الأربعاء 21 نيسان/أبريل 2021

هل نحن ازاء قنبلة نووية ايرانية توشك على طرق الابواب ؟! ج ٢

الأحد 10 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

اعلنت منظمة الطاقة الذرية الايرانية قبل بضعة ايام انه بات باستطاعة ايران الان تخصيب اليورانيوم بنسبة ٦٠٪؜ . هذا الاعلان يشكل واحدة من الخطوات الاخيرة في سلسلة خطوات طويلة منذ ان بدأت ايران باستخلاص واستيراد خامات اليورانيوم وانتاج مايعرف بالكعكة الصفراء ، ثم الشروع في عمليات التخصيب باستخدام اجهزة الطرد المركزي بشكل علني وسري ، وفق الظروف الدولية ونوعية الضغوط التي تتعرض لها .

يعتقد بعض المراقبين الغربيين ان ايران تستخدم قضية التخصيب كورقة للضغط والمناورة من اجل تحسين موقفها التفاوضي حول برنامجها النووي ، لكن دراسة مفصلة لتاريخ برنامج التخصيب تظهر قصة مغايرة مفادها ان ايران تراكم من خلال هذه ” المناورة والضغط ” كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب المستخلص من خامات اليورانيوم ، اضافة الى مراكمة خبرات تقنية كبيرة وتطوير مستمر للمعدات الفنية بما يجعلها اكثر كفاءة وسرعة في عمليات التخصيب بما يقلص الفترة اللازمة لتجاوز العتبة النووية ، كما ان هذه العمليات تجعل من عمليات الاخفاء وزيادة الرصيد المُخبأ من هذه المادة عندما يتم التوصل الى اتفاقات مع المجتمع الدولي امراً اكثر سهولة ، ويجعل من عمليات التخلص من جميع الكميات المخصبة عن طريق تصديرها الى خارج ايران امراً متعذراً من نواحي عملية وفنية عندما يتم التوصل الى اتفاقات بشأن ذلك على غرار ماتم في اتفاق عام ٢٠١٥ ، حيث ظلت كمية من اليورانيوم المخصب بدرجات منخفضة ومتوسطة في ايران لفترة طويلة قبل ان يتم نقلها الى روسيا .

تمثل قضية التخصيب النووي القضية الاولى من حيث الاهمية في موضوع تقدير المدة اللازمة امام اي بلد يمتلك قدرات تخصيب لعبور العتبة النووية ، ومن المهم جداً متابعتها بالتفصيل للوقوف على حقيقة الموقف بالنسبة لبرنامج ايران النووي وطبيعة اهدافه .

تحتوي خامات اليورانيوم نظائر مشعة متنوعة ذات خصائص متنوعة ومتقاربة في ذات الوقت، ويشكل اليورانيوم ٢٣٥ ( U 235 ) الصالح للاستخدام في المفاعلات كوقود نووي او لانتاج الاسلحة الذرية ٠٫٧٪؜ فقط منها ، وتسمى عملية التخلص من نظائر هذا النوع من اليورانيوم وخاصة يورانيوم ٢٣٨ ( U 238 ) بالتخصيب . يتم التخصيب ، لفصل النظائر عن بعضها ، من خلال تحويل الخامات الى غاز ، ثم تبدأ عملية الفصل بواسطة اجهزة خاصة تسمى اجهزة الطرد المركزي .

