السبت 24 تموز/يوليو 2021

دور العبادة ..إلى أين ( 1) ؟

الاثنين 19 نيسان/أبريل 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

كلنا نلجأ في لحظة من حياتنا أو مرحلة من عمرنا إلى الرب في دور العبادة, للصلاة والتقرب إليه , إن كنا فرحين أو حزينين , نطلب منه بكل خشوع وإيمان مُرادنا. والإنسان المؤمن غالباً مايلجأ لدخول الكنيسة لإشعال شمعة للصحة والعافية, وتحقيق أمنية أخرى .

وتستقطب دور العبادة معظم المواطنين من الديانات الأخرى كنوع من الإهتمام والفضول, كدخول المسلمين في الكنائس لرؤيتها عن كثب والتعرف على أهم معالم الكنائس من الداخل وصلاة أهلها.

نفس الشيء نقوله بالنسبة للمسيحيين عندما يدخلون  لرؤية الجوامع والأضرحة  ولنفس الأسباب التي ذكرتها أعلاه. وهكذا بالنسبة لبقية دور العبادة الأخرى, كالمعابد اليهودية, والصابئة …..الخ .

تأتي زيارة دور العبادة في مقدمة برامج السياحة في دول العالم المختلفة, في اليونان مثلاً , نجد العديد من الكنائس القديمة, بأنفس الإيقونات ونقرأ عن عجائب حدثت فيها .

ومازالت دور العبادة ومنذ القدم تستقطب السُياح وتُثير إهتمامهم من مختلف الجنسيات لإنها تعتبر جزء من ثقافة أهل البلد, وعليه تأتي في مقدمة برامج السياحة  .

من أمنياتي زيارة إيطاليا, لأزور الفاتيكان الذي أعتبره قِبلة المسيحيين على مختلف مذاهبهم, ولكن للأسف شهد هذا المكان أكبر عمليات الفساد والإنحلال الخُلقي متمثلة بعائلة بورجيا الحاكمة قبل قرون .

دائماً اذكر  زياراتنا  لكربلاء عندما  كنا من سكنة محافظة بابل, كانت أمي تقول ” أول شيء زيارة, ثم نذهب للأسواٌق” وماهي إلا دلالة على إحترامها لأضرحة الأئمة وأديان الشعوب الأخرى .

في صوفيا, عاصمة بلغاريا, توجد العديد من الكنائس القيّمة التي يرتادها السُياح والبلغار على حدٍ سواء .ومن الكنائس التي تُثير إعجاب  السيُاح واهل البلد, ويحلو لهم زيارتها وإرتيادها بين  الفينة والأخرى, هي كنيسة القديسة ” نَدلا” والتي تقع بالضبط في مركز العاصمة. فهي معروفة بإيقوناتها الجميلة والمتنوعة ورسومات القديسيين على حيطانها وسعة الكنيسة .

تطلب الأمر قبل سنين طويلة أن اذهب للكنيسة, عندما رأت أمي معاملة البلغار غير العادلة وغير اللطيفة معي . لسؤال أحد القساوسة عن طريق للسفر. دخلت على عجل إلى الكنيسة, وإذا بقس طويل القامة برأس طويل, جاء في طريقي وكأنه كان بإنتظاري,  ولكنه لم يُبدي هذا الإهتمام أو اللطف الذي أتوقعه من رجل دين, وبقدر ماكانت نظراته فيهما عتاب لأنني دخلت الكنيسة, شعرت أنه يريد أن يعرف وعلى عجل سبب مجيء.  وإمتثالاً لنصيحة أمي, سألته هل من وسيلة للسفر؟ فما كان منه إلى أن خرج من الكنيسة واشار بيده ان اخرج معه, ووقف أمام باب الكنيسة, ماداً ذراعه أفقياً على الطريقة البلغارية , وبإصبع السبابة مشيراً إلى الأمام , قائلاً ” هذا هو المطعم “, وكأنه يريد طردي !! وعلى نيتي الطيبة ذهبت للمطعم ظناً مني أنه لربما سيكون شخص ما هناك, له علاقة بالقس وسؤالي, ممكن ان يساعدني في الأمر !!

ولكني للأسف لم أجد شيء, سوى  بعض العاملين والنادلين فيه يجهزون الموائد لقدوم الزبائن, حيث كان صباح باكر .

