الإلحاد ، هل هو الكأس المقدّسة ؟ (5)إفادات الإقتراب من الموت ، بين الحقيقة والخرافة

يُعتبر الطبيب والفيلسوف الأمريكي المعاصر (ريموند مودي Raymond Moody) من جامعة فرجينيا أول مَن (تجرّأ) وتحدّى الأعراف ووثّق هذه الإفادات على صعيد رسمي-أكاديمي من خلال كتابه (الحياة بعد الحياة Life After Life) في السبعينيات ، وهو من أشد الفلاسفة الحذرين والمشككين ، وقد سرد أحداث أكثر من 160 شخص عاينها بنفسه ، وقد بيعت ملايين النُسخ من كتابه هذا ، ثم صدرت بعده الآلاف من الكتب بل الأفلام السينمائية ذات مانشيت (الفلم مبني على قصة حقيقية Based on True Story) ، تلك التي تحاكي هذا الموضوع ، وتوجد قصص تاريخية كثيرة عن أشخاص عايشوا الموت وعادوا وهم يقصون رؤاهم ، وربما من حق المتتبع لهذه القصص أن يشك بمصداقيتها ويلحقها بالأساطير والخرافات ، فهذه القصص ليست قرآنا أو كتابا مقدّسا ، ولم تتوضح ظاهرة الاقتراب من الموت الا بعد تطور آلات الإنعاش (Resuscitation) ، كأجهزة الصدمات الكهربائية أو بعض العقاقير ، ويمكن القول انها تطورت بعد ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ، ولكن ثمة نزوع واضح لإخفاء قصص هذه الظواهر، فعادة ما يحجم المجرب لهذه الحالات عن البوح بتفاصيل رحلته ، خوفا من إتهامه بالجنون أو الترويج للخرافات أو الكذب والتسخيف ، وما ينتج ذلك عن (فضائح) تتناولها وسائل الإعلام المتطورة والواسعة الإنتشار ، والمهم أيضا ، أن (لغته) لا تسعفه في وصف ماحدث لشدة عمقها ، فلا يجد المفردات الملائمة ليقص رؤياه ، بل إن وسائل الإعلام ودور النشر طالما كانت تنأى بنفسها عن نشرها خوفا على سمعتها ، لكن تواتر هذه الإفادات ، وتشابهها قلبت المعادلة ، أنظر إلى بعض هذه القصص في برنامج (الدكتور أوز) ، أو (أوبرا وينفري) ، وغيرها الكثير .

هنالك الملايين من مرضى ماتوا سريريا ثم إستيقظوا ، ليُدلوا بشهادات معاينتهم لقضمة الموت من وقتهم الضائع في غياهب عالم الغيب ، كيف عايشوه وهم يصفون ما ما يستطيعون وصفه ، عما رأوه من نافذة فتِحت لهم بين عالمين ، وبغض النظر عن أقوال المتشككين ، بل المتشددين الذين يعتبرون هذه الظاهرة دعاية لدين أو رموز معينة ، إلا إنها موثّقة ومعروفة جيدا من قبل الأطباء المختصين بهذا الحقل الغريب ، وقد إنبثقت (الرابطة العالمية لدراسات الإقتراب من الموت The International Association of Near Death Studies , IANDS) لدراسة هذه الظاهرة والتي تُعرف بتجربة الإقتراب من الموت (Near Death Experience) أو (NDE) إختصارا ، والدافع لهذا التوثيق إحصائي بحت وليس بحثيا أو أكاديميا ، وهي بعيدة كل البُعد عن أية دعاية دينية .

الغيبيات والروح في علم الطب ، غير مُعتَرَف بها على الأطلاق رغم كثرة وقوة الشهادات في هذا المضمار ، لهذا يجد الأطباء أنفسهم في مأزق ، بين تواتر تلك الشهادات كشاخص إحصائي صلب ، وبين العلم المجرد من أية روحانيات هذا الذي درسوه وكأنه شرط دراسي ، والطب كعلم مجرّد ، يعتبر هذه (المعاينات) ليست سوى صورة ذهنية للهلوسة المرئية (Visual Hallucinations) ، شبيهة بتلك التي تعتري متعاطي المخدرات القوية كعقار (LSD) ، أو بعض العقاقير أو الأعشاب التي يتعاطاها بعض الشامان في ثقافة الهنود الحمر أو غيرهم ، تجعل الحاجز بين تلكما العالمين شفافا ! . وهي نشاطات في الدماغ كرَدّ فعل لنقص الأوكسجين ، فيقوم بإفراز هرمونات خاصة ، هي من يسبب هذه الهلوسات ، هذا هو تأويلهم لهذه الظاهرة .

