الجمعة 1 يوليو 2022
34 C
بغداد

للذكريات صورة حزينة

حينما كنتُ في الصف الثاني المتوسط عام 1972 كان مدرس التاريخ يتخطى خطوات بطيئة داخل الصف بعد أن إنتهى من شرح مادة التاريخ المخصصة لتلك الحصة وطلب منا جميعاً أن نلتزم الصمت لحين إعلان إنتهاء الزمن المقرر ونخرج من الصف. كان صفنا يطل على ساحة كرة القدم الخارجية حيث كان طلاب الصف الآخر يمارسون لعبة كرة القدم فيما بينهم بمراقبة مدرس الرياضة . كان هناك سؤال يدور في ذهني حاولت أن أطرحهُ على المدرس بَيْدَ أنني كنتُ أخشى أن يتعصب ويصرخ بي لألتزم الصمت لأنه كان غارق في تفكير عميق وهو يتخطى مطرقاً برأسهِ نحو الأرض. كان بقية التلاميذ يراقبون صرخات لاعبي كرة القدم من خلال النوافذ المفتوحة على مصراعيها

لملمتُ شجاعتي المبعثرة ورفعتُ يدي وأنا لاأعرف ماذا ستكون النتيجة. أشار لي ألأستاذ – عبد الرزاق برأسهِ كأنه يطلب مني أن أوجه له سؤالي العبقري . ” أستاذ مامعنى عبارة – عصر اللامبالاة – نظر نحوي باستهزاء وواصل خطواتِه دون أن يعيرني أدنى إهتمام . ظلت تلك النظرات المرعبة تسبح في ذاكرتي سنوات وبقيت صورة المدرس البشعة تلاحقني مادمتُ حيا. كرهتُ درس التاريخ وأقسمتُ مع نفسي أنني لن أدخل قسم التاريخ مع العلم أن شقيقي كان مدرساً للتاريخ وكنتُ أتمنى أن أصبح مثلهُ يوما ما. في الأسبوع التالي لم أهتم لدرسه وكنت أنظر الى الساحة الخارجية وهو يشرح درسه لذلك اليوم ، وكأنني أروم إيصال رسالتي بأنني لم أعد أهتم له ولدرسهِ الممل. حينما تكرر الأمر معي تقدم نحوي وقال ” أنت الآن تعيش حالة من اللامبالاة تجاه الدرس وهذا هو جوابي لسؤالك ” .

كنتُ قد قرأتُ هذا العنوان على رواية – مغامرات كارلا – حيث كان هناك عنوان آخر للرواية إسمه – عصر اللامبالاة – وحاولت أن أربط سبب وضع عنوان آخر الى جانب العنوان الأصلي .

وأنا في الصف الرابع من كلية الآداب – قسم اللغة الأنكليزية سمعت مناقشة أطروحة الأستاذ رزاق من المذياع عند منتصف الليل وتابعت النقاش بكل إنتباه . في النهاية قال الدكتور المسؤول عن المناقشة ” لم تـــــوفق في هذه المرة وعليـــــــك إعادة الأطروحة من جديد “.

فرحتُ جداً وكأن القدر أنتقم لي من ذلك المدرس ونمت في تلك الليلة وكأنني حققت انتصارا كبيرا.

لا أعرف بعد كل هذه السنوات لماذا حطت على ذهني عبارة – عصر اللامبالاة – ورحت أكتب عنها من جديد ربما لأنني أتذكر كل يوم لا بل كل لحظة عدم مبالاة الحكومة لألام الشعب وبالذات أمس حينما شاهدت الجرارات تهدم بعض المحلات في شارع 60 في الدورة وراحت المسؤولة السيدة – ذات الشعر الأشقر توجه تحذيرات لأصحاب المحلات في سوق الجمعية بحتمية إزالة كل التجاوزات بعد يومين وإلا فأن الجرارات ستزيل كل شيء. كانت هناك عجوز تبكي وتقول بأنها لاتملك إلا تلك البسطية التي تعتاش عليها وراح الشاب الآخر يحدث نفسه بصوتٍ مرتفع ” أين سأذهب ؟ وأين سأضع خضرواتي ؟ لا زالتُ مطلوبا ..كيف سأسدد ديني …لا أحد يهتم للفقراء حسبي الله ونعم الوكيل” . أنا لستُ ضد إعادة شكل الشارع القديم ولست ضد أمانة بغداد ولكن متى ستعود الحياة الى حالتها الطبيعية ومتى يترفه الفرد العراقي ونحن نملك كل هذا الكم الهائل من النفط مجرد سؤال من حقي أن أسال لأنني إنسان.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
866متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أيام الله

يخشى المرء على نفسه ومنها أيضاً أن ينسى أنه بدأ بالفعل في العشر الأوائل من ذي الحجة ، تلك الأيام التي تنتهي بمشهد عظيم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

صلاح عبد الرزاق

- انعزالي.. ومتعجرف.. وبعد 2003 وتعينه(محافظ بغداد) لقب ب (حرامي بغداد).. تيمناً بخير الله طلفاح (خال صدام حسين) الملقب حرامي بغداد   السيرة والتكوين     - يقول صلاح...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

جيران العراق ….كوم احجار ولا هذا الجار ؟

مثل قديم يتداوله العراقيين على صحبة الجار وما له من حقوق وواجبات وقد حثت الشرعية الاسلامية على حسن الجوار والتعامل الخلوق مع الجيران وقال...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التحرر…. من ….الخوف ….لماذا ؟

الخوف ...موضوع قرأته البارحة في مجلة صوت الأمل والحياة (الكرازة الأنجيلية)..يتطرق فيه كاتبه الى عدة عناوين تخص مبدأ التحرر من الخوف ..ضَمنها الكاتب ستة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مظلومية العمامة

العمامة لها رمزية خاصة لدى المسلمين وشكل كل عمة لها رمزيتها لديانة او طائفة معينة ، والعمامة عند المسلمين رمزيتها الى رسول الله صلى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مشروع داري مماطلة في تنفيذه

يتساءل المواطنون عما حل بمشروع " داري " السكني الذي اعلنت عنه الحكومة ومتى تفي بوعودها وتوزع سندات التمليك عليهم , اكثر من نصف...