اجهزة الطرد المركزي عبارة عن اسطوانات تدور بسرعة فائقة ، وخلال عملية الدوران يتجمع اليورانيوم ٢٣٨ بحكم وزنه الاعلى عند جدران الاسطوانة فيما يتجه اليورانيوم ٢٣٥ الاخف الى التجمع حول محور الدوران في مركز الاسطوانة . وبسبب الفارق الطفيف في الوزن الذري للمادتين فان غلٌة كل خطوة من التخصيب تكون قليلة جداً ، ولذلك يتعين استخدام الالاف من هذه الاسطوانات الدوارة تعمل بشكل متسلسل بحيث تزيل كل اسطوانة قدراً صغيراً من النظائر غير المرغوبة اضافة لما قامت به سابقتها ، حتى يتم الوصول الى درجة التخصيب المطلوبة ، ولكن العملية تصبح اكثر غلة كلما زادت درجة التخصيب . اي ان مايلزم لانتاج كمية معينة من اليورانيوم ٢٣٥ مستخلصاً من الخامات الاولية هو اضعاف مايلزم لاستخلاص هذا اليورانيوم من خامات تم تخصيبها اصلاً بدرجة ٤٪؜ ، وهكذا تزداد الغلة ويقل الوقت اللازم كلما ارتفعت نسبة التخصيب .

يعود تاريخ التخصيب في ايران الى وقت مبكر من السبعينات في القرن الماضي ، لكن البداية الجدية تعود الى منتصف الثمانينات ، حيث تشير معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى مساعٍ جدية اخذ يبديها العلماء الايرانيون من خلال سعيهم لجمع المعلومات الفنية حول اجهزة الطرد المركزي منذ عام ١٩٨٧ ، وقد تمكنوا في ذلك العام من الحصول على تصاميم اجهزة من نوع ( P – 1 ) مع شحنة من اجزائها عن طريق شبكة عبدالقادر خان الپاكستانية . لقد كانت التصاميم والاجزاء المجهزة عن طريق شبكة عبدالقادر خان غير كفوءة وذات مردود متدن بسبب قدم تقنيتها ، لذلك قامت ايران بمحاولات حثيثة لانتاج اجهزتها الخاصة معتبرة ماقدمته شبكة خان اساساً للبناء عليه ؛ وفي نهاية الامر تمكن الفنيون الايرانيون من استنساخ نموذج اكثر كفاءة من هذه الاجهزة حملت الرمز IR – 1 ، وتم في عام ٢٠٠٢ تشغيل تسعة عشر جهازاً من الطراز المذكور وبدات عمليات تخصيب تجريبية على خامات تم الحصول عليها من الصين في وقت مبكر من التسعينات ؛ لقد جرى ذلك ومنذ بواكيره بعيداً عن الوكالة الدولية، رغم ان ايران طرف في اتفاقية حظر الانتشار النووي ، وهو مايرتب لها الحق في حيازة برنامج تخصيب ، اضافة الى مايرتبه ذلك على المنظمة وبقية الدول الاطراف من التزام بتقديم المساعدة والمشورة الفنية بهذا الشأن ، لكنه من الواضح ان ايران سلكت طرقاً اخر بعيداً عن الاضواء لحيازة برنامج للتخصيب يفوق احتياجات برنامجها النووي بمسافات طويلة ، كما ان ايران لاتمتلك غير احتياطات وطنية متواضعة من خامات اليورانيوم ، وقد قامت بتأمين كميات ضخمة من تلك الخامات عن طريق الاستيراد ومن خلال طرق ملتوية وغير معلنة وبعيدة عن علم الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهو امر من شأنه اثارة علامات استفهام كثيرة حول حقيقة نواياها في المجال النووي .

منذ عام ٢٠٠٢ شرعت ايران بالتوسع في عمليات التخصيب بشكل غير مسبوق في اي تجربة نووية في اي بلد اخر في العالم ، وكانت بذلك تقوم بخرق جسيم لاتفاقية الضمانات الموقعة بينها وبين الوكالة الدولية للطاقة الذرية .

