الجمعة 22 أكتوبر 2021
21 C
بغداد

عندما تكبر العقود تزداد شهية سارقيها

لست بصدد البحث العميق عن أسباب فشل الكثير من العقود المبرمة لتجهيز وحدات إنتاج الطاقة الكهربائية للعراق بعد سنة الاحتلال ٢٠٠٣ والخوض في جوانب الإخفاق الخاصة بتنفيذها والمتمثلة بـ(التوقيتات المخطط لها، مواصفات المعدات المتعاقد عليها، سلامة بنود العقود الموقعة، مدد الضمان)… الخ من متطلبات صياغة العقود التي يجب أن تؤمن مضامينها عدم التفريط بثروات العراقيين نتيجة لتفاهة نصوصها التي شابها الكثير من الشكوك بعد مرور العديد من السنين على بدء تفعيلها، إذ تأكد أنها من العقود ذات النتائج المخيبة عندما طبعتها معالم الضعف والبلادة فكان توصيفها في حقل العقود البائسة.
شركة جي أي الامريكية من كبريات الشركات العالمية المعروفة والمتخصصة في تصنيع وحدات توليد الطاقة الكهربائية، جهزت هذه الشركة الكثير من دول العالم بإنتاجها من هذه الوحدات وعلى وفق عقود خاصة ذات قيم مالية مختلفة، ويعد العقد (السمين) الذي وقعته الحكومة العراقية معها سنة ٢٠٠٨ بقيمة مليارين و800 مليون دولار أكبر العقود (مالياً) في تأريخ هذه الشركة، منذ تأسيسها عام ١٨٩٢، حيث كان الغرض منه تجهيز المنظومة الكهربائية العراقية بـ(٥٦) وحدة توليدية سعة الواحدة منها (١٢٥ ميكاواط) وبهذا تكون الطاقة السعوية المستهدفة (٧) آلاف ميكا واط ، أطلق على هذا العقد في حينها اسم (الميكا ديل)، تبع هذا حزمة من التعاقدات قيمتها 4 مليارات و100 مليون دولار لتنصيب الوحدات التي تم الاتفاق عليها في ١١ موقعاً موزعاً على مساحة العراق (عدا مناطق إقليم كردستان)، وهنا أصبحت قيمة هذا العقد (الكبير) بقيمة زادت على 7 مليارات دولار فهو المشروع الذي استحوذ على المرتبة الأولى (مالياً) من سلسلة مئات العقود التي أبرمت لصالح قطاع الطاقة الكهربائية في العراق، منذ دخول الكهرباء للعراق العام ١٩١٢، أو منذ تأسيس مصلحة الكهرباء الوطنية العام ١٩٥٩، فبالرغم مما تم توقيعه من ملاحق لعقد التجهيز وأخرى تخص عقود التركيب إلا أن المنظومة الوطنية للكهرباء لم تجن ما كان متوقعاً من هذه العقود غير الفشل في جوانبها التنفيذية والكثير من النتائج المحبطة ولم يلمس المواطن أي تحسن في خدمة تجهيز الكهرباء، بل تفاقمت أزماتها وزادت معاناته سوءً.
قبل قرابة السنتين نشرت صحيفة (الوول ستريت جورنال) واسعة الانتشار تقريراً عن خدمة الكهرباء في العراق ورد في نصه: (كل عقد طاقة في العراق يجب أن يحقق استفادة لأحد الأحزاب السياسية والقوى الدينية حتى يوقع) فهل ما تناولته هذه الصحيفة وما يتبعه من تدخلات كان من عوامل الفشل الرئيسة التي أصابت هذا المشروع؟ أم هي من تداعيات رعونة التخطيط وغياب الإدارة الحكيمة وأدواتها الماهرة؟
إن فقدان الإرادة الوطنية الواعية التي تحكم آلية تنفيذ المشروعات على وفق الشروط السليمة والنزيهة لها لا يمكن تعويضها بالتخصيصات المالية الكبيرة للعقود لإنهاء الازمات ووضع الحلول الحاسمة لها، بل يمكن ان تكون هذه الأموال وإمكانية استباحتها سببا ًفي إنتاج العقبات أمام الأجهزة المنفذة لها عندما تكون في مواقف الاضطرار لمعالجة جوانب القصور فيها لكي تحقق شيئا ًمن الغايات التي من أجلها تم الاتفاق بشأنها ، فتفكيك الأزمات الكبيرة يحتاج الى جهد وطني نزيه لا يمكن تحقيقه إلا بفعل أدوات مهنية شجاعة لها القدرة على مواجهة ما يثنيها عن مهماتها باستقلالية وثبات.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
739متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كيف يحمي الشيعة انفسهم ؟

قبل الجواب على السؤال علينا ان نسال من هم اعداء الشيعة ؟ هل هو الحاكم ، ام المنظمات الارهابية ، ام الامم المتحدة ومن...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الى أنظار السادة في البنك المركزي العراقي

في مبادرة إنسانية رائعة أطلق البنك المركزي العراقي سلفة مالية لموظفيه لتمكينهم من شراء دار سكن لهم . وهذه مبادرة رائعة يشكر عليها القائمون...

وعي الجماهير بين مشروعين دويلة الحشد الشعبي وشبح الدولة القومية

(إلى الأمام نحو انتفاضة أخرى) لقد نجحت العملية ولكن المريض مات، هذه الجملة أقل ما يمكن أن توصف بها الانتخابات، التي طبلت وزمرت لها حكومة...

لا يرحمون ولا يريدون رحمة الله تنزل!

لعلك سمعت بالعبارة الشائعة التي تقول "تمسكن حتى تمكن!" والتي تطلق عادة على الشخص المنافق الذي يصطنع الطيبة والبراءة حتى يصل الى هدفه ثم...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق..والعودة لعهود الإنقلاب!!

الإنقلابات هي السمة الغالبة على حياة العراقيين منذ أن بزغ فجر البشرية ، ويجد فيها الكثير من ساسة العراق ومن دخلوا عالمها الان ،...

معضلة رئيسي

لاتزال وسائل الاعلام العالمية تتابع وعن کثب موضوع دور الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في مجزرة عام 1988، والمطالبات الاممية المتزايدة بمحاکمته أمام المحکمة الجنائية...