الاثنين 26 تموز/يوليو 2021

منحتني جدتي آذانها قبل أن ترحل

الثلاثاء 23 آذار/مارس 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

(من دفاتر الطفولة)
مذ كنت طفلا صغيرا أحببت جدتي كثيرا لأنها لم تكن تشبه اي جدة أخرى بحلاوتها ، وجمالها ، وثيابها العنكاوية الفلكلوريه ، وأصالتها ، ولغتها السوورد الحلوة ..
لقد كانت الوحيدة التي لا تسمعنا ، وربما كانت تسمعنا بدواخلها وبقلبها ولم تنزعج من فوضى لعبنا وأصواتنا العالية يوما حتى لو ملأنا الدنيا عبثا وصراخا وضجيجا..
لا أعلم ماذا كان السبب في عطب سمعها منذ سنوات طوال ، لكننا كنا سعداء معها لأنها كانت تمنحنا ضحكاتها وابتساماتها وتشاركنا فرحتنا عندما ترانا نمرح ونلهو ونلعب ، ولم تنزعج يوما من الفوضى التي كانت تلازمنا ، وهي الوحيدة التي لم توبخنا ولم تنهرنا مهما علا وتواصل ضجيجنا لذلك فازت بحبنا بأمتياز..
كانت نغمة صوتها تفوق كل المغنيات وكل مذيعات فضائيات العالم جمالا وعذوبة .. أما لو حكت لنا حكاية من تلك الحكايات الرائعة المفعمة بالحلاوة والجمال والتي تضاهي قصص دستوفسكي وتشايكوف وكوكول وفكتور هوكو وكل مبدعي الادب فكانت تغمرنا بالفرحة وتفيضنا بالسعادة ..
توتا بجي (والدة أمي نانا ميّه) كانت تحب الاجواء الدافئة وتتجنب البرد او حتى الهواء المنعش حتى في ايام الصيف .. فهي ولفرط فلكلوريتها لاتحب التكنولوجيا ولا اجهزة التبريد ، ولا حتى المراوح السقفية او المنضدية او غيرها ..
كانت الانسانة الوحيده التي تسمي المروحه (نبوختا) بالسورد ، ونحن نسميها (بانكه) ، وتدعونا في ايام الصيف ان نطفأها برغم الحر ، وكنا نستجيب لأوامر جدتي لكي تغمرنا بحكاياتها وحلاوتها ونحن نشم عبق تلابيب ثيابها الفلكلورية الرائعة المفعمة برائحة خبز التنور، وطعم البطيخ ، وخيار القيثاء الرائع الذي يأتينا من بستان جدي بابا عودا في ربوع بساتين عنكاوا الزراعية الفيحاء ..أتذكر جدي كان خبيرا في تشخيص البطيخ اللذيذ ، وهو يعرف تماما تلك التي يميل طعمها الى الحموضة او الحلاوة ، وكان يختار البطيخ الممتاز لأبنه العزيز (خالي ماربين) الذي يحبه كثيرا ، وهو يقول هذه البطيخه هي لماربينا ..
كنا عندما نريد اسماع جدتي كلمة ما نقرّب افواهنا من اذنها ونصرخ بما اوتينا من قوة وهي بالكاد تسمعنا ..
أتذكر جيدا عندما كبرت ووعيت . في أحد الايام احتضنت رأسها قبلتها مرتين وقرّبت فمي من اذنها وصحت بصوت عال :-
توتا قورباناخ ليتك تمنحيني آذانك قبل أن ترحلي – لك العمر المديد بإذنه تعالى – فأنا لا أريد أن أسمع أي صوت . لأن جميع الاصوات حولي نشاز وليست نقية واصيلة مثل صوتك !..
استغربت كثيرا عندما شعرت انها لأول مرة تسمع كلامي بوضوح تام . أجابتني وتعلوا محياها ابتسامة حزينة :- ياعزيزي وياحفيدي لاتطلب ذلك ابدا ..إنما احمد الرب تعالى لأنه وهبك آذان تسمع بها حلو الكلام من والديك وتسمع بها الموسيقى والغناء وترقص على أنغامها !!
لقد كان هذا الكلام غريبا جدا على مسامعي . إذ كيف لجدتي العجوز أن تحكي لي عن الموسيقى والغناء والرقص المفعم بالرومانسية وهي العجوز الامية المحرومه من نعمة السمع ؟! ..
مضت السنون لتشاء الاقدار أن أخدم في الجيش العراقي في خضم الحرب العراقية الايرانية وكان لدوّي المدافع واصوات القنابل والطائرات والرصاص الدور المهم في أن اصاب بنفس مشكلة جدتي في صعوبة السمع ، وقد يكون السبب الوراثي احد العوامل المساعدة في استفحال تلك المشكلة ، حيث وصل بي الامر اليوم بأني أعاني من مشكلة السمع بشكل ملفت للنظر ، ولم تشفع لي حتى زوج السماعات من صناعة أرقى الشركات ..
اني ألآن بالكاد أسمع وبمساعدة سماعتين منشأها سويدي ..
هكذا منحتني جدتي آذانها قبل أن ترحل ، ولم تبخل عليّ ، ولم أندم على ما أنا عليه البته لأن بفضلها ابتعدت عن ضجيج الدنيا وضوضائها ونشازاتها .. اليوم انفر كل الاصوات الصدأة التي باتت تؤرقني وتقلق راحتي .. أريد أن انفر منها ما أسطعت .. بت لا أطيق سماع الاكاذيب والادعاءات الزائفة ، ونشازات السياسيين السيئيين ورجالات السلطة والمنافقين ومن لف لفهم ..
أنا سعيد لأني لا اسمع ، وأخال نفسي أعيش في الصحراء والبراري بعيدا عن العولمة ومنغصاتها وقذارات البيئة المفعمة بالمسخ نتيجة التكنولوجيا الحديثة والدخان الناجم عنها والسموم التي ترافقها..
الف شكر لك توتا بجي كنت وفية معي ومنحتيني حتى آذانك ، والف سلام ومغفرة لروحك وأنا أتذكرك في يوم الام .. لقد كنت خير جدة منحتيني الامان والسعادة والحرية ..




الكلمات المفتاحية
آذانها ترحل لطيف نعمان سياوش منحتني جدتي

الانتقال السريع

النشرة البريدية