الإلحاد ، هل هو الكأس المقدّسة ؟! ، مقدّمة (1)

الإلحاد ، ذلك الإعتقاد القديم الجديد ، ومثار جدل لا ينتهي ، إنه رأي طالما دفع بالكثير من المتهمين به ، قبل معتنقيه جهرا ، إلى خوازيق النار حرقا وهم أحياء ، بتهمة جاهزة هي (الهرطقة Heresy) عند المسيحيين ، والزندقة عند المسلمين ، ولا يُشترط أن يكون الإلحاد وحده المُسبب للموت ، بل أية نظرية ، فلسفية كانت أم علمية أم فقهية أم سياسية ، أو أية فكرة ثورية تبررها جوقة المُتخلفين الذين نصّبَوا أنفسهم كحماة حِمى الأديان ، وناطقين بإسم رب الرحمة واللطف والرأفة والعدالة ، فجعلوا منه جلّادا ساديّا منفّرا ، وعلامة تجارية لشرعنة تسلطهم ! ، فيبررونها على إنها كُفرا وإلحادا لأنها بعيدة جدا عن إستيعاب عقلولهم الخاوية من كل شيء إلا مؤامرات الإستئثار بالسلطة ، ولأنهم أعداء الحرية ، فإنهم يخافون من أية مفردة فيها رائحة ثورة ، لأنها مُهددة للعروش قبل كل شيء ! ، وحُرِمَت البشرية بسبب تلك الإجراآت القمعية البشعة ، من خيرة العقول لا لشيء ، إلا بسبب جرأة أصحاب تلك العقول على الكثير من الآراء الجامدة والمنحرفة ، تلك التي كرّستها حفنة من المتخلفين الماسكين بزمام سلطة مطلقة بإسم الدين ! ، أحد هذه الرموز العظيمة هو الأستاذ والأديب والفيلسوف وعالم الفلك الإيطالي (جوردانو برونو) الذي ولد عام 1548، والذي أعدم حرقا من قبل الكنيسة لأنه أيّد فكرة سَلفهُ العظيم البولندي (كوبرنيكوس) ، وهو القول بأن الأرض ليست مركز الكون بل تدور حول الشمس ، وكانت التهمة حمقاء متخلفة من أن الأرض مَهْد السيد المسيح لا يمكن أن تكون تابعا ! ، وكاد أن يلحق به الفيزيائي الإيطالي العظيم (غاليليو غاليللي- ولد عام 1564) والذي يعتبر أحد آباء الفيزياء ، والذي هددته (محاكم التفتيش الكنسية Courts of Investigations) هي الأخرى لأنه تجرأ بالإدلاء برأيه عن دوران الأرض بالأدلة والإثباتات ، فأضطر لإنكار رأيه بعدما رأى أن جسده الهَرِم المتعب لا يحتمل العذاب الرهيب بواسطة آلات تعذيب حتى الموت ينفر منها حتى إبليس ، وضعت في بيوت الرحمة من قبل تلك المحاكم بحجة التطهير من الآثام ! ، ولكنه قال مقولته المشهورة بعد صدور قرار العفو عنه وهو عند بوابة قاعة المحكمة (ولكنها – أي الأرض – رغم ذلك تدور) ! ، وقبلهم بكثير في العصر الإسلامي كان القضاء على ثورة الحسين إلى درجة الإبادة ، بحيث لم يسلم منها حتى الاطفال ، ليظهر بعد ذلك أحد “فلاسفة” السلطة ليقول (إن الحسين قُتِلَ بسيف جَدّه) ! ، لكن ماذا عن العوام السمّاعين لهذه الفتوى ؟ ألا يقولون إنها حرب الجد والحفيد ، فما شأني والإسلام ؟! ، كذلك القمع اللامتناهي لثورة (زيد بن علي) ، الذي صُلب وبقى على الصليب حتى تساقطت عظامه ، ولاقت ثورة (محمد ذو النفس الزكية ) أحد أحفاد الإمام الحسن نفس المصير ، وقُطّعَتْ أوصال إبن المقفّع غدرا وبمنتهى السادية ، وصُلِبَ الحلّاج ، وقضى الإمام ابو حنيفة النعمان في سجنه تسميما من قبل (أمير المؤمنين) المنصور ، لأنه رفض توليته القضاء في دولة ينخر فيها الظلم والإستبداد ، وبعده الإمام (موسى إبن جعفر) وبنفس الطريقة على يد أمير مؤمنين آخر ، هو الرشيد ! ، وقتل شهاب الدين السهروردي على يد صلاح الدين ، عدا الجرائم المريعة التي أرتكبت بحق الكثير من المتصوفة وأصحاب الفلسفة العالية التي لا يزال الغرب يتغنى بها ، منهم (أبن رشد) الفيلسوف صاحب التأثير الكبير على تنوير حضارة أوربا في