السبت 20 أغسطس 2022
32 C
بغداد

كوردستان والمحيط العربي

أثار حديث الرئيس نيجيرفان بارزاني رئيس اقليم كوردستان في قناة الشرقية نيوز مؤخرا ارتياحا كبيرا في الاوساط العربية الرسمية والشعبية عامة، وفي الاوساط العراقية بشكل خاص، وبالذات في جزئه الذي تحدث فيه عن العلاقات بين عرب العراق وبين شعب كوردستان وقياداته عبر التاريخ وتطرقه الى ان الخلافات المتراكمة اليوم بين بغداد واربيل هي خلافات عائلة واحدة، رغم ما تقترفه الجماعات الخارجة على القانون والميليشيات السائبة ومن يدعمها بالتعدي على الاقليم واشاعة الكراهية والاحقاد ضده، وما يحصل اليوم ليس غريبا ولا جديدا فمنذ تأسيس مملكة العراق مطلع القرن الماضي، حاولت كل الانظمة المتعاقبة على حكم بلاد ما بين النهرين، مملكة كانت أم جمهورية تخريب العلاقة بين العرب والكورد من خلال تلك الحروب التي كانت تشنها على كوردستان لأخماد انتفاضاتها وثوراتها، لكنها ورغم كل المأسي لم تنجح في تخديش العلاقة بين الشعبين الكوردستاني وبين عرب العراق وبقية دول العالم العربي، حيث حافظت حركة التحرر الكوردية في جميع مراحلها على الأواصر المتينة بين الكورد وبقية الشعوب العربية، بل كانت من أولويات الخطاب السياسي للانتفاضات والثورات الكوردية على مرّ التاريخ، لِما يجمع القوميتين من ثوابت ومشتركات تاريخية وجغرافية في مختلف مناحي الحياة، وحتى أيام الثورات الكوردية كانت المناطق المحررة من كوردستان دائماً ملجئاً للمعارضين والثوار العراقيين على مختلف انتماءاتهم السياسية، بل كانت ساحة لنضالهم ضد الديكتاتورية بدعم لوجستي واستراتيجي من قبل قيادة الحركة التحررية والكوردستانية.

  وحينما تمتع الإقليم باستقلال ذاتي إثر انتفاضة آذار 1991م وإعلان الفيدرالية كأول قانون يصدره البرلمان الكوردستاني في أواسط 1992م، تحول الإقليم إلى ساحة لنضال كل العراقيين من مختلف مشاربهم السياسية، حيث فتحوا فيه مقراتهم ومكاتبهم وكل ما يتعلق بنشاطهم السياسي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، وقد تمتع إقليم كوردستان منذ ذلك الحين بعلاقات طيبة مع الدول المجاورة له، خاصة مع كل من إيران وتركيا وسوريا، والتي تميزت بعلاقات إيجابية وتعاون في كل المجلات نتيجة لنجاح الدبلوماسية الكوردستانية التي قادها الرئيس مسعود بارزاني منذ الأيام الأولى لاستقلال الإقليم عن نظام بغداد، و انبثاق أول برلمان كوردستاني مهد الطريق لتشكيل حكومة ائتلافية هي الأولى من نوعها في التاريخ الكوردي المعاصر بعد حكومة القاضي محمد في جمهورية كوردستان عام 1946م.

  وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين وأسست النظام السياسي الجديد إثر اعتماد دستور دائم للبلاد، الدستور الذي أقرّ واعترف بفيدرالية كوردستان وكيانها السياسي ومؤسساته التشريعية والتنفيذية والقضائية، قاد الرئيس مسعود بارزاني وفريقه منذ 2006 عملية بناء علاقات دبلوماسية رصينة مع المحيط العربي بشكل خاص، حيث تم إرساء قواعد متينة للعلاقات الكوردستانية العربية وعلى مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال زيارات رسمية لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والأردن وليبيا وجمهورية مصر العربية، والتي أدت إلى تمتين العلاقة وفتح ممثليات وقنصليات لها في عاصمة الإقليم وبداية انفتاح كوردستاني واسع على المحيط العربي الذي طالما فعل الإعلام الأسود فعلته في تشويه تطلعات الإقليم الكوردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم وعلاقته التاريخية بالعرب شعوباً وفعاليات سياسية عبر موروث كبير من الإيجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، رغم ما فعلته أنظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة وإعلامها الأسود طيلة نصف قرن من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء من أجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور منذ تشاركوا في الأرض والمصير.

   

 إن ما يجري اليوم من بعض المجموعات المتطرفة في اشاعة الكراهية ضد الكورد باستخدام الوتر الطائفي تارة والوتر القومي تارة اخرى سيصطدم بجدار صلب من العلاقة التاريخية بين العرب والكورد سبق لأعتى الدكتاتوريات أن فشلت في اختراقه، هذه المجموعات الميليشياوية تعمل منذ سنوات وتطمح أن تحيل الخلافات السياسية بين الاقليم والحكومة الاتحادية الى فتنة قومية او طائفية مقيتة، من خلال العمليات الارهابية التي تقترفها ضد الاقليم، وقراءة سريعة للتضامن العربي والعالمي مع كوردستان بعد قصف مطارها من قبل ميليشيات ارهابية دليل على صلابة هذا الجدار وقوة الاقليم وسمعته ومكانته عربيا وعالميا، ومتانة الاواصر بين كوردستان والعرب سواء في العراق او بقية الدول العربية الاخرى.

[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
868متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

غاندي العراق والأمل المفقود

أطلق نائب عراقي سابق ومحلل سياسي حالي لقب (غاندي العراق) على مقتدى الصدر، ودعاه إلى مواصلة اعتصامه حتى تحرير العراق، ليس من 2003 وإلى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل جاءت الأديان… من اجل …عذابات البشر..

أي دين هذا ...الذي يقر بتدمير القيَم ..؟ كل كتب الاديان السماوية والأرضية أبتداءً من الزبور مرورا بالتوراة والانجيل وختاما بالقرآن العظيم ..تحدثت عن عذابات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بسبب ابي لهب اعتنق الاسلام

لا تعبث بالمكان الذي ترحل منه ، لا تعبث بالدين الذي تتركه الى غيره، لا تعبث بالفكرة التي لا تؤمن بها، تعلم ان تظهر...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

من أسباب شيوع الكراهية

الكراهية لها أسباب عدة، منها المرضية، أي السيكولوجية، بسبب الشعور بالدونية او السقوط تحت وطأة الشعور بالفشل .. ومنها ما يتعلق بالتقاليد كالثأر مثلاً .. واما...

التشُيع السياسي والتشُيع الديني حركتان ام حركة واحدة

فهم موضوع التشيع السياسي فيه حل لكثير من عقد وحروب السياسة واختلاطها على المتابع ، وهو مهم جداً، لسلامة العقيدة عند اصطفاف المعسكرات ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رجل يعيش الحياتين!!!

رجل يعيش الحياتين!!! في كل ردهة من ردهات المستشفى تجد حالات غريبة وعجيبة فلكل انسان ظرفه الخاص وهمومه الخاصة وكل انسان يحمل مرضا معين يختلف...