الثلاثاء 20 نيسان/أبريل 2021

عبد السلام محمد عارف.. رئيس جمهورية انقلاب 8 شباط 1963

الأربعاء 03 آذار/مارس 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

ـ جريء.. شجاع لحد التهور.. متسرع جداً.. يقتحم المواقف الصعبة.. صريح.. يحقد على جميع من يتخاصم معه منذ طفولته.. قاسي.. ويضمر ما في قلبه.. طائفي.. لا يؤتمن له.. مصلحته فوق الجميع!

السيرة والتكوين:

ـ ولد عبد السلام محمد عارف يأس الخضر الجميلي في21 آذار 1921.. في محلة سوق حمادة بجانب الكرخ.. والده محمد عارف.. وأسم والده (مزدوج ـ مركب).. ويعمل بزازاً.. وورث المهنة عن والده.. أما والدة عبد السلام فهي: السيدة سته جاسم الرجب.

ـ أكمل دراسته في بغداد: الابتدائية.. والثانوية.. ووصل للصف الخامس الاعدادي.. ولم يدخل امتحان البكلوريا.

ـ نهاية العام 1937 أعلنت وزارة الدفاع إنها تقبل الطلاب ممن لم يدخلوا الامتحان الوزاري (البكالوريا) في الكلية العسكرية.. فقدم عبد السلام أوراقه للقبول بالكلية.. وقبل في الكلية في 19 شباط 1938.. وفي 7 أيار 1939تخرج برتبة (ملازم ثان).

ـ دخل كلية الأركان في 31 آذار 1949.. وتخرج فيها في 23 نيسان 1951.

الغش في الامتحان:

ـ العام 1946 كلف الملازم الأول عبد السلام عارف أمر الفصيل الثالث في الكلية العسكرية.. بمراقبة امتحانات طلبة الكلية في دورتها ال (24).
ـ لكن عبد السلام أستبدل دفتر امتحان الطالب: (عرفان وجدي) وهو من المتفوقين بدفتر امتحان الطالب: (نجدت قاسم مقصود).. ووضع الرقم ألامتحاني لدفتر الطالب عرفان على دفتر الطالب نجدت!!.

ـ هذا التصرف فُسَرً بمثابة سرقة جهد طالب متميز.. ومنحها لطالب خامل.. على أثر ذلك أبرق آمر الكلية العسكرية العقيد الركن (أمين خاكي) إلى وزارة الدفاع نقل عبد السلام من الكلية العسكرية.. فتم نقله إلى فوج يتمركز في شمال العراق عقاباً له.

طائفيته:

ـ يسجل على عبد السلام طائفيته العلنية.. فكان يسمي الشيعة (روافض وعجماً).

وهنا نسجل بعض الحقائق في هذا المضمار:

1ـ يذكر هديب الحاج حمود.. وزير الزراعة بحكومة الثورة: “إن عبد السلام ذكر لأحد الضباط الأحرار الموجودين معه في الفوج ليلة 14 تموز 1958.. بأنهم سينفذون الثورة.. وهناك ثلاث جماعات يجب استصالها.. هم: “الأكراد.. والمسيحيون.. والشيعة”.

2ـ تدارك عبد السلام الخلل المتمثل بوجود أغلبية شيعية في قيادة حزب البعث المدنية.. فقام بحركة 18 تشرين الثاني / اكتوبر/ العام 1963 للتخلص من البعثيين الشيعة.. ففي البيان الأول لحركة عبد السلام عارف.. أشير إلى هؤلاء بكلمة (الشعوبيون).. الوصف الذي يستخدمه الطائفيون في الحركة القومية على الشخصيات الشيعية.

3ـ يورد هاني الفكيكي القيادي في حزب البعث.. حادثة طريفة.. حيث يصف فيها هجوم الضباط القوميين مساء 11/11/1963 على القاعة التي كانت القيادة القطرية لحزب البعث مجتمعة فيها لمناقشة الأزمة.. فيقول: “وضجت القاعة بالاحتجاج والصياح والشتائم.. وعندما أصر سعدون حمادي على المغادرة.. وأعلن أن ما يجري مؤامرة لن يشارك فيها.. ولعلنا نجد في جواب المقدم علي عريم على إصرار سعدون بعضاً من أسباب الانقلاب ودوافعه.. إذ قال له: “اخرس عبد الزهرة”!!. والزهراء هي فاطمة بنت النبي محمد.. وفقراء الشيعة درجوا على تسمية أبنائهم بـ “عبد الزهراء” أو عبد الزهرة.. والحقيقة ان الاسم الحقيقي لسعدون حمادي هو (عبد الزهرة لولاح)
4ـ يذكر الفكيكي: “ونظرة عبد السلام إلى الأكراد لم تكن أفضل حالاً من نظرته إلى المسلمين الشيعة.. إذ كان يردد باستمرار كلمة (الشعوبية).. وأذكر أنا ومحسن الشيخ راضي (وهما قياديان في حزب البعث).. وصلنا مرة متأخرين إلى إحدى جلسات مجلس قيادة الثورة.. فقال عبد السلام: جاء الروافض.. وكان يقصد بذلك إننا شيعيان.. الشيء الذي حمل أنور الحديثي على الاحتجاج طالباً إلى عارف الاعتذار عن هذا التعبير”.

