الإثنين 20 سبتمبر 2021
37.8 C
بغداد

الإلحاد هل هو الكأس المقدّسة ؟ (3)

إليكم القليل جدا من هذه الظواهر الغير قابلة للتفسير العلمي سوى التسليم أن هنالك قوة خارقة مسؤولة عن وجودها وديمومتها ، ظواهر نشهدها كل يوم ونتعايش معها ، بإمكان اي إنسان مهما تدنّت ثقافته العلمية أن يلاحظها :

دراسة : وعي الإنسان يقع خارج دماغه ! .

من الصعب وضع تعريفٍ وافٍ للوعي البشري (Human Consciousness) ، لكن من الممكن إعتباره الوعاء الذي يحوي (العقل Mind) و (المعرفة Awareness) و (الإدراك Perception) ، من هنا نفهم أن كلمة (وعي) مشتقة من (وعاء) ، إنه (الأنا أو الإيغو Ego) للذات البشرية ومنها يُشتق مصطلح الأنانية (Selfishness) ، أنه الكون اللانهائي والمترامي الأطراف ذلك الذي يتصف به إنسان ما بمفرده ، بكل ما به من أحاسيس وتوجهات وذكريات وإستراتيجيات ، إنه الضمير والشعور الوجداني والإحساس والعاطفة ، وبالتالي طريقة ردود الأفعال وأساليب المواجهة ومد القنوات مع محيطه من (أوعية) أخرى للبشر ، إنه إدراك الحقائق والمنطق الذي يَبني صُنع القرار ، إنه الفهم والميول والإنتباه والفضول والتعلم وطريقة التعامل والتأمّل وحساب العواقب ، وعليه يقول العلماء ، أن الدماغ ، تلك الكينونة المادية ، لا تكفي –تقنيا- لأيواء كل هذه المفردات الكثيرة ، وما يتفرّع عنها من مسمّيات ثانوية لا تُعد ولا تُحصى ، هذا إن نظرنا للدماغ كآلة مادية .

الوعي ، مفردة عجز عن تعريفها أساطين العلم المجرد ، ولغزٌ لا يزال عصيا على الحل ولا تزال هذه المفردة تتحدى التأويل ، الى درجة يعدونها إحدى الخوارق التي تبقى بلا تفسير ، ونشعر بالأطمئنان ، لأن هنالك خطا رفيعا بين العقل والجنون ، هو الإيمان من أن الوعي الذي يستمد حيويته وحرارته وقنواته من الروح ، ففي العلم المجرد ، لا يوجد شيء إسمه الروح ، وفي القرآن الكريم يقول عز من قال (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ، وكأن الله سبحانه أراد إخبارنا ، أن علم الروح هو سيد العلوم ومنتهاها ، هو الكأس المقدّسة التي طالما سعى الأنسان الى الظفر بها ، هو الإجابة عن كل الأسئلة التي خامرت عقل الأنسان منذ خلقه ، ولكن لا يمكن إدراكه كلّيا لأن الله وعدنا بذلك لمحدودية عقولنا ، ورغم ذلك ، فهذا لا يمنعنا من الخوض في غماره ، ربما لن نحصل على أجوبة ، لكن البحث فيه ثراء وجداني وراحة روحية ، وتبقى ماكنة تساؤلاتنا تدور بما يمليه علينا (وعينا) هذا ، يدفعنا فضولنا ، والتفكير بالمستقبل ، ولا نكف عن التساؤل ، كيف ، وماذا بعد ؟ ، وثم ماذا ؟.

عبارة (الأنسان آلة) فيها الكثير من التجديف ، انه أكبر بكثير ، وعميق عمق الوعي الذي لا قرار له ، فالنفس الحُرّة تهيم حائرة بين اللانهائيات التي تحيط بها ، هي لا تعرف الحدود ولا تقيم وزنا لظلال الوجودية الثقيلة ، فماذا سيحصل ، إن أتانا الوعي بغتةً ونحن في بطون أمهاتنا ؟ ما الذي سيجعلنا نصبر على ضيق الرحم ، لولا نعمة غياب وعينا ؟ وكأن الحرية والفضاء من أول متطلبات الوعي ؟ ، في شبابنا ، كان تفكيرنا بالموت سطحيا ، على أنه حتمية مؤجلة لهذا كنا نوئد هذه الفكرة ، ولكننّا ندفنها في اللاوعي الذي يستيقظ بين حين وآخر ، ويزداد تواتر هذه (الأحايين) كلما تقدم بنا العمر ، حتى لاوعينا هو وعي مع وقف التنفيذ .

