السبت 28 مايو 2022
20 C
بغداد

لنذكرهم بالوطن

نقـِّل فؤادك حيث شئت من الهوى
مـا الحـب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفـه الفتـى
وحنيـنـه أبـدا لأول منـزل
ليس على أرض المعمورة مخلوق إلا وله بيت ترعرع ونشأ فيه، وطبع في نفسه الحنين اليه مهما جاب البلدان وتنقل في الأمصار، ففي عالم البحار على سبيل المثال، نرى كيف تقطع أنواع من الأسماك والحيتان آلاف الكيلومترات رجوعا الى موطن آبائها لتضع بيضها هناك، وتفقس الأخيرة بدورها وتكمل دورة الحياة، وتقطع مرة أخرى مسافات عبر المحيطات والبحار لتعيش في نفس مكان آبائها، وتمارس فعالياتها الحيوية كأسلافها.
كذلك في الطيور التي نراها في موسمي الربيع والخريف أسرابا بارتفاعات شاهقة في كبد السماء، قاصدة موطنها الأم عبر الجبال والصحارى، لتكرر نفس الفعاليات الحياتية في وضع البيض، وهذا ديدن الحياة. ونحن بني آدم الذين سخر الله لنا (ما في السماوات وما في الارض)، لنا في مشارقها ومغاربها وسهولها وجبالها أماكن تأقلم كل قوم فيها على ماوفر له الخالق بارضها ومائها وسمائها، ذاك هو الـ (وطن) وكلنا نشترك في حبه والحنين اليه، ولامناص لنا من تفضيله -من حيث نشعر ولانشعر- على بلدان العالم جميعها.
ومفردة الوطن لها مرادفات عدة في لغات العالم جميعها، أما ساحرتنا اللغة العربية ففيها لكل جنس من المخلوقات تسمية لموطنه، فالوطن للإنسان، والعطن للبعير، والعرين للأسد، كذلك باقي الأنواع، فيقال: وجار الذئب والضبع، وكناس الظبي، وعش الطائر، وقرية النمل، وكور الزنابير، ونافقاء اليربوع. والطيور هي الاخرى لكل صنف منها اسم لموطنه، حيث يطلق على ما يضعه الطائر على الشجر وكر، فإن كان على جبل أو جدار فهو وكن، وإذا كان في كِن فهو عـِش، وإذا كان على وجه الأرض فهو أفحوص. وتحصيل حاصل، فالوطن صغر أم كبر! مرعى كان أم ارضا جرداء! جبلا أم واديا! فهو وطن نحنّ اليه ونذود عنه ونلوذ به، وقطعا تتنامى في تكويناتنا الشخصية تبعا لهذا مشاعر وأحاسيس، تنفرد بعشق الوطن حد التعلق به، ولن تبرح هذه المشاعر نفوسنا حتى نوارى في الثرى. وقد تغنى في حب الوطن كثيرون لايقف عندهم عد، ولاينتهي بهم حساب. فهذا أمير الشعراء أحمد شوقي ينشد في وطنه:
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني اليه بالخلد نفسي
ويقول الكاتب الاسكتلندي توماس كارليل: “جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، لكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن”.
أما الجاحظ فقد قال في رسالة الحنين إلى الأوطان: “كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه”.
فعجبي لمن يملك أوراقا ثبوتية تؤكد نسبه الى بلد، وجنسية تشهد انتماءه له، فيما نفسه لاتتوق الى العيش فيه ولاتود رقيّه وتحضره واستقراره وازدهاره، وأسفي أن يكون في بلد مثل العراق أناس يرون ان أصغر الحيوانات تستميت من أجل موطنها، وهم يعتبرون العراق محطة أو (كشكا) يتبضعون منه ويرحلون، هم الذين يتجسد فيهم بيت الشعر:
نحن انتمينا إلى تاريخنا بدم
وآخرون على تاريخهم بصقوا
[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

حسن الظن

حيتان اليوم

مواعيد عرقوبية

صفر %

المادة السابقةلوحةُ وطن
المقالة القادمةالجامعة العربية شاهد ماشافش حاجة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
862متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نحن واسرائيل .. تطبيعٌ أم تمييع !

الحدّ الأدنى من التعليق < الذي لا يستحق أن نكتب اكثر منه > حول قانون تحريم وتجريم التطبيع مع اسرائيل , وهو القانون الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لماذا يرفض ائمة الفساد والخراب والتجسس في العراق, التطبيع مع اسرائيل؟

(1) ان كان هناك قانون يجب ان يصدر من مجلس النواب, فيجب ان يتسق مع دستور الموساد والعمايم والشراويل! لعام 2005, وذلك الدستور ينص على...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تأثير الإحقاد الدفينة على القرار السياسي في بغداد

كل الذين يحملون في دواخلهم الكراهية المقيتة تجاه الكورد، يبثون بشكل يومي، وبسوء قصد وتعنت وإصرار، سموم الكراهية بهدف إثارة النعرات الشوفينية والمذهبية والقومية. هؤلاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اتهام المناضلون والمثقفون العراقيون لماذا كل هذا البغض والاتهام

لايحضى المناضلون والمثقفون برعايه واهتمام من قبل الحكومات والانظمه العربيه ومن الكثير من المثقفين, وادعياء الثقافه وفى كل مناسبه متاحه يترضوا للنقد القاسى الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أمريكا وإسرائيل وإيران تصادمٌ أم تخادمٌ…!!

هل تفضّل أمريكا وإسرائيل وإيران، التخادم أم التصادم بينهم،وهل مانراه من تصعّيد وصراع مخفّي،هو نهاية التخادم أم بداية حرب واسعة بينهم،لقد إلتبستْ الأمورعلى الرأي...

٦٠٠ الف شكراً يا .. وطني !

قضيت في العراق مؤخراً اسبوعين وعدت عليلاً جداً .. ذهبت لكي اتابع معاملة احالتي على التقاعد التي دخلت الان عامها السابع.. نعم هاهو العام...