الاثنين 19 نيسان/أبريل 2021

ما خطب الولائيين ومشروع ميناء الفاو الكبير؟

الجمعة 12 شباط/فبراير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بعد جدل واخذ ورد استمر لأسابيع، قرر مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 22/12/2020 اعتماد توصية الشركة العامة لموانئ العراق ووزارة النقل بإحالة تنفيذ مشروع ميناء الفاو الكبير – المرحلة الأولى إلى شركة دايوو للهندسة والإنشاءات الكورية الجنوبية بكلفة قدرها 2,625 مليار دولار وبمدة تنفيذ 4 سنوات. وجرى توقيع العقد يوم 30/12/2020.

وتتضمن المرحلة الأولى (5) مكونات: ميناء حاويات بسعة (3) مليون حاوية سنويا، قناة ملاحية لميناء الحاويات بطول (14) كيلومتر وعمق (19,8) متر ستتضمن إزالة نحو (100) مليون متر مكعب من الرواسب والطمى، طريق بري بين ميناء الفاو الكبير وميناء أم قصر، الطريق الرئيسي لميناء الفاو الكبير ونفق غاطس بين ميناء الفاو الكبير وميناء خور الزبير. وكانت شركة دايووللهندسة والإنشاءات قد نفذت مشروع كاسر الأمواج الغربي لميناء الفاو الكبير بموجب عقد وقعته مع وزارة النقل في 25/11/2013 قيمته (690) مليون دولار وبمدة (30) شهرا، وأنجزته في نيسان 2019.

لا جدال في أن مشروع ميناء الفاو الكبير ذو أهمية استراتيجية سيجعل، عند إكماله، من العراق ممرا للتجارة الدوليةـ لاسيما بين دول جنوب شرق وجنوب آسيا، وتحديدا الصين وإندونيسيا والهند، وأوربا. وفي ذلك مكاسب اقتصادية هائلة للعراق، وتعزيز لوضعه الجيوبوليتيكي ولدوره الإقليمي في الشرق الأوسط وغرب آسيا ولعلاقاته المنفعية بدول الجوار، لاسيما سوريا وتركيا اللتين لا بد أن يمتد عبرهما الممر البري والسككي إلى أوربا الذي يبدأ من ميناء الفاو الكبير. ويتأكد هذا التوجه الإستراتيجي في أن المرحلة الأولى من مشروع ميناء الفاو الكبير تتضمن ربطا بريا بينه وبين مينائي أم قصر وخور الزبير ومع شبكة الطرق الوطنية. وأرى أن ميناء الفاو الكبير والطريق البري والسككي إلى أوربا سيكون بأهمية قناة السويس التي أحدثت، عند افتتاحها عام 1869، تغيرا استراتيجيا في النقل البحري الدولي.

بسبب الأهمية الإستراتيجية لمشروع ميناء الفاو الكبير، وتحت ضغوط الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها العراق منذ عام 2014، والتي تفاقمت عام 2020، نتيجة الطبيعة الريعية للاقتصاد الوطني واعتماده شبه الكلي على صادرات وإيرادات النفط الخام، وبعد تأخير دام لنحو 8 سنوات، أي منذ أن أكملت ائتلاف من (10) شركات استشارية إيطالية بقيادة شركة ساليني إمبريغيلوالتصاميم التفصيلية لميناء الفاو الكبير وبناه التحتية والتكميلية، واستنادا إلى توجيه من مجلس الوزراء، باشرت وزارة النقل في أيلول 2020 التفاوض مع شركة دايوو للهندسة والإنشاءات لتنفيذ المرحلة الأولى من مشروع ميناء الفاو الكبير بأسلوب التعاقد المباشر اختصارا للوقت وباعتماد الكلفة التخمينية التي قدرها ائتلاف الشركات الاستشارية الإيطالية عام 2012 بعد احتساب معدل التضخم السنوي عالميا.

لكن مع تقدم المفاوضات، دخلت الأحزاب والميليشيات الولائية على الخط لضمان “حصة” من العقد الذي يجري التفاوض عليه، ومارست ضغوطا وتهديدات على بارك إل هو، مدير مكتب شركة دايوو للهندسة والإنشاءات في العراق أدت إلى “انتحاره” أو “قتله شنقا” يوم 9/10/2020. أدى هذا الحادث أو الجريمة بشركة دايووللهندسة والإنشاءات إلى تعليق المفاوضات لغاية أواخر تشرين الأول، حيث استؤنفت المفاوضات، ولكن…