5ـ يقول الدكتور سعيد السامرائي (مدير عام شركة التامين): عرف عن عبد السلام انه لا يحتمل رؤية الشيعي.. حتى أنه قطع زيارته لشركة التأمين الوطنية يوماً (العام 1965 أو 1966) لأنه وجد أن مدراءها ورؤساء أقسامها وشُعَبها هم إما من الشيعة أو المسيحيين.. الذين تبؤوا هذه المناصب بكفاءتهم في هذه المهنة (التأمين).. التي لا تحتمل وضع غير الكفء فيها.

6ـ كانت السياسة في العراق شبه محتكرة على العرب السنة منذ تأسيس الدولة العراقية.. لكن في عهد عارف لاقى صعوداً حاداً وسريعاً ضد الشيعة.. لذا توجه الشيعة للتجارة فنجحوا فيها أيما نجاح.. وفي هذا الصدد يقول حنا بطاطو: أنه (بعد هجرة اليهود في الخمسينات).. ملأ الرأسماليون الشيعة إلى حد كبير الفراغ الناجم في المجال التجاري البحت.. ووصل هؤلاء في منتصف الخمسينات إلى شغل المراكز المسيطرة في أسواق بغداد الخاصة بالأقمشة والثياب والقمح.. ووقعت غرفة تجارة بغداد تحت سيطرتهم أيضاً.. وبينما كان لهم في السنة المالية 1935 مقعدان فقط من أصل ثمانية عشر مقعداً في اللجنة الإدارية للغرفة.. أصبح لهم في السنة المالية 1957 أربعة عشر مقعداً من أصل ثمانية عشر.. وكانوا قد سيطروا على سوق الشورجة.. ومجالات أخرى.

ـ وعندما هيمن عبد السلام عارف على السلطة.. أصدر قرارات التأميم العام 1964.. واستولت الحكومة على معظم التجارة.. لاسيما الخارجية.. وكانت القرارات هذه انتقاما من التجار الشيعة الذين تضرروا منها أكثر من غيرهم.. وحتى المعامل والمؤسسات الاقتصادية مثل البنوك وغيرها التي تم تأميمها.. وتم طرد الإداريين الشيعة والمسيحيين.. وعين عارف مكانهم ضباط من الجيش.. وكانت تلك الإجراءات التعسفية ألحقت أشد الأضرار بالاقتصاد العراقي.. ليأتي صدام حسين فيما بعد ويعدم 42 تاجراً شيعياً العام 1992 بحجة التلاعب بالأسعار.

محاولات لتبرير طائفيته:

ـ هذا لا يبرر إن سكرتيره الخاص الرائد عبد الله مجيد من النجف.. وكان مخلصاً لعارف.. ويعتمد عليه عارف اعتماداً كبيراً.

ـ جاء الخميني الى العراق في 15 تشرين الاول / سبتمبر / العام 1965.. وتم إبلاغ الرئيس عارف بأنه وصل الى العراق لاجئ رجل دين من إيران اسمه الخميني ومعه اثنين من مرافقيه.. ويرغب البقاء في العراق.. فقبله واوصى به.. لان عارف ضد إيران.

ـ لم يكن عارف يتفق في أفكاره بشأن حل القضية الكردية مع رئيس وزرائه عبد الرحمن البزاز.. وكان يصر على الحل العسكري.. وهكذا واصلت حكومة البزاز.. بتأثير عارف وكبار العسكريين.. لاسيما وزير دفاعه عبد العزيز العقيلي شن الهجمات العسكرية على كردستان (أيلول 1965ـ نيسان 1966).. انتهت كسابقاتها بالفشل.. بعد أن كلفت العراق مليون دولار في اليوم الواحد.. واستمرت الحرب.. لكن بمصرع عارف في 13 نيسان 1966 بدأت مرحلة جديدة من تاريخ العراق والحركة الكردية.. فكان الاتفاق على بيان 29 حزيران 1966.

