الإلحاد هل هو الكأس المقدّسة ؟ (4)

لا يزال الإنسان لا يفهم طريقة إلتماس الطيور المهاجرة لطريقها ولا تتيه ولو كان على بُعد آلاف الكيلومترات ، ووضعت الكثير من النظريات بهذا الخصوص ، ولا يزال الإنسان يرصد الكثير من الموارد وهو يجري الدراسات لمعرفة سر كامن في دماغ الطير الذي لا يزيد حجمه عن حبّة باقلاء ! ، دراسات ليس دافعها بريئا ، فهو يريد كشف ميكانيكية إدراك الحمام لطريقه ، لتطبيقها على جيل من الصوارخ الذكية وأدوات الموت ، لتوجّه نفسها وتُردي أهدافها بدقّة دون وسائط مكلفة كالأقمار الصناعية ! ، نحن لا نعرف على وجه التحديد ، كيف تأتي الأشجار العالية أكُلَها وهي تمتص موادها الغذائية في التربة ، وترفعها لعشرات الأمتار كما في أشجار النخيل ، بل قد يصل إلإرتفاع إلى أكثر من مائة متر كما هو حال أشجار الخشب الأحمر (السيكويا Sequoia) التي تحتاج إلى عشرات اللترات من السوائل من التربة يوميا ، فنجد هذه الأشجار باسقة يانعة ومغذّاة جيدا ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، علم الفيزياء يعزو ذلك إلى ظاهرة (الخاصية الشعرية Capillary) ، لكننا نعلم إن ذلك لا ينطبق إلا على أجزاء المتر الواحد ! ، من هنا كانت حيرة العلماء اليابانيون في تقرير على قناة (NHK) اليابانية في تأويل هذه الظاهرة !.

النباتات اللاحمة ، وهي النباتات المفترسة التي تتحسس أي حشرة تحط عليها ، فتنقبض عليها أوراقها بسرعة كبيرة كي لا تفلت منها الحشرة ، ربما فهمنا الميكانيكية ، وهي بإمتلاء خلايا جانب واحد من العضو القانص بالسوائل ، فيميل مطبقا على نظيره الآخر بما يشبه الدفّتين ، لكن علم الأحياء لا يفسّر لنا كيف تتحسس هذه الأعضاء وتَرُدّ الفعل ، خصوصا وأن لا جهاز عصبي لها ! ، المسألة ليست ببساطة عتلة مزوّدة بنابض كما هو الحال في مصيدة الفأر !.

المثير للعجب ، نوع من الفطريات (Fungi) ، وأسمه العلمي (Physarum Polycephalum) ، وهو ذو لون أصفر ، لزج القوام ، حيّر العلماء لأنه يلتمس أقصر الطرق للوصول إلى طعامه من خلال متاهة (Maze) ! ، وعند وضع بُقَع من المواد المغذية على وسط الإنبات ، فإنه سينمو مادّا جسورا مستقيمة بما يشبه الجذور للوصول إلى بقع الطعام ، ويكوّن عُقدا وأقصر الطرق وأكثرها فاعلية حسب حجم بقعة الطعام ، إلى درجة أن اليابانيون أعتمدوا (فلسفته) ، لإنشاء شبكة قطارات في (طوكيو) ! ، لأنها ستربط أحياء طوكيو حسب حجمها وأهميتها ، فهذا الفطر الذكي ، والذكاء سيد الوعي ، أنجز ما عجزت عنه حتى خوارزميات الحاسوب ، وبإمكان القارئ الكريم مشاهدته على اليوتيوب :

(Are You Smarter Than A Slime Mold?) .

Are You Smarter Than A Slime Mold?

 

جميعنا يعرف ، أن حجم دماغ النحلة (توجد سورة قرآنية بإسمها) لا يتجاوز حجم رأس الدبّوس ، لكن لو تأملنا إستراتيجية هذه الحشرة في البحث عن رحيق الأزهار ، فستكون مثيرة للعجب ، يقوم قفير النحل أولا بإرسال عاملة كشّافة للبحث الزهور ، وعند عودتها ، تؤدّي رقصة إهتزازية ، فيعرف النحل العامل إتجاه وبُعد الهدف بالضبط ، فمن خلال عدد إهتزازات بطنها يعرف النحل البُعد ، ومن خلال زاوية تحرّكها أثناء تأديتها لهذه الرقصة ، يعرف الإتجاه ، وما هي إلا لحظات ، حتى يتحرّك سرب كبير من النحلات العاملة بإتجاه الهدف لأنها فهمت الرسالة ! ، المسألة في غاية التعقيد ، إذ كيف إستطاعت النحلة قياس البُعد والإتجاه بالنسبة إلى قفيرها ، وبالتالي خزنه في ذاكرتها ، لتترجمه بعد ذلك إلى حركات وإيماءات مع صُغر حجمها وبعد المسافة ؟! ، أي وعي هذا التي تمتلكه تلك الحشرة ، بحيث يملي عليها معيشة إجتماعية طبقية ورصينة وصارمة ؟! ، قال تعالى (وأوحينا إلى النحلة أن إتخذي من الجبال) إلى آخر الآية ، ولم يقل (إتخذ) ، لأن جميع النحل العامل من الإناث ! ، ولو تأملنا الطبيعة حولنا ، سنجد آلاف الأمثلة المثيرة والمحيّرة التي لا تقل غرابة عن هذا السّرد .

