الجمعة 2 ديسمبر 2022
16 C
بغداد

للذكريات صورة حزينة

حينما كنتُ في الصف الثاني المتوسط عام 1972 كان مدرس التاريخ يتخطى خطوات بطيئة داخل الصف بعد أن إنتهى من شرح مادة التاريخ المخصصة لتلك الحصة وطلب منا جميعاً أن نلتزم الصمت لحين إعلان إنتهاء الزمن المقرر ونخرج من الصف. كان صفنا يطل على ساحة كرة القدم الخارجية حيث كان طلاب الصف الآخر يمارسون لعبة كرة القدم فيما بينهم بمراقبة مدرس الرياضة . كان هناك سؤال يدور في ذهني حاولت أن أطرحهُ على المدرس بَيْدَ أنني كنتُ أخشى أن يتعصب ويصرخ بي لألتزم الصمت لأنه كان غارق في تفكير عميق وهو يتخطى مطرقاً برأسهِ نحو الأرض. كان بقية التلاميذ يراقبون صرخات لاعبي كرة القدم من خلال النوافذ المفتوحة على مصراعيها

لملمتُ شجاعتي المبعثرة ورفعتُ يدي وأنا لاأعرف ماذا ستكون النتيجة. أشار لي ألأستاذ – عبد الرزاق برأسهِ كأنه يطلب مني أن أوجه له سؤالي العبقري . ” أستاذ مامعنى عبارة – عصر اللامبالاة – نظر نحوي باستهزاء وواصل خطواتِه دون أن يعيرني أدنى إهتمام . ظلت تلك النظرات المرعبة تسبح في ذاكرتي سنوات وبقيت صورة المدرس البشعة تلاحقني مادمتُ حيا. كرهتُ درس التاريخ وأقسمتُ مع نفسي أنني لن أدخل قسم التاريخ مع العلم أن شقيقي كان مدرساً للتاريخ وكنتُ أتمنى أن أصبح مثلهُ يوما ما. في الأسبوع التالي لم أهتم لدرسه وكنت أنظر الى الساحة الخارجية وهو يشرح درسه لذلك اليوم ، وكأنني أروم إيصال رسالتي بأنني لم أعد أهتم له ولدرسهِ الممل. حينما تكرر الأمر معي تقدم نحوي وقال ” أنت الآن تعيش حالة من اللامبالاة تجاه الدرس وهذا هو جوابي لسؤالك ” .

كنتُ قد قرأتُ هذا العنوان على رواية – مغامرات كارلا – حيث كان هناك عنوان آخر للرواية إسمه – عصر اللامبالاة – وحاولت أن أربط سبب وضع عنوان آخر الى جانب العنوان الأصلي .

وأنا في الصف الرابع من كلية الآداب – قسم اللغة الأنكليزية سمعت مناقشة أطروحة الأستاذ رزاق من المذياع عند منتصف الليل وتابعت النقاش بكل إنتباه . في النهاية قال الدكتور المسؤول عن المناقشة ” لم تـــــوفق في هذه المرة وعليـــــــك إعادة الأطروحة من جديد “.

فرحتُ جداً وكأن القدر أنتقم لي من ذلك المدرس ونمت في تلك الليلة وكأنني حققت انتصارا كبيرا.

لا أعرف بعد كل هذه السنوات لماذا حطت على ذهني عبارة – عصر اللامبالاة – ورحت أكتب عنها من جديد ربما لأنني أتذكر كل يوم لا بل كل لحظة عدم مبالاة الحكومة لألام الشعب وبالذات أمس حينما شاهدت الجرارات تهدم بعض المحلات في شارع 60 في الدورة وراحت المسؤولة السيدة – ذات الشعر الأشقر توجه تحذيرات لأصحاب المحلات في سوق الجمعية بحتمية إزالة كل التجاوزات بعد يومين وإلا فأن الجرارات ستزيل كل شيء. كانت هناك عجوز تبكي وتقول بأنها لاتملك إلا تلك البسطية التي تعتاش عليها وراح الشاب الآخر يحدث نفسه بصوتٍ مرتفع ” أين سأذهب ؟ وأين سأضع خضرواتي ؟ لا زالتُ مطلوبا ..كيف سأسدد ديني …لا أحد يهتم للفقراء حسبي الله ونعم الوكيل” . أنا لستُ ضد إعادة شكل الشارع القديم ولست ضد أمانة بغداد ولكن متى ستعود الحياة الى حالتها الطبيعية ومتى يترفه الفرد العراقي ونحن نملك كل هذا الكم الهائل من النفط مجرد سؤال من حقي أن أسال لأنني إنسان.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...