عارف.. وتنظيم الضباط الأحرار:

ـ التحق عبد السلام عارف بتنظيم الضباط الأحرار في منصورية الجبل الذي كان يقوده صديقه عبد الكريم قاسم.. وعندما أصبح عبد الكريم قاسم عضواً في اللجنة العليا للتنظيم الموحد في كانون الثاني / يناير / العام 1957 أحضر عبد السلام عارف في الاجتماع الثاني للجنة العليا.. وقال لهم إن عارف عضو في تنظيم المنصورية.. ويعرف كل شيء ويجب إن يكون احد أعضاء اللجنة العليا.. فوافق أعضاء اللجنة العليا على ذلك.. بعد أن أصبحوا أمام الأمر الواقع .

عارف.. وثورة 14 تموز:

ـ أصدرت رئاسة أركان الجيش أوامرها إلى اللواء العشرين المعسكر في منطقة جلولاء للسفر إلى الأردن.. وكان عبد السلام عارف وعبد اللطيف الدراجي آمري فوجين في هذا اللواء وبالتنسيق مع الزعيم الركن عبد الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر تقرر إعلان الثورة حال وصول اللواء بغداد.. ويبدو إن عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد اللطيف الدراجي لم يبلغوا أحداً من الضباط الأحرار بالثورة حفاظاً على سريتها.. وهو الأسلوب الأمثل والصحيح لتأمين نجاح الثورة.. وعدم وصول أية معلومة أو إشارة يشم منها التحرك للقيام بانقلاب.. وهو الأسلوب الذي جبل عليه عبد الكريم قاسم.

ـ وفي مساء 13تموز العام 1958 تحرك اللواء العشرين من مدينة جلولاء (شمال بغداد) بقيادة آمره العميد الركن احمد حقي محمد.. ولدى وصوله مدينة بعقوبة.. أقنع عبد السلام آمره بالذهاب لمقره في الفلوجة (غرب بغداد) ليستقبل اللواء فيها.. وبذلك أصبح عارف أقدم ضابط مسؤول في اللواء.

ـ لم يواجه اللواء العشرون بقيادة العقيد الركن عبد السلام محمد عارف.. مقاومة مهمة خلال عملية السيطرة على المراكز المهمة في بغداد.. واحتل عارف مبنى الإذاعة العراقية في منطقة الصالحية بجانب الكرخ من بغداد.. واتخذها مقراً مؤقتاً له.. وفي الساعة السادسة من صبيحة يوم الثورة أذاع بنفسه البيان الأول للثورة والبيانات اللاحقة.. وبسيطرته على دار الإذاعة كسب عارف المعركة ونجحت الثورة.

عقدة الرجل الثاني:

ـ جاءت الحوادث السريعة في الأيام الأولى للثورة لتدفع بعبد السلام عارف إلى السطح.. حيث برز اسمه.. وهنا فعلت النوازع الفردية لديه فعلها.. مما أدى به إلى الوقوف بوجه قاسم في كثير من القرارات.
ـ كما انه كان يوحي للآخرين بسلوكه مع عبد الكريم قاسم وكأنما هو (إي عارف) قائد الثورة.. وهو الذي نصب عبد الكريم قاسم.

ـ كما اخذ عارف يعمل بسرعة.. وبشكل متواصل لكسب الضباط والجنود وأبناء الشعب.. فنصب نفسه رسولاً للثورة يتجول في المدن والقرى وفي وحدات الجيش ويلقي الخطابات المستمرة.. التي كان لا يذكر فيها اسم (عبد الكريم قاسم) إلا ماندر.

ـ أثارت خطب عارف المرتجلة وتحركاته غير المدروسة الشارع العراقي.. ومزقت النسيج العراقي.. وأثارت الضغائن بين المواطنين وابرز تحركه روح الطائفية المقيتة.