عصر النهضة إلى درجة أنهم أسموه (أفيروس Averroes) ، ولدرجة أنه ظهر في إحدى لوحات الرسام العظيم (ليناردو دافنشي) المسماة (مدرسة أثينا) ، وقد وصفه الفيلسوف وشاعر إيطاليا الكبير (دانتي ) بأنه (الشارح العظيم) ، لكن كتبه أحرقت في بلاد المسلمين ، فمات كمدا ! ، و (دانتي) الشاعر ، إستوحى ملحمته الشعرية المشهورة (الكوميديا الإلهية The Devine Comedy) من ملحمة أبو العلاء المعري (رسالة الغفران) ، وهذا الأخير كان يُلقّب (برهين المحبسين) ، لأنه كان ضريرا ، حبيس البصر ، وحبيس منزله معتزلا الناس ، لأنه يعلم أن في ذلك نجاته ، ورغم ذلك ، أتهم بأنه أحد الملاحدة ! ، عدا المذابح التي أرتكبت بحق أهل بيت رسول الإسلام لكونهم منافسين (محتملين) للسلطة وبسبب آرائهم الثورية التي يخافونها كثيرا ! ، كذلك إدّعاء الفقيه وعالم البصريات المشهور (الحسن إبن الهيثم) للجنون للإفلات من بطش السلطة ، لأن أمير (مصر) أراد منه إيقاف فيضان نهر النيل ، وإلا فالثمن رأسه ! ، وغيرهم كثير ، فالمئات منهم قضوا بسبب مجرد جملة نطقوا بها ، أو حتى بسبب سفسطة لا طائل منها فتناقلها الوشاة ، وبسبب ذلك ، ظهرت الكثير من جماعات الرأي المعارض السّرية ، أشهرها جماعة (إخوان الصفاء وخلّان الوفاء) ، وجاء (العثمانيون) ، فزادوا الطين بللا بعد بلل ، فقد تفتقت ذهنيتهم السادية عن إختراع (الخازوق) التي يُعاقب به الضحية بعد تقييدها في ميدان عام ، وهو عمود معدني مدبب يوضع في دُبُر الضحية ، ويُدق من قبل الجلاد ، ويحرص هذا الجلاد على إبقاءه حيا من خلال تفادي أعضاءه الحيوية لحين خروج الخازوق من كتفه ! ، عدا مذابح التطهير العرقي والديني التي مارسوها ، هذا ما كان يحصل في بلاد المسلمين ، بحيث أجبروا الناس على النفور والإرتداد عن الإسلام ! ، يذكرنا التاريخ ، أن هذه الأعمال الإجرامية لا علاقة لها بتكريس الإيمان والأديان ، وليس حرصا منهم لمحاربة الكفر ، لأن هذه الأراء كانوا يعدّونها تحدّيا للسلطة أولا ، قبل أن يعدونها كفرا ، من هُنا بدأ مبدأ (سجناء الرأي) الذي إستفحل في جميع الأنظمة العربية حتى لو كانت علمانية ، فضاقت بهم سجونها ، وعانى ما عانى مَن بقي منهم حيا وهو يحسد القاتل والمغتصب واللص من نزلاء سجنه ! ، لكن هذه الآراء أصبحت فيما بعد من المسَلّمات العلمية ، والتي لا تتعارض إطلاقا مع الإيمان ، بل على العكس ، فقد غاب عن منفذي هذه الجرائم ، بأن هنالك شيء واحد غير قادرين على فعله ، لا هم ولا غيرهم ، غاب عنهم أن القناعة الخاصة أو الرأي بهكذا مجال (أي الإيمان) لا يستطيعون إدخاله برؤوس هؤلاء الضحايا عنوة ، فهو قبل كل شيء فطرة ، هؤلاء الضحايا وهم يرون بأعينهم تناقضا صارخا بين دعوة تلك الأديان لإفشاء المحبة والرحمة والعدل ومواجهة الإساءة بالإحسان والعفو والغفران والتحلي بالحكمة ، وبين السادية المفرطة التي يُعامَلون بها من خلال الغدر أو من خلال محاكم صورية سخيفة ، لقد غاب عن العقول الخاوية لأولئك الجلّادين ، أن أي تشدد ، سيظهر أزاءه تشدد معاكس ، فقد سبب هؤلاء الأغبياء ردود أفعال معاكسة شديدة لم تكن لتقع لو توقفت عمليات القمع الرهيب هذا ، ألا ترون أن مسيرة حقوق الإنسان وفترة تبلورها قصيرة جدا بالنسبة لفترة وجود الإنسان على هذه الأرض ! ، لهذا يعتبر في عصرنا الحديث ، أن الإيمان بالله ضرب من ضروب التخلّف ، وقد تعرض بدوره ، أي الإيمان ، لحملات من التشهير والقمع ، فأنت مؤمن ، إذن أنت متخلّف !.

