أوجدتها تجارب إنسانية مريرة وطويلة ، عن حضارات سادت ثم بادت ، قاعدة فيها كل معاني التمدّن ، من الحقوق وأسرار العدل والإنسانية والإنصاف ، قاعدة طالما أخرجتنا من شريعة الغاب ، ورفعتنا فوق مجتمع الحيوانات أشواطا ، وعشنا ، ورأينا تآكل هذه القاعدة الذهبية ، حتى أفضى بنا هذا التآكل ، إلى أوج العصر الحجري !.

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
721متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظرة منْ نافذةٍ اخرى عن مؤتمر التطبيع

ما انفكّتْ الأخبار والتصريحات تتضارب من مصادر عدّة في بغداد , وفي اربيل ايضاً حول تداعيات ومداخلات الرؤى حول مؤتمر التطبيع , الذي جرى...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل تقتلنا ببطء موجات التردد الراديوي المنبعثة من أبراج الهواتف المحمولة؟

هذه رسالة مهمة جداً موجهة للسادة رئيس وأعضاء لجنة الصحة والبيئة في البرلمان العراقي، أتمنى أن يأخذوا قراراً شجاعاً حول المعلومات الواردة فيها من...

أربيل بوابة التطبيع أو الشتات!

ضجيج اثاره مؤتمر تطبيعي في أربيل، ما الجديد؟ ولماذا تتلى بيانات الاستنكار والاستهجان؟ هل ثمة خروج عن المألوف في مسيرة الداعمين للمنهج التطبيعي مع الكيان...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

عنجهية النظام الايراني بوجه العالم

حاول النظام الايراني بطرق مختلفة التقليل مما أثير عن تشدد وتطرف الرئيس الجديد ابراهيم رئيسي، وبنفس السياق بذلت بعض القنوات والاوساط الاعلامية المحسوبة على...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

يا حسين: سمعنا واطعنا ووعينا فاتبعنا

ملحمة ليست كسائر الملاحم التي ذكرها التاريخ، لقد سبقت التاريخ بل كشفت زيفه وزيف كثيرٍ من أربابه، مختلفة عن سائر الملاحم التي خلدها، واراد...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أيقونة السياسة الألمانية آنجيلا ميركل تغادر منصبها بهدوء

اليوم ٢٦-٩-٢٠٢١ تغادر السيدة Angela Merkel، أو ما تسمی عند البعض بـ"المرأة الحديدية"، المولودة عام ١٩٥٤ في مدينة هامبورغ، التي حظيت بإهتمام سياسي بارز...