الاستغلال السياسي للدين والطائفة

الاديان والطوائف في عالمنا العربي والاسلامي لم تعد مجرد ايمان وانتماء الى دين او طائفة معينة والدفاع عنها فكريا ، بل اصبحت إستراتيجيات خطيرة لتنفيذ اهداف سياسية ومصالح دولية واقليمية متعددة . وعندنا في العراق وسوريا ولبنان واليمن والان في ليبيا وتونس ، وقبلها في مصر والجزائر تم توظيف الدين والطائفة لتفتيت المجتمعات العربية واضعافها وبالتالي السيطرة عليها ، واذا اخذنا العراق انموذجا نجد ان اول خطوة قام بها الامريكان عند احتلال العراق تشكيل مجلس حكم يستند على طوائف ومكونات لتقسيم المجتمع الواحد الى فئات متناحرة . وجاء الدستور ليعزز هذا المبدأ . الا اننا نجد في امريكا مثلا اديان وطوائف شتى ، ولكن الدستور الامريكي لم يؤسس الدولة على وفق هذه التقسيمات سواء على صعيد السياسة اوتوزيع السلطات الاجتماعية .

لقد تحولت الشعوب العربية الى طوائف متناحرة ، تحت شعارات اسلامية متعارضة ، حتى اصبحت الحروب الطائفية السمة الاساسية لهذه المجتمعات ، وبذلك يتم التخلص من كل فكر عربي جامع او تقدمي او حضاري للبلدان العربية .
وتم تاكيد هذه السياسة بعد حرب 1973 التي اثبت فيها العرب قدرتهم على مواجهة التمدد الصهيوني ، واعطى مؤشرات خطيرة على امن الدولة العبرية .

واذا كانت الدول العربية تواجه اسرائيل كل عقد من الزمان تقريبا ، فان العرب الان يحاربون بعضهم بعضا داخل كل دولة عربية ، وهناك من يسأل مالذي فعله العرب ؟
وكأنه وجد الحل !

لقد فعل العرب على ضعفهم مالم يفعله دعاة الممانعة والمقاومة والشعارات الاسلامية الاخرى .

التحالف الاستراتيجي الاسرائيلي الامريكي وظف الاختلاف الطبيعي بين الطوائف والقوميات الى حروب اهلية دامية مازالت مستعرة الى وقتنا الحاضر ، بدل التعايش السلمي الذي كان سائدا .
وجعل من تركيا وايران ودول اخرى مخالب قط اقليمية لتنفيذ هذا المخطط .
ولو كانت هناك حرب طائفية فعلية فلماذا لاتتقاتل تركيا وايران مثلا . ولماذا ينسقون مواقفهم لتجنب أي صدام محتمل . بل انهم يتبادلون المصالح والمنافع على أرضنا العربية . وحتى البيادق التي يلعبون بها هم العرب انفسهم ، بعدما تم تغيير معتقداتهم وافكارهم على مدى سنوات من تطبيع السلوك الجمعي العربي وتحويله الى ديني طائفي متعصب .
وبعد تنفيذ الحرب الطائفية المفتعلة في العراق تم تجنيد السوريين للقتال فيما بينهم قبل ان يسخروا فيما بعد في حروب اقليمية مثل ليبيا واذريبيجان غيرها .

وفي اليمن تم استغلال طموح الشعب اليمني( بما فيه الزيديين والحوثيين) لحكم عادل وآمن ، فحولوا الحراك الجماهيري اليمني الى حرب طائفية لم ولن يستفد منها احد ، فحل الجوع والمرض والخراب في كل مكان .

لقد شهد جيل كامل بأم عينيه عملية شيطنة وتشتيت صراع الشعب ضد الدكتاتوريات والأنظمة السلطوية في المشرق العربي ومغربه ، وحرفه إلى صراعات محلية واقليمية ، تتبنى خطاب الشحن المذهبي والطائفي . وقد ساهم هذا الاستقطاب في تهميش مطالب الشعوب وتطلعاتها إلى الكرامة والحرية .
ورافق ذلك استخدام الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات لتأليب الناس بعضهم ضد بعض . ففي العراق مثلا هناك اكثر من خمسين محطة فضائية طائفية ، اضافة الى محطات اقليمية وعربية موجهة لهذا الغرض .