ـ لم يجد قاسم بداً من حل من دون أي يهز أركان الثورة.. فاستدعى سفير الجمهورية العربية المتحدة في بغداد الى وزارة الدفاع.. وحين وصوله استقبله العقيد فاضل عباس المهداوي والمقدم وصفي طاهر.. وبعد بروتوكول الاستقبال تحدث المهداوي مع السفير بصوت مسموع.. وهو يقول للسفير المصري: “سيدي السفير.. أرجوكم انصحوا الأخ عبد السلام عارف وأقنعوه أن يبتعد عن البلد لمدة قصيرة.. ليكن سفيراً للعراق في أي بلد يختاره.. واتركوا الزعيم عبد الكريم قاسم يحقق الوحدة العربية.. هل سمعتم خطاب عبد السلام في مدينة الحي ؟! لقد أحدث بلبلة بين صفوف الشعب”.. وحين نقل احد الأصدقاء إلى عبد السلام وهو في وزارة الداخلية ما دار بين المهداوي والسفير المصري.. كان جواب عبد السلام: “لا اصدق هذا الكلام.. أنا الذي جعلت عبد الكريم قاسم رئيسا للوزراء.. واستطيع الآن بظرف ساعة واحدة أن أبعده عن كرسي الرئاسة.. ومهما قيل فأنا لا أتصور إن أحداً يستطيع أن يدس بيني وبين أخي عبد الكريم قاسم”.

محاولة الاغتيال الأولى:

ـ حاول عبد السلام عارف القيام بعملية عسكرية للإطاحة بعبد الكريم قاسم.. وتنصيب نفسه رئيسا للوزارة وذلك عن طريق لواء المشاة العشرين.. الذي قاده إلى ثورة 14 تموز.. وحدد عارف يوم 14 أيلول 1958 لتنفيذ العملية.. وقد كشف عن محاولته عندما اتصل هاتفياً في المطار حيث كان كل من الضابطين (محمد مجيد وصبحي عبد الحميد).. اللذين كانا يستعدان للسفر إلى القاهرة في يوم التاسع من أيلول.. كذلك كان هناك المقدم صبيح علي غالب الذي كان يروم الالتحاق بوظيفته الجديدة كملحق عسكري في تركيا.. وإثناء وجودهم في باحة المطار.

ـ الحقيقة إن عبد السلام عارف كان قد فقد سيطرته على اللواء العشرين عندما وافق قبل فترة من ذلك التاريخ.. على نقل آمر اللواء عبد اللطيف جاسم (الموالي له) إلى أمرية الكلية العسكرية.. على الرغم من نصيحة الضباط القوميين له بإبقائه على رأس هذا اللواء.. الذي كان يمثل القوة الضاربة في بغداد.

ـ من جانب آخر يبدو إن عبد الكريم قاسم علم بهذه المكالمة.. واستفسر من مدير الاستخبارات العسكرية العقيد رفعت الحاج سري عن تلك المكالمة.

ـ المهم إن الزعيم عبد الكريم قاسم استطاع قبل ثلاثة أيام من تنفيذ الحركة المقررة أن ينتزع المبادأة من عبد السلام ويعزله بطريقة بارعة.. من دون إثارة قلاقل.. وجاء في بيان الإعفاء لمجلس الوزراء: (إن هذا التبرير ليس إقالة.. وإنما ليستطيع عبد السلام عارف الانصراف لمهمات وزارته).. حيث تضمن البيان إعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة.. وبالتالي إبعاده عن الجيش).. مستنداً بذلك على تذمر قادة الفرق من إن عارف اقل رتبة عسكرية منهم.. فكيف يكون نائبا عاما لقيادة القوات؟

حسم الامر لصالح قاسم:

ـ لم يجد عبد الكريم بداً من حسم الآمر وإعادة المناخ الهادئ للثورة والجيش.. وهكذا اصدر في الثلاثين من أيلول العام 1958 بياناً جاء فيه:

1- إعفاء العقيد الركن عبد السلام محمد عارف من منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية وكالة.. وتعينه سفيراً للجمهورية العراقية لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية.

محاولة الاغتيال ثانية:

ـ رفضً عبد السلام الالتحاق بمنصبه الجديد.. وقدم استقالته رسمياً من منصب سفيراً في ألمانيا.

ـ صباح يوم 11 تشرين الأول / اكتوبر / 1958 استدعاه قاسم في محاولة لإقناعه ثانية بالسفر الى بون وحدثت مشادة كلامية عنيفة بين الاثنين.. سحبً عبد السلام مسدسه خلسة.. لكن قاسم لمحة صدفة فسارع نحوه ومسك يده.. وقام كل من عبد الكريم قاسم والزعيم الركن المتقاعد فؤاد عارف (متصرف كربلاء).. الذي كان حاضراً اجتماعهما.. بانتزاع المسدس من يد عبد السلام وافرغ إطلاقاته.. وحدثت فوضى وحضرً الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد والعقيد الركن عبد الكريم الجدة.. وعلى اثر هذا الحادث عقد اجتماع موسع حضره قادة الجيش الذين أكرهوا عبد السلام على السفر لتولي منصبه الجديد.. حلاً لهذا الموقف.. فقد اتهمً قاسم عارف بمحاولة قتله.. فيما برر عارف سحب مسدسه لغرض انتحاره.

