الجمعة 22 أكتوبر 2021
22 C
بغداد

ايران والقلق العراقي

انعكس تمدد النفوذ الايراني وتحكمه بشؤون العراق في بلورة موقف شعبي رافض تجلى بوضوح خلال انتفاضة تشرين وشعاراتها، رغم استخدام آلة القتل الهمجية ضد متظاهرين سلميين في أبشع جريمة سياسية يرتكبها النظام العراقي بعد 2003، ما جعل وزير خارجية ايران محمد جواد ظريف يستهل زيارته الحالية لبغداد بشعار عدم التدخل بالشأن الداخلي للعراق، لكن الصور والمعلومات المنتشرة اعلاميا عن اجتماعه بقادة الاحزاب الشيعية والسنية وكذلك بالرئاسات الثلاثة، تؤكد أن الزيارة تخرج عن إطارها الدبلوماسي وتبادل المصالح ، الى دور سياسي مركزي ونافذ يوسع نطاق الحضور الايراني متمثلا بوزارة الخارجية، مع الإبقاء على دور الحرس الثوري الايراني المهيمن على المشهد العراقي منذ الانسحاب الامريكي في 2011 .
خطوة جاءت بعد الاخبار المتسربة عن اجتماع امريكي _ ايراني مباشر جرى في بغداد بوساطة عراقية في الايام الماضية وصفه بعض المراقبين بأنه أكثر ايجابية من مفاوضات فيينا، ومن المؤكد أن إيقاف نشاط الاذرع الايرانية العاملة بالعراق ضد المصالح الامريكية كان أحد شروط الطرف الامريكي في رفع العقوبات الامريكية أو تخفيفها عن ايران، مما يدفع الأخيرة الى نقل الدور من الساحة العسكرية الى الساحة السياسية تحت غطاء العلاقات الدبلوماسية .
ترتيبات لم نستمع فيها لطرف سياسي عراقي يتحدث عن مصلحة العراق وتعويضه عن خسائره من صراع الطرفين الامريكي _ الايراني في واقع عراقي شديد التأزم والمعاناة والهشاشة الداخلية والخارجية جراء تحويله الى ساحة تنافس وصراع ايراني _امريكي، وتمحور الفرقاء السياسيين العراقيين حول طرفي النزاع وتمييع الموقف الوطني .
لقد ادرك العراقيون وتحت ضغط الأزمات المتفاقمة مثل أزمة البطالة والصحج والكهرباء والغلاء، عدم قدرة النظام السياسي على اصلاح منهجه بعد أن استثمره الفاسدون استثمارا تاما ، ولايستجيب إلا بضغوط تبلغ درجة المطالبة بإسقاط النظام، وهنا لاتستطيع ايران أن تقدم الحلول لأزمة النظام العراقي لأنها تعاني أزمات مماثلة إن لم تكن أكثر إيلاما، الأمر الذي دفع ايران الى التعجيل بترميم تصدعات الجبهات العراقية الداخلية من خلال توحيد الصف الشيعي، وتصفية الخلافات بين الاطراف السنية، في مسعى حثيث للحفاظ على تماسك النظام وعدم خروجه عن السيطرة .
جديد المشهد العراقي ربما يتنافر مع اللحظة السياسية للوزير الايراني لأنها مازالت تعتمد على ذات الشخصيات والهياكل السياسية الشيعية التي أثبتت فشلها بفصول رواية مأساوية عمرها ١٨ عاما ، وفي المسرح تبرز شخصيات بادوار ماعادت تضبط حركتها على الايقاع الايراني فقد أصبحت تبحث عن موقفها المتفرد بعد تمكنها من تحقيق قدرات مالية وسياسية وتسليحية فاعلة، وتحظى بتمثيل برلماني وحكومي ونفوذ يتصاعد بالترافق مع ضعف الحكومة، كما أعلنت بعض الاحزاب والتيارات قراراتها الطموحة في بلوغ مرتبة السلطة والتحكم في شؤون الدولة العراقية دون وصاية من أحد ، والتنافس على أشده بين اطراف شيعية متقاطعة والأمر يتكرر بين اطراف سنية أيضا ، مايجعل الوضع ينذر بصدام داخلي لاتستطيع كبح جماحه المساعي الايرانية .
تقاطعها مع الحراك الشعبي والسياسي وقوانين تطوره الوجودية والذاتية، ومواجهته بالقمع والإبادة واتهامه بالكفر والجحود، تشكل أحدى ثوابت السياسية الايرانية خصوصا في الدول التي تتمدد فيها على بساط المذهب، مايضعها بتصادم مستمر مع القوى الشعبية والسياسية لتلك الدول .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
738متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كيف يحمي الشيعة انفسهم ؟

قبل الجواب على السؤال علينا ان نسال من هم اعداء الشيعة ؟ هل هو الحاكم ، ام المنظمات الارهابية ، ام الامم المتحدة ومن...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الى أنظار السادة في البنك المركزي العراقي

في مبادرة إنسانية رائعة أطلق البنك المركزي العراقي سلفة مالية لموظفيه لتمكينهم من شراء دار سكن لهم . وهذه مبادرة رائعة يشكر عليها القائمون...

وعي الجماهير بين مشروعين دويلة الحشد الشعبي وشبح الدولة القومية

(إلى الأمام نحو انتفاضة أخرى) لقد نجحت العملية ولكن المريض مات، هذه الجملة أقل ما يمكن أن توصف بها الانتخابات، التي طبلت وزمرت لها حكومة...

لا يرحمون ولا يريدون رحمة الله تنزل!

لعلك سمعت بالعبارة الشائعة التي تقول "تمسكن حتى تمكن!" والتي تطلق عادة على الشخص المنافق الذي يصطنع الطيبة والبراءة حتى يصل الى هدفه ثم...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق..والعودة لعهود الإنقلاب!!

الإنقلابات هي السمة الغالبة على حياة العراقيين منذ أن بزغ فجر البشرية ، ويجد فيها الكثير من ساسة العراق ومن دخلوا عالمها الان ،...

معضلة رئيسي

لاتزال وسائل الاعلام العالمية تتابع وعن کثب موضوع دور الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في مجزرة عام 1988، والمطالبات الاممية المتزايدة بمحاکمته أمام المحکمة الجنائية...