السبت 06 آذار/مارس 2021

الحياة بين الواقع والخيال

الثلاثاء 19 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

حينما كنتُ أشاهد في بعض ألأحيان أفلاماُ هندية كنتُ أضحك في النهاية لأن ألأحداث تكون عجيبة غريبة من مصادفات معروفة للجميع والمخرج أو الكاتب يلعب بالحدث كما يحلو له من أجل جعل القصة مثيرة تدر دموع الناس أو تجعلهم يضحكون حتى الموت إن صح التعبير.عام 1967 كنتُ في الخامس ألابتدائي أطالعُ مادة التاريخ وأحاول أن أحفظها عن ظهر قلب . البستان القريب جداً من البيت هو المكان الوحيد الذي أذهب إليه كي أتمكن من القراءة بصوتٍ مرتفع ولا أحد يضايقني ويطلب مني أن أخفض صوتي كما يحدث هذا في البيت الريفي القريب من نهر الفرات في القرية البعيدة. كان هناك طريقاً نيسمياً ضيقا تحيط به ألأشجار الكثيفة ولا تنفذ منه حتى أشعة الشمس. هو الطريق الوحيد الذي نستطيع منه الحركة من والى المدينة الصغيرة القريبة من معسكر اللواء السادس. وبينما أنا في خضم الصراع مع المادة التاريخية المكلف بحفظها من أجل إجتياز ألامتحان بتفوق شاهدتُ من بعيد جندياً يركض نحوي وهو يحمل حذائه العسكري بيده ويسابق الريح. وقف الى جانبي يلهث من التعب وطلب مني أن أخفيه في أي مكان سري قريباً مني لأن رجال ألانضباط العسكري يطاردونه وسيصلون بعد لحظات. في البداية خفتُ منه كثيراً بَيْدَ أن إرتعاش جسده وإصفرار وجهه جعلني أتصرف بطريقة عفوية لا أعرف كيف كانت. بلا وعي طلبتُ منه أن يتبعني حيث أشرتُ إليه أن يخفي جسدهُ في حفرة كبيرة قريبة من شجرة عملاقة. توسل إلي أن لا أُخبر أي أحد لحين حلول الظلام وسيخرج ويذهب. ومن الجدير بالذكر أنه طلب مني أن أكون طبيعياً فيما لو جاء رجال ألانضباط من هذا الطريق . مضت أكثر من 10 دقائق دون أن يظهر أي شيء , وبينما أنا أستدير كعادتي حينما أصل الى نهاية المسافة المقررة للمطالعة شاهدتُ ثلاثة من رجال ألانضباط العسكري ذوي القبعات الحمراء وهم يتجهون نحوي. صرخ أحدهم ” ..هل شاهدت جندياً يمر من هنا؟” وبسرعة البرق صرخت ” ..ذهب من ذلك الطريق وهو يحمل حذائه العسكري بيده ” . ركضوا جميعاً بألأتجاه المعاكس تماماً. شعرتُ براحةٍ كبيرة وكأنني ساهمتُ بإنقاذ شخص ما على هذه ألأرض. قبل الغروب بساعة ذهبتُ إليه قبل أن أعود إلى بيتنا القريب من المكان. أخبرتهُ فيما إذا كان باستطاعتي أن أقدم له أي شيء. أخبرني بأنه جائع جداً. قلتُ له بأنني لاأستطيع أن أقدم له أي طعام عدا الخبز والتمر أو معها عنب وتين. ركضتُ نحو البيت وسرقتُ رغيف خبز دون أن أخبر والدتي ووضعته في ملابسي الداخلية وتوجهت نحو النخلة وقطفت قليلا من التمر. حينما سلمت الطعام شكرني جداً وطلب مني عدم الحديث مع أي شخص عنه. في تلك الليلة حلمتُ به وظل سؤال في ذهني لماذا يهرب من الجيش؟

عام 1989 كنتُ أرافق التلفزيون الكوري الجنوبي لأعداد برنامج عن المناطق الجميلة في كل العراق وسافرتُ معهم الى أقصى الشمال وأقصى الجنوب وكانت شركة هونداي الكورية تتحمل كل النفقات وزرنا كل المواقع التي تقوم بتنفيذها تلك الشركة. زرنا أحدى المناطق المحيطة ببغداد وكان الموضوع إجراء لقاءات مع الفلاحين والمزارع والبساتين . وأخبرنا أحد أصحاب البساتين أنه قد حضر لنا طعام الغداء وكان معي ثلاث موظفات من ألاتحاد العام لنساء العراق لتسهيل الموضوع مع العوائل. قبل الغداء جلسنا في غرفة كبيرة مؤثثة بصورة جيدة جدا. كانت أقداح الشرابت والشاي تتقاطر علينا . ورحنا نتحدث عن أشياء كثيرة تتعلق بحياة الفلاحين. بطريقة ودية سألني صاحب البيت عن القبيلة التي أنتمي إليها وأين أسكن وشرحت بطريقة مبسطة عن كل المناطق التي سكنتها منذ أن أبصرتُ النور. تحفز الرجل حينما ذكرتُ له القرية البعيدة والمعسكر القريب من تلك القرية. وبطريقة المزاح أو الضحك من جانبي ذكرت كيف أنني أنقذتُ يوماً ما جندياً كان يركض خائفاً في ذلك الزمن. صمت الرجل وشاهدت أحمرار وجهه وبريق غريب في عينيه. تماسك الرجل وراح يسألني عن بقية القصة وحينما قلتُ له بأنني لم أستطع أن أقدم له أي شيء سوى الخبز الذي سرقته دون علم والدتي وكمية التمر التي قدمتها له وكيف حلمت به في الليل . صرخ بأعلى صوته وكأن مساً من الجنون قد تلبسه ” …أم أحمد..أم أحمد…” وجاءت إمرأة بعمره تركض وهي ترتعش ” ..ماذا تريد؟ ياستار..لماذا تصرخ ؟” وقف الى جانبها وهو يرتعش ويصرخ ” ..هذا هو الطفل الذي أنقذ حياتي في ذلك الزمن…. هل تصدقين هذا؟ كم حكيتُ لك تلك الحكاية ؟ عشرات المرات ” . قفز نحوي يحضنني وهو يبكي ويقول ” ..كم كنتُ خائفاً ذلك اليوم..لقد ضربتُ ضابطاً بشدة لأنه مس كرامتي وذكر والدي بسوء وفقدت السيطرة على أعصابي. .لو أنهم مسكوني ذلك اليوم لوصلتُ الى حبل المشنقة..منذ ذلك التاريخ وأنا هاربٌ من الجيش ” . جلس بقربي يمسك يدي ويطلب مني أي شيء..سيارة… أو بنت من بناته أو أي شيء. كنتُ أرتعش أكثر منه. كانت مديرة الفريق تحاول أن تعرف ماذا كان يدور. أخبرتها بشكل مؤجز عن تلك الحكاية. سكتت وطلبت منه أن يحكيها أمام الكامرة لكنه رفض بشدة وأخذ منهم جميعاً عهداً أن لايذكروها خوفاً من شيء مجهول.ظل يلازمني طيلة ذلك اليوم أو تلك الساعات يقبلني بين الحين وألأخر ويقول لي كم أنت شريف..يجب أن أعوضك لدي مال كثير. طلبتُ منه أن ينسى الموضوع وسأكتبُ عنه يوماً ما..وها أنا أنفذ وعدي.




الكلمات المفتاحية
الحياة الواقع والخيال ثامر مراد

الانتقال السريع

النشرة البريدية