الإذعانية!!

فكرة جاء بها الإسلام فوجّهت الأنظار والطاقات والقدرات نحو صيرورة كبرى بعيدة عن قيد الآخرين , فالبشر يذعن لخالقه , وليس لمخلوق آخر من حوله , وهي ثورة إنسانية كبرى , نادت بتحرير العبيد وتخليصهم من قيود الإمتلاك لأسيادهم , فالإنسان حرّ بإرادته وخياراته وقراراته.
ولم تكن الإذعانية صيغة أخرى للقهر والإستعباد , فالخلق عليه أن يذعن لإرادة خالقه , وهم متساوون أمام عرشه , ويتميزون عن بعضهم بدرجة التقوى والإخلاص لبارئهم.
بهذا المفهوم الثوري أطلق الإسلام الطاقات الكامنة , ووجهها بإتجاه أهداف واضحة يحققها العمل الصادق والعزم السديد , الذي يعززه الإيمان بقدرات التوثب والإنجاز الأكيد.
هذه القوة الإذعانية حشّدت في الأعماق آليات وتفاعلات خلاقة, جعلت من المسلم إرادة متوهجة بالوعي والإدراك والإيمان , والإندفاع الفائق نحو غاياته النبيلة وتطلعاته السامية , التي جسدها في الدنيا , وعبّر عنها بصياغات وصيرورات عمرانية ومعرفية وعلمية غير مسبوقة.
فعاش المسلمون بإذعانهم الأعظم أنوارا ساطعة وشُهبا ثاقبة , وسِهاما ناشبة تجيد المروق في بدن الهدف المطلوب , فأمسكوا بأمرة الدنيا , وتفاعلوا مع الشمس والقمر والكواكب , والعوالم الأخرى بمفردات ما عندهم , وما تشرّب في مداركهم ومدارات عقولهم.
فالإذعان ثورة تفجرت في أعماق المسلمين , وأمدّتهم بالقوة والثقة والعزيمة وأهلتهم للقيادة , وحمل مشاعل التنوير واليقظة , التي طاردت الظلمات وفسحت الفضاء للأنوار الصافية المتهادية , المنسكبة من عيون الوجود المشعشعة البراقة اللامعة.
فالإذعان حرية وإستثمار أعظم بالإنسانية , وما أن تجاهل المسلمون معاني وجوهر الإذعان , وإنغمسوا بالتبعية والتصاغر والإذعان لغير الله , أصابهم الويل والضعف والهوان , وصاروا يركضون وراء سراب الآخرين ويقبعون في أحضانهم , فتكسر إذعانهم الخالص الطاهر , وتحطم عزمهم وتبددت إرادتهم , وإنطفأ نورهم , وراحوا يتخبطون في أروقة البطحاء , كأنهم الجهلاء بما فيهم وعندهم , وهم الممرغون بأوحال الذين يفترسونهم ويذلونهم , ويأخذون ثرواتهم ويقررون سوء مصيرهم.
فتبدل كل شيئ في أعماقهم , وصاروا كالعصف المأكول , فهل سيدركون بأن الإذعان لغير الله مذلة؟!

المزيد من مقالات الكاتب

الدُمى قراطية!!

لا غالب إلا الله!!

الأمة تصنع!!

العاصون في الكراسي!!

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون

من الادب العالمي:قصائد قصيرة الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون ترجمة: سوران محمد (١) منع قلب من انكسار ....................... لو استطع منع قلب من انكسار، لن أعيش خسرانا ؛ ولو أخفف من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رواتب الرئاسة وافتراش التلاميذ الارض للدراسة

هل هو قدر مجنون ان يضع الزمان حكام لا يعبأون الا بأنفسهم وكأنهم حكام على ركام من هواء، ذلكم هم حكام العراق بعد عام...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

القاص والروائي غانم الدباغ : قراءتان متباعدتان

عرفتُ القاص والروائي غانم الدباغ في منتصف سبعينات القرن الماضي من خلال أربعة أعمال : ثلاث مجموعات قصصية (الماء العذب) و(سوناتا في ضوء القمر)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رأس مقطوع يتكلم

مثل كل الصبية لم تشهد ايامة سيركا حقيقيا إلا في تلك الأيام من صباه في البصرة، كان يسكن في منطقة تسمى الطويسة وهي في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رحلة مع الروائي عبدالخالق الركابي

يعد الروائي عبد الخالق الركابي احد الاسماء المهمة في المشهد السردي العراقي والعربي، وأحد الذين اسهموا في تطور الرواية العراقية, فهو من جيل الروائيين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل الجمعة مباركةٌ عندنا .؟

بغضّ النظر عمّا تفيض به السوشيال ميديا اسبوعياً بالمسجات والصور والألوان المحمّلة بعبارة < جمعة مباركة > , وبغضِّ نظرٍ وبصرٍ ايضاً عن المشاعر...