إحالته للمحاكمة:

ـ سافر عارف في اليوم التالي.. وقد حضر عبد الكريم قاسم وجميع قادة الجيش إلى المطار في توديعه.. لكن عارف لم يذهب إلى بون وإنما ذهب إلى فينا.. على أن يعود إلى بغداد بعد ثلاثة أسابيع وبموافقة عبد الكريم قاسم حسب ما ورد في محاكمة عبد السلام عارف فيما بعد.

ـ بعد ثلاثة اسابيع عاد عارف إلى بغداد بدون موافقة قاسم.. فأصدر قاسم أمراً بحجزه.. بعد أن استدعاه إلى وزارة الدفاع ووبخه على مجيئه من دون موافقة.

ـ وفي نفس الليلة أذيع بيان من الإذاعة العراقية إلى الشعب العراقي يعلن فيه توقيف عبد السلام عارف.. وإحالته إلى المحكمة العسكرية العليا الخاصة بتهمة تدبيره مؤامرة لقلب نظام الحكم.

ـ أحيل عارف إلى المحكمة العسكرية الخاصة في 9 كانون الأول / نوفمبر / 1959.. ونظرت المحكمة في التهم الموجهة لعبد السلام عارف واستمعت إلى شهادات الشهود.. وهم من الضباط الأحرار (أعضاء اللجنة العليا) وبعض المسؤولين الآخرين.. كما استمعت لإفادة المتهم ومحامي الدفاع.

قرار الحكم :

ـ في الخامس من شباط / فبراير/ العام 1959 صدر قرار الحكم بحق العقيد الركن عبد السلام محمد عارف.. ب:

أولا: الإعدام شنقاً حتى الموت.

ثانيا: إن المحكمة إذ تصدر حكمها بالإعدام عليه.. تودع الرأفة به لأمر سيادة زعيمنا العبقري باستعمال سلطته الواردة في المادة (80) من قانون معاقبة المتآمرين.

إطلاق سراحه:

ـ بقيً عبد السلام في سجنه الانفرادي في سجن رقم واحد بمعسكر الرشيد العسكري القريب من بغداد.. ويقال انه كتبً رسائل استعطاف ورسائل استنكار للتآمر على زعامة قاسم.. وفي 24 تشرين الأول العام 1961 توجه اللواء الركن عبد الكريم قاسم الى سجن معسكر الرشيد وطلبً إحضار عبد السلام عارف وأمسكً بيده.. واركبه معه في سيارته.. ثم توجهت السيارة نحو قناة الجيش ببغداد في نزهة دامت أكثر من ساعتين.. ثم عاد عبد الكريم قاسم بصحبة عبد السلام إلى وزارة الدفاع.. وجلسا يتحادثان إلى الساعة الرابعة صباحاً.. ثم غادرا باتجاه منطقة الأعظمية إلى دار عارف.. وحين طرق أحد المرافقين باب منزل عارف خرجت إحدى قريباته فانذهلت عندما رأت عارفاً.. فصرخت عبد السلام وعبد الكريم! ثم خرجت زوجة عارف وأطفالها وتعانقا بعد فراق دام ثلاث سنوات وانهمرت الدموع.. وقالت زوجة عارف بالحرف الواحد: “شكراً لله الذي أعاد لنا الأخوين ثانية”.. ثم قبلً قاسم وجنات أطفال عارف السبعة.. ليغادر الى مقره.. وقد اعترف عارف في منزله: “يعلم الجميع إن هناك اتصالاً روحياً بيني وبين أخي الأكبر الزعيم عبد الكريم قاسم يفوق الوصف وسيبقى إلى الأبد”.. ويشدٌ عارف الرحال إلى الديار المقدسة ليؤدي فريضة الحج.. بعدها ظل عارف في بيته ليس له أي نشاط سياسي علني.