رجعتُ لأمي , ورويت لها ماحدث لي وهذا القس غير الطيب, وخيبة أملي غير المتوقعة, حتى إنه لم يُكلف نفسه بالسؤال عن أمي ورغبته بلقائها, للإستفسار منها عن الأمر . لفترة طويلة من هذه الحادثة لم أدخل الكنيسة أو اي كنيسة اخرى. ولأنني كنتُ قليلة الخروج, لم اكن أعرف طرق واماكن صوفيا جيداً . كنتُ أعيش شبه عزلة, لولا قدوم  أمي بعد سنتين من وجودي في هذا البلد . لم تكلف شقيقتي نفسها, بالخروج معي إلى العاصمة والتنزه فيها معاً, حيث شهدت بلغاريا تغييرات في الشوارع الرئيسية منها, من بناء وإصلاح, وفتح محلات لبيع مختلف الأشياء ذات الجودة . من هذه الشوارع هو شارع فيتوشا الذي يقع مقابل كنيسة القديسة نَديلا,  وينتهي في تقاطع  مقابل القصر الثقافي البلغاري . إلى قبل كم سنة كان الترام يمر في هذا الشارع , ولكنهم إرتأوا برفع سكة الترام وجعله شارع خالي من الضوضاء, شارع للتنزه تفترش المقاهي والمطاعم على جانبيه, وأمام المحلات . مع وجود مصاطب للجلوس عليها, والإستمتاع بمرأى المارين وبشارع فيتوشا .

كانت شقيقتي ترفض الخروج معاً,  فكنت قبل مجيء أمي من العراق, امكث في القسم الداخلي,  بناء على نصيحتها, حيث كنتُ شديدة الخجل, بالكاد كنتُ أخرج, فقط حول الأماكن الموجودة حول القسم الداخلي, كنتُ لااشعر بالأمان وقد زاد هذا الشعور عند إختلاطي بالناس,  ومواجهتي لطبيعتهم الخشنة والفظة , معتقدة إنني بالصدفة أواجه ناس خشنة, وكم من المرات تسألت لماذا هم معي هكذا, رغم أدبي وحُسن تعاملي مع الجميع .

كل هذه الأمور إمتنعت شقيقتي من لفت إنتباهي إليها وبحجة إنها عندما أتت إلى بلغاريا واجهت الحياة لوحدها من دون مساعدة أحد  !!

مرت السنون على حادثة الكنيسة مع هذا القس, ولم ادخل الكنيسة إلا مرة حاولت دخولها حيث  قادتني اقدامي إليها, ففوجئت برؤية دائرة حمراء مشتعلة بشكل غريب, موضوعة على ستارة الكنيسة  كأنها تحذير من شيء مهم, فلم أدخلها, وللعلم هذه الستارة مرة يضعونها ومرة يرفعونها. وبعد فترة قصيرة أسمع عن حادثة مُهينة لشابة كنتُ قد تعرفتُ عليها, حيث كانت ترتاد في نفس الكنيسة, طلبت من أحد القساوسة أن يدعي لها بالخير لكي تجد زوج , فما كان من القس إلا أن سألها ” هل لديكِ وسط من الأصدقاء” فأجابته ليس كثيراً. فقال لها في حال إيجاد صديق إسمحي له ان يلمس صدركِ !!!

لقد كان كلامها, كوقع الصاعقة على رأسي, فقلتُ لها مستحيل أن يصدر من قس مثل هذه الإهانات, فأجابت أقسم لكِ , قال لي هذا بالحرف الواحد . ومن الصدف إنها ذكرت نفس الكنيسة, كنيسة القديسة نَدَلا, مما زاد تحفظي اكثر من الذهاب إليها أكثر من أي وقت مضى .

في هذه الفترة كانت تحدث أمور عجيبة وغريبة لبعض الناس, من ضمنهم أنا, في إحدى المرات كنتُ أتمشى في بداية جسر الأسود, كنت متوجهة لإحدى محلات بيع الأقمشة هناك, وإذا بصوت خلفي وبلهجة آمرة” أصعدي فوق !! خفتُ وفي الحال إلتفتُ خلفاً ناحية الصوت, لأرى المتكلم, فإذا بي أجد ضباب أبيض وبعض العبارات كمأدبة طعام , نسمح لكِ بإقامتها,  ووجدتُ نفسي أمام باب عمارة , وتلقائياً صعدتُ لأجد باب مفتوح في الغرفة مكتب خلفه جالسة شابة بعينين خضراوتين صغيرتين ورأس كبير طويل يشعُ من وجهها غباء لايوصف .

لاأنكر إنني كنتُ خائفة من الموقف كله من هذا الشخص خلفي المتخفي خلف الضباب الأبيض, وقوله ” ستقومين بمائدة,  وغيرها من الكلمات المبهمة !

إتضح ان الغرفة التي دخلت فيها, هي مكتب للترجمة, إلتزمت الصمت التام وأنا انظرإليها بحذر ! ثم سألتني من أرسلكِ إليّ !! ممازاد حذري أكثر وشكوكي أن في المسألة شيءٌ ما ؟ ولكن ماهو هذا الشيء لاأعرفه .

أنتابني الفضول لأعرف من هي, فإذا بها قد باشرت بالتحدث,  رغم إنني لم اعرفها بنفسي أو من أي بلدٍ أنا !