شاهدتُ تقريرا على قناة (DW) الألمانية المرموقة ، عن دراسات لإيجاد حلول لإزدحامات الشوارع ، فوجدوا أن النمل (توجد أيضا سورة قرآنية بإسمها) لا يعاني هذه الظاهرة ، رغم الإكتظاظ الشديد لحركته ، لأنه أمتلك إستراتيجيات بمنتهى الذكاء بحيث غابت عن بال الإنسان ، فقال المذيع (إتضح إننا لن نلحق بالنمل في ذكائه ) ! .
ولو إستقرأنا مقياسا أكبر وهو الإنسان ، فهنالك بعض الحالات المَرَضية النادرة والتي تستحق التوقف عندها طويلا ، وهي الحالات التي تطرّق إليها دكتور علم النفس في جامعة (فرجينيا) الدكتور (بروس غريسون Bruce Greyson) في كتابه (هل ينتج الوعي من الدماغ Is Consciousness produced by the Brain?) ، وفق دراسة قام بها بنفسه ، يسرد لنا هذا الدكتور بعض الحقاق المثيرة للعحب عن بعض المصابين بمرض (إستسقاء الدماغ Hydrocephalus) ، ويعني عجز الدماغ عن بزل السائل الشوكي (Spinal Fluid) خارج قحف الجمجمة مما يؤدي إلى زيادة الضغط على خلايا الدماغ ، فتتدمر ويمتصها هذا السائل ، وهو مرض خطير يؤدي إلى التخلف العقلي ، وفقدان الذاكرة والحواس ، ثم يؤدي إلى الموت في حالة عدم علاجه ، لكنه ذكر أن بعض الناجين من هذا المرض ، لديهم عامل ذكاء (IQ) والذي يتراوح بين 90-160 في الشخص الإعتيادي ، لديهم (IQ) أكثر من مائة ! ، وهو لا يمتلك سوى 120 غم من النسيج الدماغي ، أكتشف صدفة عند طلاب للجامعات ! ، فمتوسط وزن الدماغ عند الرجل 1400 غرام ! ، فأين يكمن الوعي ؟! ، مع العلم أن وزن دماغ العالم العظيم (آينشتاين) ، وهو من أعظم ما أنجبه الوعي البشري هو 1230 غم ! ، أي أقل بقليل من متوسط دماغ الرجل ! ، وبالمقابل ، نجد أن دماغ الفيل يبلغ 5 كيلوغرامات ! ، من هنا قال أحد أطباء الأعصاب من المشرفين على هذه الحالات متعجبا (ما هو عمل الدماغ بحق الجحيم What the hell is the function of brain ?) ! .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
717متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

صولة نسوية!!

يُروى عن الكاتب الإيرلندي الساخر جورج برناردشو(١٨٥٦م ـ١٩٥٠م) أنَّه جاءته ممثلةٌ ناشئةٌ وسألته أن يبدي رأيه في قدرتها على التمثيل، وأدت أمامه عدة أدوار،...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانتخابات: لا تغيير في المدى المنظور

لا يخفى ان الغاية من اي انتخابات هو احداث التغيير المنشود الذي يلبي تطلعات الجماهير بوصول ممثلين مناسبين قادرين على مواجهة تحديات الواقع والعبور...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التقادم الزمني لايستطيع إنهاء البعد القانوني لمجزرة 1988

عندما صادقت حکومة الدکتور محمد مصدق الوطنية الايرانية على اتفاقية حظر جرائم الإبادة الجماعية، التي صادقت عليها منظمة الامم المتحدة في عام 1948، بحيث...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

زيارة الغانمي للأردن حظيت بإهتمام على أعلى المستويات

زيارة وزير الداخلية العراقي السيد عثمان الغانمي الحالية للأردن ، حققت الكثير من الأهداف والخطط المتوخاة في إطار التنسيق الأمني العراقي الأرني وسبل مواجهة...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظرية المؤامرة ونظرية الرفض!

غالبا تكون طريقة عمل الدماغ البشري في التذكر عن طريق تبادل الروابط المتناسقة او المتلاصقة او التي تبدو منطقية اليك فمثلا حين تسمع كلمة...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الوجه الآخر للحكم الملكي في العراق

ـ كثر الحديث عن الزمن الجميل "زمن الحكم الملكي في العراق".. اليوم نقدم بالوقائع والحقائق الموثقة.. الوجه الآخر.. والصورة الحقيقية للحكم الملكي. أولاً: التخلف: ـ عندما...