مسالخ الطب في العراق

لفترة زمنية زادت عن خمسة اعوام ، اصبحت لي تجربة شخصية في مراجعة عيادات الاطباء الخاصة والمستشفيات الاهلية ، اضطررت اليها بعد ان تدهورت بشكل مرعب احوال المستشفيات الحكومية بعد العام ٢٠٠٣ . بامكاني ان اقول عنها ، من غير ان اتجنى على احد ، بانها تجربة تجرعت فيها طعم المرارة ، إذ تركت في داخلي افكارا سلبية ، اختلطت مع مشاعر الغضب والكراهية، ازاء ما اصبحت عليه مهنة الطب في العراق ، فقد تحولت هذه الاماكن في آليات عملها ومنهجها في التعامل مع المريض الى مايشبه المسلخ ، حيث لايسمع في اركان عياداتها وصيدلياتها ومختبراتها ، اي صدى للقسم الانساني العظيم الذي ردده جميع الاطباء يوم تخرجهم ، فأنت لن تجد فيها اثرا للرحمة والرافة ، في اجرة الاطباء وفي فواتير الادوية والمختبرات .
وسينعقد لسانك من اثر الصدمة ، وانت ترى الاحتيال ، قد نال من تفكير اغلبية الاطباء ، بدل المصداقية ، فالمهم بالنسبة لهم ، ان يرغموك على ان تراجعهم اكثر من مرة ، وان تجري جملة فحوصات مختبرية كلما راجعتهم ، وبذلك لن تفلت من قبضتهم ، الا بعد ان ينفضوا من جيوبك ما تحمله من مال ، كنت قد جمعته بشق الانفس .
اسمع قصصا كثيرة من اصدقائي الذين يعيشون في الغرب ( الكافر) ، واكاد لا اصدق ما اسمعه منهم ، حول عظم المسؤولية التي تتحملها الدولة في رعاية مواطنيها من الناحية الصحية ، فلا اجد نفسي إلا وانا اشعر بالغيرة مما يلقاه الانسان هناك من رعاية وتقدير لحياته ، وعندما اقارن ذلك ، بما نواجهه من مشاق ، اذا ما اصابنا مرض ،لا استطيع ان امنع نفسي من كيل سيل من اللعنات على تلك اللحظة القدرية التي جعلتني اولد في بلد يدعي متفاخرا في دستوره بانه بلد مسلم ، وكنت ارجو ان يحالفني الحظ، واولد في بلد محسوب من قبلنا “نحن الشعوب المؤمنة ” في خانة الكفر والالحاد والسقوط الاخلاقي .
لن اكون مغاليا عندما اقول بان السنين التي سبقت سقوط الدولة عام ٢٠٠٣ ، كانت الدولة متكفلة بتقديم اغلب الخدمات لجميع المرضى ، وباجور رمزية ،لان كل المستشفيات كانت حكومية.كما حرصت الدولة على بناء المراكز الصحية والعيادات الشعبية في جميع المناطق السكنية ، في المدن والارياف.
اعلم جيدا ان البعض سيهز راسه ويضحك ،لانه قد اكتشف الدافع “الخفي والمسموم ” لكلامي هذا ، وسيقول ملتفتا الى من يجلس الى جانبه :” واضح ان الأخ ، مضغوط طائفيا من النظام الجديد ، ومايزال يحن الى ايام البعث الكافر ” .
بكل الاحوال لاجدوى من الرد على هؤلاء .
نقابة الاطباء والصيادلة ووزارة الصحة العراقية في بغداد وفي اقليم كوردستان ، هل ستبقى ملتزمة الصمت ، ازاء ماوصلت اليه الاوضاع من جشع لايليق بمهنة انسانية في شكلها وجوهرها ؟
الخلاصة ان بقاء الحال على ماهو عليه ، هذا يعني ان ملايين البشر من الفقراء اذا ما اصابهم مرض مزمن، عليهم ان ينتظروا ساعة موتهم في بيوتهم ، طالما فرصة العلاج متاحة للاغنياء فقط .
عندما انتهيت من كتابة افكاري” المسمومة ” نظرت الى عقارب الساعة ،وكانت تشير الى ٤١ : ٥ صباحا .

مروان ياسين الدليمي
شاعر وكاتب واعلامي ، اصدر ثلاث مجاميع شعرية : رفات القطيعة 1999 ، سماء الخوف السابعة 2010 ، منعطف الوقت 2015، ينشر في عدد من الصحف : القدس العربي ، راي اليوم ، العربي الجديد ، العرب ، الزمان .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
805متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فلسفة لعبة الكراسي

قبل أيام ظهر خبر عن وفاة السيد مهاتير محمد باني بلده الحديث والنموذج القيادي الفذ، ثم ظهر انه كان في حالة صحية حرجة وشفاه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البنية الأيديولوجية لداعش خرقت نواميس الواقع ومنطق الطبيعة؟

الله سبحانه وتعالي خلق هذا الكون بشكل منظم جدا وبشكل دقيق جدا وبشكل هندسي جدا فتبارك الله أحسن الخالقين. التفاعل يسري بين جميع الأشياء...

لماذا نهايات الافلام تعيسة؟

هل لان الشعوب غاوية نكد وترى حياتها مأساة قائمة والنهايات الحزينة تجد فيها متنفسا لها ام الموضوع له ابعاد اخرى اقتصادية ربح وخسارة ومن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

د. لقاء مكي قامة إعلامية ومحلل سياسي وشخصية كارزمية حظيت بتقدير الكثيرين

د. لقاء مكي قامة إعلامية وصحفية وكفاءة مهنية مشهود لها بالحرفية والإتقان في مجالات البحث الاعلامي ودراسات الاتصال الجماهيري ، وهو الذي تخرج من...

الأوكرانيين وزمهرير السيادة المستباحة

قبل سنوات وأنا اطالع الصحف العالمية جلب انتباهي مانشيت مكتوب بالحروف العرضية سيادة الدول المستباحة. نعم سيادة الدول تكون مستباحة في حالة ضعف حكوماتها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما خطورة بقاء السلاح بيد عصابات وعشائر وأشخاص منفلتين ؟!

لم تتخذ الحكومات التي توالت على حكم العراق ما بعد عام 2003 للأسف الشديد خطورة بقاء السلاح بيد جماعات مسلحة مدعومة من قبل اطراف...