الخميس 17 حزيران/يونيو 2021

التعليم السياحي العربي

السبت 27 آذار/مارس 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

تحظي صناعة السياحة بشهرة واسعة وتحتل مكانا مرموقا بين الصناعات المستدامة التي توفر البيئة المناسبة للنمو الإقتصادي والإجتماعي دون إحداث ضرر بالإنسان أو بالبيئة المحيطة به.

وهذه الصناعة الأكثر إنتشارا تعتمد علي العنصر البشري بصورة كبيرة،ولذلك سعت معظم الدول الي توفير تعليم مهني متخصص في صناعة السياحة قادر علي مد القطاع بالكفاءات الواعدة.

ربما نستطيع القول ان أصول علم السياحة والفنادق والسفر من الناحية النظرية واحدة،فما يدرس في معظم المعاهد والكليات السياحية حول العالم لا خلاف حوله،والمبادىء الرئيسية أو النظريات الأكاديمية لا تختلف باختلاف المكان.

علي سبيل المثال الطالب الأمريكي يدرس اساسيات التسويق السياحي بنفس الطريقة ونفس المنهج الدراسي الذي يتم تدريسه في بلادنا العربية فالأصل واحد لا خلاف عليه.

وهكذا معظم المواد التعليمية تكاد تكون متطابقة مع اختلافات بسيطة لا تضر بجوهر الموضوع.
إذن ما المشكلة ولماذا نشعر دوما بقصور ما أو تدني في مستوي الطالب العربي رغم أن المناهج التعليمية متطابقة مع ما يدرسه الطلاب في الدول المتقدمة؟

حقيقة الاجابة عن هذا السؤال تبدو معقدة لأننا حينئذ في حاجة إلي الالتفات الي كافة العوامل المؤثرة في الطالب، حيث ان نتيجة تحصيل العلم ترتبط بعوامل كثيرة لا يمكن فصلها عن الطالب نفسه.

أول هذه العوامل هو الطبيعة الثقافية الخاصة بعالمنا العربي ونشأتنا التي إعتمدت علي التلقين النظري الذي يؤدي بالطالب الي حالة ركود ذهني لا علاقة له بالتفكير والإبداع.
والسياحة صناعة ابداعية تعتمد علي الابتكار والتفكير بطرق مختلفة وهذا هو احد اسباب نجاحها المتواصل.

ثاني هذه العوامل هو الإعتماد علي طريقة واحدة لتقييم الطلاب وهي الإمتحانات التقليدية والتي هي مجرد تكريس طبيعي لفكرة الحفظ وعدم إعتماد نماذج متطورة في تقييم الطلاب.

ضعف الإمكانات المتاحة وتحول التعليم الجامعي السياحي الي مجرد سباق للحصول علي الدرجة العلمية بغض النظر عن المضمون حول عملية التحصيل الي عبء ثقيل علي كاهل الطلاب وجعل شغلهم الشاغل هو الحصول علي الشهادة الجامعية.

أكثر وأخطر العوامل التي تسببت في ضعف مستوي التعليم السياحي هو قبول المنشآت السياحية لخريجي الكليات والمعاهد السياحية دون إختبارات حقيقية وجدية تفرز الأفضل وترفض الأضعف،ربما لأن القائمين علي عملية الإختيار ليس لديهم المعرفة الكافية بطرق الإختيار الحديثة والتي تعتمد علي عوامل عدة منها مهارات العامل النفسية وطريقة تقبله للآخر وقياس قدرته علي التعاون والعمل بطريقة الفريق الواحد وأشياء أخري كثيرة اري ان منشاتنا السياحية العربية لا تهتم بها عند إختيار العمالة.

ومن الأشياء المثيرة للجدل ولنقل التي تبعث علي التساؤل ووضع علامات إستفهام كثيرة حولها هو انحصار دور أساتذة الكليات والمعاهد السياحية حول تدريس مناهج نظرية وعدم وجود آلية لتفعيل واستغلال خبرات أساتذة الجامعات لتطوير التعليم الجامعي،الحدث الاهم والذي يحرص الجميع عليه هو بيع الكتب والمذكرات ووضع الامتحانات التقليدية.

دور أساتذة السياحة والفنادق أكبر من مجرد دور أكاديمي ولابد أن يتطور الفكر بطريقة تجعل مساهمة أصحاب الدرجات العلمية الرفيعة اكثر إفادة للقطاع السياحي.

لسنا في معركة مع هذا او ذاك ولكننا نقرر حقيقة يراها القاصي والداني ويعلمها صناع السياحة في الوطن العربي وهي تدني مستوي التعليم السياحي مما يؤدي الي وجود كوادر لا تصلح للعمل وبالتالي تضر بسمعة الصناعة وربما تكون السمعة السيئة للعمالة أحد أسباب نفور أو إمتناع السائح عن زيارة هذا البلد او ذاك.

هناك بلدان اشتهرت بسمعتها السيئة في التحرش بالنساء ولم يتم التعامل بطريقة جدية مع هذه القضية مما أدي إلي تراجع أعداد الوافدين ولكن ما يهمني هنا هو التأكيد علي أن مثل هذه الظواهر السلبية يكون أحد أسبابها المباشرة سوء مستوي التعليم.

منشآت سياحية أخري إرتضت بنوعية من العمالة ضعيفة المستوي التعليمي فتعددت شكاوي العملاء مما أدي في نهاية المطاف الي الإغلاق التام.

لابد ألا ننسي مشكلة كبري و تكاد تكون غير مرئية لكثيرين وهي إنتشار المعاهد الخاصة والتي تجاوزت أعدادها أعداد الكليات والمعاهد الحكومية والتي رغم كل ظروفها الصعبة مازالت تحاول تقديم أفضل ما لديها، أما المعاهد الخاصة فهي كارثة بكل المقاييس لأنها تقوم علي مبدا واحد لا غير وهو تحصيل الأموال بغض النظر عن مستوي الطالب أو المادة العلمية التي يتم تدريسها،فالطالب يعلم مسبقا أنه سينجح لأنه دفع الرسوم المقررة.
هذه المعاهد أفرزت نماذج مشوهة أصبحت تعمل بالقطاع السياحي رغم ضعف مستواها العلمي والفني وإفتقارها الي الحد الأدنى من الجودة المطلوبة فيمن يمتهن مهنة السياحة.

فلسفة القبول بهذه المعاهد الخاصة تقوم علي مبدأ (إدفع تنجح) إضافة الي سمة عدم الجدية في الإختيارات،فالعمل بالقطاع السياحي بالتحديد يحتاج الي مهارات نفسية وعقلية معينة لا يمكن أن تتوافر في كل المتقدمين للإلتحاق بالمعاهد الخاصة.

خلاصة القول ان التعليم السياحي بحاجة ماسة الي رؤية واضحة ورقابة صارمة من أجهزة الدول العربية ودراسة ما يقوم الغرب ومحاولة إيجاد نماذج مشابهة تتماشي مع شخصية وثقافة عالمنا العربي.
حفظ الله شعوبنا العربية




الكلمات المفتاحية
التعليم السياحي العربي محمد علي البدوي

الانتقال السريع

النشرة البريدية