تطلعات الأنسان الوجدانية العميقة وفضوله تجاه أي ظاهرة تأخذ بعنقه ، خصوصا في الماورائيات ، وهو في معترك الحياة ، فيحس ان ثمة تناقض بين سطوة وجوده وتطلعاته وهو لا يرى نهايات لجذوره الممتدة بين الوعي واللاوعي ، والفناء بعد الموت ، هو يرى أن ذلك غير عقلاني ولامنطقي ، فيحس أنه أكبر من الفناء بكثير ، يشعر في قرارة نفسه أنه خالد حيا كان أم ميتا ، ويعتقد أن ثمة مندوب لمارد جبار ، وقوة عاقلة تفوق عقله بكثير منصهرة في ذاته (الروح) .

الوعي هو الحافز لأبداع الأنسان في بناء الحضارة ، وما بها من تبجيل للجمال ، والحس المرهف من فنون وموسيقى وشعر وأدب ، وذوق رفيع ، وسرعة الملاحظة وقابلية الأبتكار وترويض الطبيعة ، الوعي هو قناة الإله مع البشر ، لهذا كانت الرسالات السماوية ، الوعي هو من يجعل كل أنسان ، نسيجا فريدا لا تجد له شبيها ، الوعي هو الذي يقود الغرائز لا بالعكس ، من هنا يبرز الفرق بين الأنسانية والحَيوَنة ، الوعي هو الشعور الوجداني العميق الى درجة مطلقة ، وفي ذواتنا فضول مستعر لكل ما هو مجهول ، فما سر سطوة هذا الفضول ، بحيث يدفعنا الى المقامرة بالحياة لأجل المعرفة !..

أثبتت الوقائع ، أن الأنسان ليس مجرد ماكنة ، يصيبها الهرم أو العطب فتموت ، انه كون متكامل ، يكمن بداخل كون ، يرتبط بالأكوان الأخرى وبمحيطه بحواس خارقة أخرى غير الحواس الخمس ، ووجدان لا يعرف الشبع من الفضول الذي يقود للجنون ، يذكرني هذا بمقولة للإمام علي (ع) : (وتحسب نفسك جرما صغيرا ، وفيك إنطوى العالم الأكبرُ) ، هي ليست مجرد شطحة صوفية ، لكن بالفعل ، انا الكون ، والكون أنا ، وهو بداخلي ، ذلك يجعلني أدرك أني (تِرْسْ Gear) صغير من ماكنة الكون …

نقضي أكثر من ثُلث أعمارنا نياما ، ولكن هل يتركنا وعينا في هذا الثلث ؟ ، لا ، أنه يتحول الى شكل آخر من الوعي ، فإما أن تتلبى فيه كافة أمانينا ورغباتنا ، أو نواجه أسوأ مخاوفنا فيه ، على الأقل إفتراضيا ، أنها الأحلام .

ظاهرة الإخلاف (Regeneration) التي تحدث عند بعض الحيوانات ، كاستعادة (أبو بريص) لذيله بعد القطع ، أو ظهور طرف كامل بدل المقطوع بكل ما به من يد وأصابع كما في الحيوان البرمائي (السلمندر) ، علم الأحياء يشرح الظاهرة فقط ، دون الخوض في الأجابة عن كيف ولماذا ! ، من المشروع جدا أن نسأل عن سر تلك الخلايا الهادمة والبناءة ، تلك التي تنحت عظم الإنسان أثناء نموه منذ الطفولة وحتى يصبح يافعا ، والتي تقوم بنقل الخلايا العظمية من مكان لآخر ، فلو كان بناء العظم مجرد ترسيب لمادة العظم ، لأصبح كائنا مشوها ، لكن الفضل يعود لهذه الخلايا ، وكأنها تحمل إستراتيجية هندسية لإستعادة الوضعية الصحيحة وفق برنامج معقد للغاية ، هل لهذه الخلايا وعيها الخاص بجعل العظم جميلا ومتناسقا ؟ ، بل أكثر من ذلك ، فالمعروف لدى الأطباء ، إن العظم المكسور عندما يتم تقويمه وبه شيء من الأعوجاج ، فسيعدّل نفسه تدريجيا حتى يستعيد حالته المستقيمة السوّية ! ، كيف ؟ لا أحد يجيب ! .

