الثلاثاء 9 أغسطس 2022
44.8 C
بغداد

بين قوانين الأحزاب ضاع المواطن

لقد ولد الإنسان ومعه توأمه الملاصق له في حله وترحاله، ذلك هو الخلاف والاختلاف، فصار ديدن كثير منا التعصب بالرأي والتمسك بأفكاره، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر ومخالفة فكره ونهجه، فنشأ التكتل والتجمع والتحزب لتنتشر الفكرة ويتضح النهج ويزداد التمسك بهما قوة، والأمر حتى اللحظة سليم ويسير بالاتجاه الصحيح ولاغبار على من يتبعه. ولكن، أن ينشأ التحزب على فكرة مخالفة الآخر لغرض مخالفته ليس إلا، فهذا ما يعود بالفرد والجماعة والمجتمع القهقرى، وينقلب النهوض الى نكوص، والانتصار الى انكسار، والتقدم الى تأخر وتدهور وتدنٍ.
وهناك حقيقة يقرها كل ذي عقل سليم، ويعدّها بديهة تلازم وجودنا وكياننا أفرادا وجماعات ومجتمعات، تلك هي أهمية النظام والتنظيم في حياتنا بأوجهها ومراحلها كافة، إذ مادامت لابن آدم جوهرة العقل التي ميزه بارئه بها، يكون لزاما عليه تسخيرها في ترتيب مفردات عيشه، ومن الطبيعي أن تتضاعف الحاجة الى عملية التنظيم بتضاعف أعداد الأفراد والجماعات والمجتمعات ايضا. وتبدأ سبل التنظيم الصحيح بالاتفاق والوئام والتلاحم بين الأفراد، لتأتي العملية أكلها وتعم جدواها على المجتمعات بعد ذلك، لذا نظم الإنسان السوي نفسه في مراحل حياته بتزامن مطرد مع تحضره وتكوينه مجتمعات كما نراها اليوم على سطح المعمورة.
ومع إنشاء الدولة العراقية الحديثة في بداية عشرينيات القرن الماضي، ظهرت الحاجة الماسة الى إقرار قانون الأحزاب السياسية، وقد نظمت الحياة الحزبية في العراق بموجب قوانين صدرت مع بداية تأسيسها، وكانت أحكامها تتفق مع النظرة السياسية والقانونية السائدة في البلاد لكل مرحلة. فكان تنظيم الأحزاب في الفترة الملكية وفق قانون الجمعيات لسنة 1922، وبعد 14 تموز 1958 ومع استمرار تقديم طلبات تأسيس أحزاب سياسية، صدر قانون الجمعيات رقم 1 لسنة 1960.
ولكن، بعد انقلاب 17تموز سنة 1968، وكأول إجراء اتخذه جلادو تنظيم البعث، تم حظر نشاط الأحزاب السياسية في البلاد، وصار الشيوعي والقومي والإسلامي إما معدوم، او في عداد المحكومين بالاعدام مع وقف التنفيذ، أو يكون قد ذاب في أحواض التيزاب، حيث صدر قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 حاملا في بنوده أحكاما خاصة وقاسية، نص أغلبها على تطبيق حكم الإعدام بحق كل من يمارس نشاطا حزبيا غير حزب البعث. حتى جاء عام 1991 ونتيجة ضغط الرأي العام الدولي، فقد اضطرت سلطة النظام آنذاك إلى إصدار قانون الأحزاب السياسية رقم 30 لسنة 1991 حيث جاء ضمن الأسباب الموجبة لصدور القانون مانصه:
“واستجابة لمتطلبات المرحلة التاريخية الجديدة من حياة العراق العظيم في إتاحة المجال على نطاق أوسع لكل المواطنين الراغبين في خدمة البلاد وتعزيز سيادتها واستقلالها ووحدتها الوطنية…. شرع هذا القانون”.
وبعد إسقاط النظام في نيسان 2003 أمطرت سماء الحرية على العراقيين ما لذ لهم وطاب من القوانين، فانفتح مجال العمل السياسي أمامهم، حيث تم إصدار قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت الذي صور للمواطن أن حاله سيكون بظله (گمره وربيع) فقد صدر أمر سلطة الائتلاف المؤقتة المرقم 97 لسنة 2004 الذي ظن العراقيون أنه بذرة قانون الأحزاب السياسية، فيما هو في حقيقة الأمر لم يكن إلا لأغراض تنظيم مشاركة الأحزاب والكيانات السياسية في الانتخابات التي جرت سنة 2005 فقط.
وكما يقول مثلنا: “بعيد اللبن عن وجه مرزوق” فقد كانت التوافقات والوفاق السياسي والتآلف الاجتماعي والمصالحة الوطنية، بعيدة عن القوى الفاعلة في البلد أبعد من زحل عن ساحة الخلاني، فضل هذا القانون يتيما تتناقله رفوف مجلس نوابنا، فتارة يقرأه أعضاء المجلس قراءة أولى، وتارة يرجئونه الى ثانية فثالثة فعاشرة، لانشغالهم بمشادة كلامية بين زيد وعبيد، وتارة تبعدهم عن قراءته (طلابه) بين أحدهم وأحدهم، فقد استخدم أحدهم مداسا قياس/ 37 وصفع به أحدهم، وعلى هذا المنوال.. وبين أحدهم وأحدهم.. تطول الجلسات وتتعدد المداسات بأحجام وقياسات عدة، ويصاغ قانون الأحزاب لصالح الأحزاب نفسها وخدمة مصالحها، ويضيع المواطن بين هذا وذاك كما ضاع الخيط والعصفور.
[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

الإفلات بالمسروق

حين يقسم المسؤول

قائمة الخونة تطول

مصطلحات طوارئ

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
870متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سخونة المشهد العراقي خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية .!

عادَ وتجددَ التحدي مرّة اخرى بين المالكي والصدر , مرّة اخرى , بطروحاتٍ حادّة , يصعب معها التنبؤ الى اين يسير العراق والكيفية التي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نجم الجبوري مازال الرهان بيننا

لا اخفي سراً اذا اقول لكم انني كنت قلقاً جداً على مستقبل محافظة نينوى ومدينة الموصل بالتحديد عندما استلم السيد نجم الجبوري منصب محافظ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تغريدات من العراق الديمقراطي الجديد/20

صرخات الجريح تكون على قدر جرحه وألمه، ونفس الأمر ينطبق على الشعوب التي تعاني من أمراض سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية ودينية، بسبب الفساد الحكومي،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانسداد السياســـــــــــــــــي في العــــــــراق الى متى؟

اعلنت قوى عراقية مدنية واحتجاجية العمل على معالجة الازمة السياسية الراهنة والعمـــــــل على رفض المحاصصة الطائفية المقتية والوصول الى مؤتمر وطني للتغيير.وضـم الاجتماع الاحزاب المدنية الديمقراطية...

التغييرات الحقيقية لبناء العملية السياسة

لعل اغلب من قرأ مقالنا ليوم امس والذي كان بعنوان ( من يفوز بالانتخابات المبكرة ؟ومن يشكل الحكومة القادمة ؟) توجه لنا بالسؤال الاتي ماهي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

يوم الأيام ،، الإنتصار المرّ

كان صدّام مولعا بالتسميات الضخمة لمعاركه وحروبه سواء التي انتصر فيها او التي خسر ، ولكن مصادفة -ربما- كانت اغلب تسمياته تصدق او تطابق...