البعض يتصور أن الإلحاد هو الكأس المقدسة التي تمهد الطريق للتطور والحرية المطلقة ، إنه رد فعل أقول عنه غير رصين لأن دافع ذلك ثأري محتقن ، ناتج عن التشدد الديني ، وظهور كهنة الدين في كل زمان ومكان ، والزعم أن الإيمان أكبر قيد يقع في حبائله الإنسان فيقوده للعبودية ، تلك المفردة القبيحة حتى لو كانت العبودية لله ، ولعمري أن هذا النوع من العبودية ، هي الحرية بعينها ..حقا أن الإنسان ما هو إلا حيوان مفكر ومتحكم في غرائزه ، بل أن الله لم يحرّم علينا ذلك السعي الطويل لإكتشاف الحقيقة ، بل باركه وأثنى عليه وأثاب الساعين إليه سُننا وكتبا .

كأناس نؤمن بالعلم (وهو لا يناقض الإيمان كما سنرى ) ، نجد الآلاف من الظواهر التي عجز العلم عن تفسيرها ، وعلينا أن نسلم ، أن ثمة غيبيات تحيط بنا بكثرة لا يستطيع العلم تفسيرها ، من هنا فالعلم ليس إلها بديلا ، وكشخص لا يؤمن بالحلول الوسط ، أجد من الصعب عليّ أن أقيّد هذه الظواهر ضد مجهول ، فأنا أراه ضرب من ضروب العجز والإنهزامية ، وقد تفاديت الخلط بين الخرافات (Superstitions) والأدلة العلمية الملموسة ، وأعترف أن هنالك الكثير من الفخاخ التي عليّ تجنبها ، نظرا لتاريخنا الزاخر بهذه الخرافات .

فيرنر هايزنبيرغ ، ذلك الفيلسوف الألماني والفيزيائي اللامع (ولد عام 1901) ، ذلك الذي ربط بين العلم والفلسفة العميقة ، وأحد أساطين فيزياء الكم (Quantum Physics) ، والذي يظهر اسمه بصورة متواترة لكل دارس أكاديمي في علم الفيزياء ، فلا يوجد مهندس كهرباء لم يسمع به ، صاحب مبدأ اللايقين (Uncertainty Principle)، كان قد إختصر هذا الموضوع بمقوله بالغة (كل من إرتشف من كأس العلم ، قادته تلك الرّشفة إلى الإلحاد ، ولكن عندما يقترب من الإنتهاء من هذا الكأس ، يجد الله في قعر هذا الكأس) ! ، يقصد أن معرفتك بالله ستزداد ، بقدر خوضك غمار العلم ، حقا (إنما يخافُ اللهَ من عباده العلماءُ) .

ماجد الخفاجي
مهندس كهرباء و اسكن في بغداد

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
717متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

عظمة اللغة العربية

في جلسة دفاع دكتوراه في جامعة لايبزغ بألمانيا الديمقراطية، لطالب ألماني ذكي ومجتهد كان أسمه: "أرمين أرنست ، توفي بعدها بسنوات قليلة بحادث طائرة"،...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البيئة في العراق … هزلت ورب الكعبة !!

"الرجل المناسب في المكان المناسب"، وعسكريا "الوحدة بقائدها" ... مصطلحان ينطبقان على القيادة الجيدة وسواء كان ذلك في مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية، وبسبب...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانتخابات القادمة والتجارب السابقة

انا من الذين يُشكلون على العملية السياسية العراقية ضمن الملايين من المراقبين لاسباب متعددة منها ،بسبب التعامل مع الواقع السياسي مباشرة، و وصلت هذه...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اصلاح الامن المناطقي يبدا من مركز الشرطة

سلسة الإصلاح الأمني الحلقة (4) اصلاح الامن المناطقي يبدا من مركز الشرطة عند تناول إصلاح الامن المناطقي من أين يبدأ الإصلاح بالأمن المناطقي؟ ليس هناك ترياق...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اشياءٌ اخرى عن مرشّحي الإنتخابات

نعودُ مرّةً اخرى < بينَ مُكرهين – راغبين > للحديثِ عن مرشّحي الإنتخابات وعن كيفية عرض بضائعهم الدعائية " بالرغم من أنّ معظمهم لا...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ملف تعويضات دور أهل الأنبار

لست من المخولين بالحديث بالإنابة عن أحد منكم في هذا اليوم المبارك , لكنني أنباري عراقي مسلم مظلوم نزح وتهجر من بيته ومدينته أكثر...