لم يدرك العرب الى يومنا الحاضر مخطط تقسيم وتفتيت مجتمعاتهم وبالتالي افشال دولهم . هذا المخطط الذي بشر به بريجينيسكي مستشار الامن القومي في عهد الرئيس كارتر . والذي يقوم على اساس التفتيت الطائفي والعرقي للدول العربية .
لقد صرح أرييل شارون الذي كان وزيرا للدفاع فى مقابلة مع صحيفة معاريف فى 18/12/1981 أن الظروف مواتية لتحقيق مشروع تفتيت الدول العربية، وبسط الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة .

في مصر وهي اهم دولة في العالم العربي ، تم افتعال العديد من الفتن الطائفية ، وخصوصا بعد ثورة 25 يناير ومثلت اكبر تحدي للشعب المصري . وفي عهد محمد مرسي ، اصبحت الخطابات الطائفية اكثر وضوحا ، مما اثارت المرارة في صفوف المصريين . ولولا الحركة التصحيحية للجيش المصري بمؤازرة الشعب الواعي لذهبت مصر الى المجهول.

وبعدها تحولت الدول العربية الى منطقة حروب اهلية طائفية فتم تدمير الدولة في سوريا ، ثم لبنان وليبيا . وفي العراق قامت الحكومات المتعاقبة بتجريده من الصناعة والتجارة والزراعة . وعطلوا الطاقة الكهربائية عصب الحياة التكنولوجية فانتشرت البطالة بين الشباب وعلى الاخص في الجنوب البائس الفقير . ونشروا الرشوة والفساد وتزوير الانتخابات والتلاعب بالرأي العام في كل مكان ، وانسحب ذلك الى اغلب الدول العربية التي تعطلت فيها كل مقومات الحياة الكريمة .

في العصر الحديث قامت دول كثيرة ، غربية وشرقية بتفكيك التكتلات الدينية والعصبية التي كانت سائدة عندها ، ليحل محلها افكارا وعقائد وطنية تستند على ايديولوجيات سياسية واجتماعية . فساعد هذا التوجه على نشر روح المواطنة والتعاون المشترك في الدولة الحديثة . وعزز قيم التسامح واحترام الآخر ومعتقداته ، بعيدا عن اي انتماءات دينية اوطائفية .

الوطن هو بيتنا الكبير والسقف الذي ياوينا ويضمنا ويحمينا . ويتوجب علينا تعزيز الروح الوطنية والولاء له والدفاع عنه لاتفتيته وتقسيمه .

وكما بدأت عمليات التوظيف الطائفي لتخريب المجتمعات العربية من العراق بعد احتلاله ، فان عودة الوعي ستأتي هي الاخرى من العراق ، وسيعود الوعي الجمعي العربي البعيد عن التوجهات السياسية الدينية والطائفية في كل المنطقة . ليحل الفكر التقدمي المتحرر الواعد بمستقبل أفضل .

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةمنا وبينا
المقالة القادمةدي أمريكا ياگدعان كيف تهان

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
805متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فلسفة لعبة الكراسي

قبل أيام ظهر خبر عن وفاة السيد مهاتير محمد باني بلده الحديث والنموذج القيادي الفذ، ثم ظهر انه كان في حالة صحية حرجة وشفاه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البنية الأيديولوجية لداعش خرقت نواميس الواقع ومنطق الطبيعة؟

الله سبحانه وتعالي خلق هذا الكون بشكل منظم جدا وبشكل دقيق جدا وبشكل هندسي جدا فتبارك الله أحسن الخالقين. التفاعل يسري بين جميع الأشياء...

لماذا نهايات الافلام تعيسة؟

هل لان الشعوب غاوية نكد وترى حياتها مأساة قائمة والنهايات الحزينة تجد فيها متنفسا لها ام الموضوع له ابعاد اخرى اقتصادية ربح وخسارة ومن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

د. لقاء مكي قامة إعلامية ومحلل سياسي وشخصية كارزمية حظيت بتقدير الكثيرين

د. لقاء مكي قامة إعلامية وصحفية وكفاءة مهنية مشهود لها بالحرفية والإتقان في مجالات البحث الاعلامي ودراسات الاتصال الجماهيري ، وهو الذي تخرج من...

الأوكرانيين وزمهرير السيادة المستباحة

قبل سنوات وأنا اطالع الصحف العالمية جلب انتباهي مانشيت مكتوب بالحروف العرضية سيادة الدول المستباحة. نعم سيادة الدول تكون مستباحة في حالة ضعف حكوماتها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما خطورة بقاء السلاح بيد عصابات وعشائر وأشخاص منفلتين ؟!

لم تتخذ الحكومات التي توالت على حكم العراق ما بعد عام 2003 للأسف الشديد خطورة بقاء السلاح بيد جماعات مسلحة مدعومة من قبل اطراف...