دور عارف.. في انقلاب 8 شباط 1963:

ـ منذ العام 1961تشكلت لجنة سرية من الضباط البعثيين والقوميين وغيرهم من المعارضين لنظام قاسم.. يومها انضم أليها عدد من أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث.. فقد ضمت أمين عام حزب البعث الجديد علي صالح السعدي.. وطالب شبيب.. وحازم جواد.. والدكتور مسارع الراوي.. وحمدي عبد المجيد.. وكلا من الرائد الأول الركن المتقاعد عبد الستار عبد اللطيف.. والرائد أول عبد الكريم مصطفي نصرت.. والمقدم الركن صالح مهدي عماش.. الذي كان على اتصال بالقسم العسكري لهذه اللجنة.. الذي يتكون من مجموع ة من الضباط العسكريين قوميين وبعثيين.. وهم: عبد السلام عارف.. وطاهر يحيى.. وعبد الغني الراوي.. ورشيد مصلح.. والمقدم أحمد حسن البكر.. وعبد الهادي الراوي.. المقدم الركن خالد مكي الهاشمي آمر كتيبة الدبابات في أبو غريب.. والعقيد الركن عارف عبد الرزاق آمر قاعدة الحبانية.. والمقدم الركن حردان التكريتي آمر قاعدة كركوك الجوية.. والرائد الطيار منذر الونداوي.

محاولات القضاء على قاسم:

ـ وضعت خطط عديدة للتخلص من قاسم والاستيلاء على السلطة.. لكنها لم تنفذ لسبب أو آخر.. كان أكثرها دقة في الإعداد تلك التي وضعت لتنفذ في 19 كانون الثاني 1963.. بعد تحريك إضراب الطلاب في أواسط كانون الأول 1962 الذي بدأ في المتوسطة الشرقية للبنين على أثر شجار نشب بين ابن العقيد فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الشعب.. وبعض الطلاب البعثيين.. وقد تدخل الانضباط العسكري لحل النزاع.. فانتشر الإضراب الى عدد من المدارس الثانوية والمتوسطة.. وشمل كليات جامعة بغداد أيضا.. كان الغرض منه خلق جو مضطرب يساعد على القيام بانقلاب.

ـ من جانب اخر تم كشف الخطة المعدة للانقلاب إلى عبد الكريم قاسم من قبل أحد الضباط.. فأحال عدداً من الضباط للتحقيق ممن وردت أسمائهم فيها.. إلا إن الأعضاء الرئيسيين لم يكشف أمرهم لديه.. فتأجل تنفيذ الخطة إلى يوم 25 شباط خلال أيام عيد الفطر.. إلا إن ضابطاً آخر كان مع المخططين أسر إلى عبد الكريم بأسماء الباقين.. وكشف نيتهم القيام بالحركة في ذلك اليوم.. فألقي القبض على: صالح مهدي عماش.. وعلي صالح السعدي أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث يومها.. وعدد آخر من الضباط الذين ذكر أن لهم علاقة بالمؤامرة.. وأجل توقيف البعض الأخر.. لهذا قرروا تقديم موعد الانقلاب إلى يوم 8 شباط تلافيا للخطر.

تنفيذ الانقلاب:

ـ بدأ الانقلاب صباح يوم 8 شباط 1963 بقصف مستمر لوزارة الدفاع مقر الزعيم عبد الكريم قاسم بالطائرات.

ـ وفي معسكر أبو غريب الواقع إلى الغرب من بغداد سيطر الضباط القوميون والبعثيون على كتيبة الدبابات الرابعة التي كان يقودها المقدم الركن خالد مكي الهاشمي.. وتمكن الضباط المتقاعدون: طاهر يحيى.. وأحمد حسن البكر.. وعبد السلام عارف من الوصول إلى الكتيبة وانضموا إلى الضباط المتمردين.

ـ فتحرك المقدم عبد الستار عبد اللطيف وحازم جواد وطالب شبيب وعبد الستار الدوري نحو مرسلات أبو غريب القريبة من المعسكر فسيطروا عليها حيث لم يجدوا فيها قوة لحمايتها.. فأذاع البيان الأول حازم جواد عند حوالي الساعة التاسعة صباحا.

ـ وأذيع البيانات الثاني والثالث بإحالة كبار الضباط على التقاعد مع خبر مقتل عبد الكريم قاسم الذي كان حيا في داره بالعلوية.. وأذيعت بيانات تأييدا للانقلاب بأسماء آمرين موجودين في معسكرات كركوك والحبانية والديوانية دون علمهم.

ـ ثم ركب عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر وبقية الموجودين في محطة المرسلات الإذاعية في أبو غريب.. دبابة وتوجهوا بها إلى محطة الإذاعة الرئيسة في الصالحية ببغداد ففتح لهم آمر الفوج العقيد هادي خماس المسؤول عن حماية أبوابها.. وانحاز إلى الانقلابيين.. وأصبحت بعدئذ محطة الإذاعة مقرا للمجلس الوطني لقيادة (الثورة) الجديد.

ـ بعد نجاح الانقلاب أصبح عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية .

عارف.. الانقلاب على الحرس القومي:

ـ منذ اليوم الاول لتشكيل الحرس القومي.. لبس عبد السلام محمد عارف رئيس الجمهورية بدلة الحرس القومي.. ونزل الى الشارع للقيام بدور فرد من افراد الحرس القومي!!

ـ لم يمضِ تسعة أشهر حتى اتفق القادة العسكريون وعبد السلام عارف على ضرورة إزاحة الحرس القومي (الجناح العسكري لحزب البعث) في ضربة تم تنفيذها في 18 تشرين الثاني العام 1963 .

ـ كانت ضربة قاسية على الحرس القومي وعلى حزب البعث.. وقد أطلق عليها احمد حسن البكر.. الذي أصبح نائب رئيس الجمهورية.. عبارة (الحركة التصحيحية).

ـ شارك كبار الضابط البعثيون في هذه الحركة وهم: احمد حسن البكر.. وطاهر يحي التكريتي.. ورشيد مصلح التكريتي.. وحردان التكريتي.. وسعيد صليبي مع عبدالسلام عارف في الانقلاب على حزب البعث في 18 تشرين الثاني 1963.

ـ كان لابد لعبد السلام عارف أن يعفي بقية قادة الحزب وينهي نشاط حزب البعث.. حيث يذكر الكادر الناصري صبحي عبد الحميد: حين بدأ البكر بإعادة تنظيم هذا الحزب.. من خلال الاجتماعات التي كان يعقدها في القصر الجمهوري.. ثار عبد السلام عارف وطلب من البكر نقل مكتبه إلى خارج القصر الجمهوري.. فاختار البكر مبنى المجلس الوطني.. وكان عارف يراقب تحركات البكر ويتابع نشاطه.

ـ الحقيقة إن عبد السلام كان مصمماً على عدم السفر الى القاهرة لحضور مؤتمر القمة العربي الأول (الذي يعقد في 17-24 كانون الثاني العام 1964) ما لم يقدم البكر استقالته.. لأنه كان يخشى أن يشغل موقعه (نائب رئيس الجمهورية) ويقوم بحركة انقلابية ضده.. وهو في القاهرة.. وان من الأفضل له أن يستقيل.. فقدم البكر استقالته مكرهاً في كانون الثاني 1964.

موقف عارف من محاكمة قاسم:

ـ خلال الاتصال الهاتفي بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف مساء يوم الانقلاب.. اشترط قاسم ان يحاكم هو ورفاقه محاكمة عادلة.. واعطى عبد السلام موافقته وموافقة قادة الانقلاب على ذلك.. لكن لم يحاكم قاسم.. واهين وشتم.. واعتديً على المهداوي وكنعان وبقية رفاقه.

كما لم يقدم لأية محاكمة ..وقررت قيادة الانقلاب اعدامه ورفاقه رميا بالرصاص.

ـ وعندما صوت اعضاء مجلس قيادة الانقلاب (الثورة) .. صوت عارف لجانب اعدامه.

ـ ولم يعترض.. وكان بمقدوره ان يعترض.. التزاما بوعده اولاً.. وان قاسم لم يعدمه بل اطلق سراحه بعد مدة!!

محاولات عارف تقمص نزاهة قاسم:

ـ حاول عارف تقمص شخصية قاسم في موضوع نزاهته.. وابرز ما قام به:

ـ ان عارف يمتلك داراً واحدة في منطقة الأعظمية اشتراه بعد زواجه.. يسكن فيه مع أسرته.

ـ بعد أن أصبح عارف رئيساً للجمهورية تبرع بداره هذه الى الدولة على أن تكون مدرسة.. وفعلاً أصبحت مدرسة.. مثلما سبق ان تبرع عبد الكريم قاسم ببيت اسرته في الصويرة وحولها الى مدرسة للبنات!!

ـ حصل عارف على دار في منطقة زيونة ببغداد العام 1963 وزعت للضباط.

ـ خصص عارف في القصر الجمهوري صالون لحلاقة وتجميل زوجتة واسرته.. واصبحت نكته يتداولها العراقيون آنذاك!!

مصرعه:

ـ مساء 13 نيسان العام 1966 بلغ الرئيس عبد السلام عارف نهاية الطريق!! فقد سافر إلى البصرة في زيارة تفقدية إضافة إلى وضعه حجر الأساس لمشروع مصنع الورق في البصرة.. وفي الثاني عشر من نيسان وصل البصرة ووضع الحجر الأساس للمشروع وسط احتفال كبير.. ووضع له منهاجاً مكثفاً جداً وزار مدينة القرنة.. وخلال عودته.. حيث كانت هناك ثلاثة طائرات هليوكوبتر.