الخلايا الجذعية (Stem Cells) ، هي خلايا من الممكن أن نسميها خلايا خام ، موجودة في المراحل الأولى للنمو الجنيني ، لا أحد يعرف كيف تتطور هذه الخلايا المتشابهة ذات المنبت الواحد ، إلى خلايا ذات درجة عالية من التخصص ، فيتحول قسم منها إلى خلايا عصبية ، والباقي إلى عظمية أو وعائية أو دموية أو جلدية أو هضمية ، حتى يصبح هذا الجنين ، طفلا متكاملا سويّا ، هذه الخلايا ذات (الوعي) التخصصي العالي ، مَن المسؤول عن إدارتها وتوزيع الأعمال والوظائف عليها لتتقمّص أدوارها الجديدة ؟! ، فهل كل خلية من خلايا أجسامنا تمتلك وعيا خاصا بها ؟! .

لو سلّمنا أن الدماغ وما به من خلايا عصبية (Neurons) هو موئل الوعي حسب الإدعاءات الدارجة ، فهنالك الكثير من الأحياء التي لا تمتلك جهازا عصبيا على الإطلاق ، كالأحياء وحيدة الخلية ، لكنها تتغذى وتنمو وتتكاثر ، ولها إستجابة دفاعية ضد أي تهديد ، وإلا كيف تعلّمت (البكتيريا Bacteria) مواجهة تهديد المضادات الحيوية (Antibiotics) ، بحيث بدأت تقاوم مفعول هذه المضادات بشكل سبب تحديا جدّيا للطب الحديث ؟ ، سيقولون السبب هو الطفرات الوراثية ، لكني أسأل عن السبب وليس الميكانيكية ، ألا يُعدّ هذا تصرفا واعيا من مبدأ التشبّث بالحياة لمواجهة التهديد ؟ ، والأغرب هو عالم (الفايروسات Viruses) ، فهذه الكائنات التي تشكل مفصلا بين الحياة والجماد ، لأنها تسلك سلوكا بلوريا جامدا عندما تكون ظروفها المحيطة غير مواتية ، وبمجرد توفر الظروف الملائمة ، ستدبّ فيها الحياة ، وستقوم بما عجز الإنسان عنه حتى فترة قصيرة ، ستقوم بإستنساخ الحامض النووي (DNA) للمضيف-الضحية ، وتحتفظ به كبطاقة دخول لهذا المضيف بما يشبه مبدأ حصان طروادة (Trojan) ! ، فبهذا لا تحسبه الخطوط الدفاعية جسما غريبا ! ، وعند الدخول تقوم بإستنساخ نفسها لملايين المرات فتسبب المرض ! ، أي وعي ذكي هذا لمخلوق هو شبه جماد ؟! ، ها هو فايروس (كورونا) ، قد عاث في الأرض فسادا ، وكسر غرور الإنسان ، وقزّم إختراعاته وتكنولوجيته .

Majid Al-Khafaji / Electrical & Electronic Engineer

Iraq-Baghda

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
717متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

عظمة اللغة العربية

في جلسة دفاع دكتوراه في جامعة لايبزغ بألمانيا الديمقراطية، لطالب ألماني ذكي ومجتهد كان أسمه: "أرمين أرنست ، توفي بعدها بسنوات قليلة بحادث طائرة"،...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البيئة في العراق … هزلت ورب الكعبة !!

"الرجل المناسب في المكان المناسب"، وعسكريا "الوحدة بقائدها" ... مصطلحان ينطبقان على القيادة الجيدة وسواء كان ذلك في مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية، وبسبب...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانتخابات القادمة والتجارب السابقة

انا من الذين يُشكلون على العملية السياسية العراقية ضمن الملايين من المراقبين لاسباب متعددة منها ،بسبب التعامل مع الواقع السياسي مباشرة، و وصلت هذه...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اصلاح الامن المناطقي يبدا من مركز الشرطة

سلسة الإصلاح الأمني الحلقة (4) اصلاح الامن المناطقي يبدا من مركز الشرطة عند تناول إصلاح الامن المناطقي من أين يبدأ الإصلاح بالأمن المناطقي؟ ليس هناك ترياق...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اشياءٌ اخرى عن مرشّحي الإنتخابات

نعودُ مرّةً اخرى < بينَ مُكرهين – راغبين > للحديثِ عن مرشّحي الإنتخابات وعن كيفية عرض بضائعهم الدعائية " بالرغم من أنّ معظمهم لا...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ملف تعويضات دور أهل الأنبار

لست من المخولين بالحديث بالإنابة عن أحد منكم في هذا اليوم المبارك , لكنني أنباري عراقي مسلم مظلوم نزح وتهجر من بيته ومدينته أكثر...