ولكن ماذا عن شهادات لا تُعد ولا تُحصى عن مرضى مروا بهذه المرحلة ، وهم يصفون بدقة مثيرة للأستغراب ، كلام الطبيب وتصرفاته ، ووصف لأدواته الطبية وكل حواراته أثناء موتهم سريريا بعد توقف جهاز مسح موجات الدماغ (EEG) والقلب (ECG) ، وتوسع بؤبؤ العينين إلى أقصاهما وعدم إستجابتها للضوء عن تسليطه عليهما؟ ، بل الأكثر من ذلك ، فالكثير من هؤلاء المرضى ، يصف بالصوت والصورة حالة ذويه في غرفة الأنتظار البعيدة عن سرير إحتضاره ، وماذا عن آلآلاف من شهادات العائدين من رحلة الموت هذه ، وقد أفشوا بعد هذه الرحلة ، أسرارا سببت الدهشة لحامليها الأحياء الذين وعدوا أنفسهم بحملها إلى القبر ! ، ووصف دقيق لأجدادهم أو ذويهم المقربين من الموتى ، رغم البعد الزمني الشاسع لوفاتهم ؟!

ثم ما سبب التشابه المثير للعجب عند كل من سلكوا هذه الرحلة ؟ ، وهو خفة الوزن ، والطفو خارج الجسد ، أي أنه يرى جسده المسجى ، وهنالك النفق والضوء ، والشعور العالي بالحب غير المشروط (Unconditional Love) ، المناظر الباهرة والألوان التي تعجز عن رؤيتها بالعين الدنيوية ولا تستطيع لغته عن ترجمتها ، والشعور بالإلمام التام بكل المعرفة الكونية ، والراحة التامة وشحذ غير مألوف دنيويا لكل الحواس ، وكأن ستارا أو غطاءً قد رُفع عن بصيرتنا ، قال تعالى مخاطبا الإنسان المحتضر : (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )… سورة (ق) الآية (22) ، إلى درجة أن يتشبث الاشخاص المارّون بهذه التجربة بعالمهم الجديد ، وحزنهم من العودة إلى الدنيا عندما يسمعون صوتا عند غالبية الإفادات ، من إن وقتهم لم يحن بعد ، والكثير منهم عانى من الوان العذاب والخوف والشعور بالبرد أو الحر الشديدين ، والتعرض للضرب والأهانات والكلمات النابية من قبل مخلوقات مخيفة توصف على أنها شبيهة بالبشر (عليها ملائكةٌ غلاظٌ شداد ، الآية 6 –سورة التحريم)، وبعد عودتهم أعترفوا أنهم ارتكبوا الكثير من الأخطاء (الخطايا Sins) في دنياهم ! .

أتذكّر قصة ذلك (البلطجي) والذي يعمل حارسا في ملهى ليلي ، أدى إشتباكه بالأيدي مع أحد الزبائن ، إلى إصابته بأزمة قلبية لبضع دقائق ، إستيقظ في سيارة الإسعاف مرعوبا وهو يصيح بهستيرية (لا أريد الموت) ، وبعد أن هدأ روعه قص ما رأه ، فقد عاش طفولة عنيفة ، وكان متنمرا على أقرانه ، وقد إعتدى على الكثير بالضرب بسبب سلوكه العنيف ، لكن بهذه الدقائق التي توقف بها قلبه ، قد عاش أعوامه الأربعين ، وهو يُضرب أو يُشتم أ ويشعر بذات الألم النفسي الذي سبّبه لضحاياه ! (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، الزلزلة الآية 7) .