هناك روايتان لمصرع عبد السلام عارف ورفاقه:

الرواية الاولى:

ـ حدثني (أنا د. هادي حسن عليوي كاتب هذه الدراسة) الملازم الأول منذر سليمان عزت في صيف العام 1982 بشكل تفصيلي عن الحادث.. قائلاً: في يوم الحادث 13 نيسان.. وفي تمام الساعة السادسة والنصف عصراً كان كل واحد منا في طائرته.

ـ النقيب خالد محمد نوري في طائرة الرئيس.. وأنا ومعي بعض المرافقين.. أما زميلي عثمان نوري فكانت طائرته مكلفة بنقل عدد من الصحفيين ورجال التلفزيون.

ـ بعد أربع دقائق كنا في الجو.. تأخر عثمان قليلاً لان محرك طائرته كان قد تعطل.. لكنه طار بعدنا بأربع أو خمس دقائق.. كان المفروض أن نطير من القرنة.. حيث اقلعنا إلى البصرة.. فجأة وجدتُ نفسي بالاشتراك مع المرحوم قائد طائرة الرئيس في منطقة جيوب هوائية فظيعة.. صار مدى الرؤية بعد ذلك صفراً.. فقد ملأ الغبار والتراب الأسود الجو بشكل فظيع.. هنا اتصل بيً قائد طائرة الرئيس وطلب مني أن أمر عثمان بالعودة.. ففعلتُ وسمعتهُ بعد ذلك يطلب من مطار البصرة أن يحدد له اتجاهاً لأنه فقد الاتجاه.. سمعتُ حواراً بين ضابط المطار والمرحوم خالد.. على الفور اتصلتُ بالمطار وتحدثتُ مع ضابط المراقبة بعنف.. وقلتُ له: (ألا تريد أن تفهم.. النقيب خالد معه رئيس الجمهورية.. حددوا له اتجاها بسرعة).. وكان رد السيطرة (المراقبة) لا توجد عندنا أجهزة لتحديد الاتجاه.. ثم حدث تتداخل بين أصواتنا الثلاثة (أنا والمرحوم خالد والمطار).. ويشاء الخط أن يتداخل معنا لاسلكياً صوت طيارة أخرى كانت تطير فوق عبادان بإيران.. كان يتحدث بالانكليزية.

ـ بعدها بلحظات جاءني صوت خالد وسط حالة الرعب التي عشتها وعاشها الراكبون معي.. قال لي النقيب خالد وهو يصرخ (منذر.. عيني.. ألحقلي.. أنا في خطر.. افعل شيئاً).. في نفس اللحظة هاجمني جيب هوائي جعل طائرتي تنخفض حوالي ألف متر.. مدى الرؤية قليل جداً.. كانت المنطقة التي نطير فيها عبارة عن أهوار كلها برك ومياه.. وحاولتُ البحث عن طائرة المرحوم على الفور.

ـ فشلت كل محاولات إيجاد طائرة الرئيس.. وفي الصباح ظهر كل شيء.. لقد طارت ثماني طائرات من الشعيبة والبصرة وبغداد لتبحث عن الطائرة المفقودة.. ولقد تمكنت إحدى الطائرات بقيادة الرائد الطيار محمد إبراهيم ادهم من العثور على الطائرة المفقودة.. عثرت عليها حطاماً.. بقية الصورة لا يمكن وصفها.. بعدها لم تتمكن طائرة الرائد محمد إبراهيم ادهم من الهبوط.. لقد أعطت إشارات إلى مطار الشعيبة بأنها عثرت على الحطام.. وطار إلى هناك على الفور طيار شاب اسمه مذكور.. واستطاع الهبوط ليصاب بهستيريا أمام ما شاهده.. واخذ يردد: (ماتو سيدي.. ماتو سيدي).

الرواية الثاني:

ـ ان بعض شهود أعيان من سكان المنطقة التي سقطت بها الطائرة شهدوا بانه رغم العاصفة الرملية وعدم وضوح الرؤيا.. فان الطائرة تعرضت الى حريق قبل سقوطها.. وهناك تحقيق جرى في حطام الطائرة اثبت وجود “شكر” متبقي في خزان وقود الطائرة.

 




الكلمات المفتاحية
٨ شباط ١٩٦٣ انقلاب رئيس جمهورية عبد السلام محمد عارف هادي حسن عليوي

الانتقال السريع

النشرة البريدية