فقالت إسمي سنَجانكا أي قطر الندى بالعربي !! فسألتني من ارسلكِ, فألتزمت الصمت, ثم واصلت حديثها بالقول  كان لي صديق كردي,  وقد سافرت معه بدعوة منه لزيارة أهله في شمال العراق, ولكنها إستنكرت عدم إلتزام العائلة بالنظافة ! فسألتها” هل طلبكِ للزواج ؟ ”  فقالت” كنا مجرد اصدقاء ” !!  فأجبتها  ” إن الأكراد عند عرسهن  يُهدي العريس لعروسته, تنكة ذهب دلالة على مكانة العروس وثراء أهل العريس . وبيوتهم معروفة بالمرمر والنظافة ” .

كان كلامها يبدو لي غريباً. وكل الوقت كنتُ أتسأل من الذي دفعني إليها ولماذا ؟ حقيقة لم أرد ان أتعمق في حديثي معها, لأنني وجدتها غامضة وغريبة عني . شيء واحد متأكدة منه, أن في الأمر شيء ما ؟

إقترحت عليّ  أن اعطيها شيء حتى يترجمه مكتبها, كشهادة التخرج, وأي شيء من هذا القبيل .

إستغليتُ الفرصة لأسألها عن فرصة العمل كمترجمة في المكتب, حتى وان كانت على الإجور . فأمتعضت من سؤالي, وكررتُ السؤال, فقالت سأسأل مدير المكتب. بعد مرور فترة طويلة, ,ادعت أن لغتيّ البلغارية والإنكليزية ضعيفتان !! وانا مُدرسة لغة إنكليزية !! .

قمتُ بترجمة بعض الوثائق كشهادة التخرج وبعد ذلك شهادة وفاة والدي رحمه الله. ولم تطلب مني أي شيء بالمقابل .فقلتُ لها هذا لايجوز, عليّ بدفع إجور الترجمة, فرفضت رفضاً تاماً من ان أدفع الأجر.

مرت السنون, وانا لم اقرب لهذه الكنيسة, رغم تأكيدات أمي بالذهاب إليها, وإشعال شمعة من أجل الصحة والعافية . سافرت للعراق ومرت بي هناك من الحوادث ما يوجع القلب ويدمع له العين .

أفكر بعد كل هذه السنين, كيف ان خشونة تصرفات الناس أو سياسة البلد غير العادلة التي تؤثر على كل المؤسسات والمرافق, تمنع الناس  كما هي العادة من الذهاب إلى دور العبادة لدعوة الرب على سلامة السفر والرجوع  والصلاة فيها. ولو إفتخرت الدول بثقافاتها وتراثها, لتعلمنا الكثير عن بلدان العالم وساهم في تعايشنا. ولكن يبدو ان هتلر مازال يضع بصماته بحذاقة في كل تفكير وتصرف وسلوك من المواطن الأوروبي, مُقنعاً إياهم إنهم في القمة بالذات العرق الآري . ولاأدري كم  من الجهد والوقت بذله هذا الجبان الذي أحرق العالم, لإقناعنا بصحة نظريته . ولكن من خلال وجودي في بلغاريا, للأسف ألاحظ هذه العجرفة والسلوك الخشن ماهو إلا تغطية للشعور بالنقص بين المواطنين من نواحي كثيرة, مما ينعكس على تصرفاتهم . ودائماً  اقول لأمي,  البلغار ليسوا مثلك بأدبكِ وخُلقكِ الرفيع ونبلكِ وثقافتكِ.صدقوني لقد إشتريتُ كتاب عن حياة هتلر,  خصيصاً لأعرف سبب كرهه لليهود وتقسيم البشر على شكل سُلم حسب عرقه, بذلت مجهوداً كبيراً في قرآءة الكتاب بدقة  وكان باللغة البلغارية, وقد أعدتُ قرآءة بعض المقاطع لأكثر من مرة, حتى اتأكد من معناها !

في الحقيقية لم أجد أي مبرر في تعذيب الناس, وبث سموم أفكاره ليومنا هذا غير إنه كان يتعامل مع طبيب هستيري, لربما أثر في طريقة تفكيره, أو كان قد تعرض لنوبات من التنويم المغناطيسي, وتم حشو دماغه بأفكار غير سوية . إضافة إلى طفولة هتلر القاسية, والتي تمثلت بضرب أبيه له قد ساهم في تكوين شخصيته الشاذة, ونضيف إلى ذلك الجينات المتوارثة .حادثة كنتُ قد سمعتها عن هتلر, إنه كان شاهد عيان على إعتداء يهودي على أمه عندما كان طفلأ. لاأدري مدى صحة هذه الرواية .

الشيء الوحدي الذي اعرفه, ان كل دولة أوروبية أخذت شيء من سلوكه لتُطبقه على كل من لايتقبل تصرفاته .




الكلمات المفتاحية
سميرة عباس التميمي

الانتقال السريع

النشرة البريدية