مقاطع (اليوتيوب) تطفح بهذه الأفادات ، ورغم تشككي البالغ في كل ما يُبث على هذا الموقع ، فقد نأيتُ بنفسي عن المقاطع الشخصية لمن يدّعي مروره بهذه التجربة ، وأتجهت الى المقاطع الوثائقية التي تبثها واجهات إعلامية رصينة في كل من أوربا وأمريكا ، وهي تعد الدراسات المنطقية لظاهرة لامنطقية (على الأقل من الناحية الوجودية) ، في محاولة لأيجاد تأويل لهذه الظاهرة التي تبدو وكأن وعي الأنسان (Human Consciousness) يتقلب بين وعي دنيوي ، ووعي آخر غير معروف ، والكثير من علماء النفس والأجتماع يعتقدون ، أن وعي الأنسان يقع خارج جسده (الحلقة السابقة) ، فعلى الأقل ومن ناحية الذاكرة ، فأن دماغ الأنسان كموجود مادي لا يتسع لهذا الكم الهائل من الذكريات ، فضلا عن فلسفته وتوجهاته وطريقة تفكيره وأمور أخرى كثيرة ، ولا بُد من وجود (منفذ) آخر يستخدمه الأنسان لأيداع وأستدعاء ذكرياته ، وكأننا جزء صغير من (كومبيوتر عملاق) ! .

أما في عالم الأحلام ، فإنك ترى مشاهدا واشخاصا وألوانا وتشم روائحا وتتكلم وتسمع وتحس ، وأنت ساكن ومسجىً في فراشك ، وجميع أعضاء حواسك كالعينين واللسان والأذنين معطلة ، لكن الطب وعلم النفس ، لا يعلم لحد الآن كيف يحلم الإنسان ، ولا يعرفون كيف يقوم هذا العقل بنسج المشاهد والحوارات فيه ، يعرفون لماذا لأنهم يعزوه إلى مخزون دماغي يقوم بترتيبه على شكل صور وحوارات ومناظر كصور إنعكاسية (Reflex Images) وهي كصمام الأمان ، تغلب عليها نزعات الرغبات المكبوتة (Repressed desires) ، لكن ماذا عن إقتراح الحلول التي لاتخطر على بال في الأحلام لهذه الرغبات أو الحاجات ، والتي تمتلئ الكتب بحوادث من هذا النوع ، على صعيد العلوم أوالإختراعات أو الفن ؟ ، ماذا عن إشارات تحذير لحدث مستقبلي (ولكل منا قصته في هذا المجال) !؟ ، قال تعالى (هو الذي يتوفاكم في الليل) ، فالنوم نوع من الوفاة إذن ، تجول به بروحك أو جسدك الأثيري ، سمّه ما شئت ! ، وكل منا عاش لحظات في موقف معين يمر به لأول مرة ، لكن (ذاكرته) تملي عليه بإلحاح ، أنه مرّ به في السابق !، ظاهرة ذات شعبية عريضة مررنا بها جميعا ، يُطلق عليها (ديجافو Deja Vu) ، وتعني بالفرنسية (رأيتُ ذلك مسبقا) ! ، ولا تزال غير قابلة للتفسير .

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
717متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

عظمة اللغة العربية

في جلسة دفاع دكتوراه في جامعة لايبزغ بألمانيا الديمقراطية، لطالب ألماني ذكي ومجتهد كان أسمه: "أرمين أرنست ، توفي بعدها بسنوات قليلة بحادث طائرة"،...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البيئة في العراق … هزلت ورب الكعبة !!

"الرجل المناسب في المكان المناسب"، وعسكريا "الوحدة بقائدها" ... مصطلحان ينطبقان على القيادة الجيدة وسواء كان ذلك في مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية، وبسبب...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانتخابات القادمة والتجارب السابقة

انا من الذين يُشكلون على العملية السياسية العراقية ضمن الملايين من المراقبين لاسباب متعددة منها ،بسبب التعامل مع الواقع السياسي مباشرة، و وصلت هذه...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اصلاح الامن المناطقي يبدا من مركز الشرطة

سلسة الإصلاح الأمني الحلقة (4) اصلاح الامن المناطقي يبدا من مركز الشرطة عند تناول إصلاح الامن المناطقي من أين يبدأ الإصلاح بالأمن المناطقي؟ ليس هناك ترياق...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اشياءٌ اخرى عن مرشّحي الإنتخابات

نعودُ مرّةً اخرى < بينَ مُكرهين – راغبين > للحديثِ عن مرشّحي الإنتخابات وعن كيفية عرض بضائعهم الدعائية " بالرغم من أنّ معظمهم لا...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ملف تعويضات دور أهل الأنبار

لست من المخولين بالحديث بالإنابة عن أحد منكم في هذا اليوم المبارك , لكنني أنباري عراقي مسلم مظلوم نزح وتهجر من بيته ومدينته أكثر...