ما أن أوشك الطرفان عل التوصل إلى اتفاق أولي، حتى برزت فجأة وبدون أي مقدمات شركة CMEC الصينية لتنافس بشركة دايووللهندسة والإنشاءات على العقد. إذ فاتحت وزارة النقل – الوكيل الفني وزارة الخارجية بالكتاب المرقم 1089 في 18/11/2020 لدعوة شركة CMEC الصينية للتفاوض على العقد. لكن وزارة النقل ألغت ذلك مضمون بكتاب لاحق رقمه 1093 في 22/11/2020 موجه إلى وزارة الخارجية. وفي 14/12/2020، أعلنت وزارة النقل استبعاد شركة CMEC الصينية لأن العرض الي قدمته لا يطابق المواصفات الفنية وإن كان أقل سعرا، فإنه سيمول بكامله بقرض من الصين بفائدة تتراوح بين 2 و5 بالمئة علة فترة 15 عاما.، لكن احتساب الفوائد التي ستتحقق على الفرض سيضيف إلى كلفته ا يقارب مليار دولا. وهكذا أوصت وزارة النقل إلى مجلس الوزراء بإحالة العقد على شركة دايوو للهندسة والإنشاءات… وهذا ما حصل.

لكن ما يثير الاستغراب قرار وزارة النقل باستبعاد شركة CMECالصينية والتوصية بالإحالة على شركة دايوو للهندسة والإنشاءات أثار ردود فعل شديدة… ربع الله يتظاهرون أمام وزارة النقل احتجاجا… تحالف الفتح يعترض ويقرر مسائلة وزارة النقل… نوري المالكي يدلي بدلوه ويدعو إلى تنافس واضح وشفاف، مثلما كان يجري في عهده “الزاهر”… قيس الخزعلي يهدد ويتوعد…  مقتدى الصدر يعد بالتدخل على “طريقته الخاصة“. لماذا كل ذلك؟

أولا، ربما تعرضت وزارة النقل إلى ضغوط لاستدعاء شركة CMECالصينية للتفاوض، وربما لجأت وزارة النقل إلى هذا الإجراء باعتباره تكتيكا تفاوضيا لإرغام شركة دايوو للهندسة والإنشاءات على تخفيض مبلغ العقد. وهذا ما حصلـ إذ وافقت الأخيرة على تخفيض مبلغ العقد بـ 125 مليون دولار. فلماذا ردود الفعل والتهديدات هذه؟

الشركات الصينية معروفة بدفع عمولات أو رشى “لتيسير” التعاقدات، بأشكال مختلفة، مثل توفير الحماية أو عبر تعاقدات ثانوية محلية بسيطة، ولكن، والحق يقال، ليس على حساب النوعية والمواصفات في أغلب الأحيان. إما الشركات الكورية فتحاسب حسابا عسيرا من قبل الحكومة الكورية إن فعلت ذلك. لكن الأهم من ذلك أن شركة CMEC الصينية كانت ستلجأ، على اغلب الظن، إلى شركات مقاولات إيرانية لتنفيذ الأشغال المدنية والإنشائية، وتحديدا إزالة الرواسب والطمم. وهذه الأشغال تشكل أكثر من 60% من مبلغ العقد في حين تتولى شركة CMEC الصينية تجهيز ونصب المكائن والمعدات والمستلزمات الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية فقط. ويتأكد هذا الاستنتاج من أن CMEC، كما يستدل من اسمها (China Machinery Engineering Co.)، أي الشركة الصينية لهندسة المكائن، تعمل أساسا، كما يبين موقعها الإلكتروني، في مجال صناعة المكائن والمعدات ومنظومات توليد ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية والمنظومات الإلكترونية وليس في أعمال الهندسة المدنية والإنشائية. وهنالك أيضا التوتر الشديد في العلاقات بين إيران وكوريا الجنوبية بسبب احتجاز الأخيرة أموالا إيرانية التزاما منها بالعقوبات الأميركية على إيران. وهذا ما دفع إيران إلى احتجاز سفينة كورية جنوبية في المياه الدولية في الخليج العربي بدعوى أن السفينة لوثت مياه الخليج العربي في بهدف الضغط على حكومة كوريا الجنوبية وابتزازها.

وهكذا فإن توقيع عقد تنفيذ المرحلة الأولى من ميناء الفاو مع شركة دايوو للهندسة والإنشاءات ضيع فرصة كبرى على إيران وحلفاءها في العراق… وهذا كان سبب الاحتجاج والتهديد والوعيد وليس أي سبب آخر! والخشية، كل الخشية الآن أن تتعرض شركة دايووللهندسة والإنشاءات عند المباشرة بالتنفيذ إلى عراقيل وتهديدات وحتى محاولات تخريب لإرغامها ترك المشروع.

الله يستر…




الانتقال السريع

النشرة البريدية