في عام ٢٠٠١ بدات ايران ، وبشكل سري ، بتشييد منشأة تخصيب كبيرة في ” ناتانز ” على مبعدة ٢٥٠ كم جنوبي طهران ؛ تنقسم هذه المنشاة الى قطاعين رئيسيين ، يدعى الاول بمشروع تخصيب الوقود النووي ( FEP ) ، ويدعى الثاني بالقسم الارشادي لتخصيب الوقود النووي ( PEEP ) . كان القسم الارشادي كان الاول من حيث تاريخ التشييد وقد تم الكشف عنه من قبل المعارضة الايرانية ، فيما قامت السلطات الايرانية بالاعتراف للمدير العام الاسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي عام ٢٠٠٣ بالمعلومات ، وابلغته ايضاً عن القسم الاخر في المنشأة عام ، مدعية انه مشروع للانتاج التجاري للوقود النووي ؛ وبموجب البلاغ المقدم للبرادعي فان القسم التجاري يتكون من فرعين هما ( A&B ) ، وفي الوقت الذي لم تكن هنالك معلومات عن القسم B ، فان ماتيسر من معلومات عن القسم A تفيد بانه يضم ١٨ وحدة للتخصيب ، وتضم كل وحدة ١٦٤ الى ١٧٤ جهاز طرد مركزي . وفقًا للمعلومات المتيسرة انذاك فقد كانت هنالك ثمان وحدات في هذا القسم ، ثلاث منها تقوم بالتخصيب بنسبة ٥٪؜ ، وثلاث لاغراض تجربة واختبار عمل وحدات التخصيب واثنتان لم تكن قد دخلت طور التشغيل .

بالنسبة للقسم B ، والذي كان الاول من حيث التشييد فقد تم تخصيصه لاغراض التخصيب بنسبة ٢٠٪؜ ، اضافة الى اختبار وتجربة اجهزة الطرد المركزي قبل دخولها للانتاج الفعلي .

في عام ٢٠٠٩ قامت ايران بالكشف عن منشأة اخرى للتخصيب في فوردو جنوبي غرب طهران ، وهي اصغر حجما من ناتانز حيث تضم ٣٠٠٠ جهاز طرد مركزي مقسمة على وحدتين تضمان ثمانية اقسام ويضم كل قسم ١٨٦ جهاز طرد مركزي . لقد شكلت هذه المنشأة مصدر قلق كبير لدى الاوساط الدولية المعنية بسبب المراوغة التي سلكتها ايران في كشف المعلومات التصميمية الخاصة بها .

لقد تم تحصين اجزاء رئيسية من المنشأتين المذكورتين بشكل يجعلهما اهدافاً صعبة على اي هجوم جوي ، كما ظلت كميات اليورانيوم المخصب من مختلف المستويات مجهولة الى حد كبير حتى وقت توقيع الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥ ، ومع ذلك فان عدم تكامل المعلومات حول انتاج هاتين المنشأتين جعل العديد من المراقبين يعتقدون ان ايران تمكنت من اخفاء كميات غير معروفة من هذه المادة .

تقوم ايران بتطوير مستمر لاجهزة الطرد المركزي ، وخلال الفترة المنقضية بين مغادرة ترامپ للاتفاق النووي واللحظة الراهنة قامت ايران بتجربة واختبار واستخدام اكثر من جيل متقدم من الاجهزة المذكورة ، ورغم ان خبراء ومفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يؤكدون ان ايران تواجه صعوبات ومشاكل فنية مع تلك الاجيال الجديدة ، ولكن ذلك امر طبيعي ومن خلاله تقوم ايران بمراكمة خبرات وتدريب كوادر جديدة وفي النهاية تفلح في تطوير تقنياتها الوطنية الخاصة في هذا المجال ، والتي تهدف الى تسريع غلة عمليات التخصيب واختصار الزمن اللازم لتجاوز العتبة النووية .

اذن مالذي تعنيه الارقام والمعلومات التي اوردنا قسماً منها انفاً ، وتعذر تقديمها كاملة بسبب طبيعتها الفنية الخالصة التي تخرج عن دائرة اهتمام القارئ ؟ يمكن من خلال هذه الارقام قياس المدة اللازمة لانتاج سلاح نووي من قبل اي دولة استناداً الى عدد وحدات الفصل ( وهي عدد من اجهزة الطرد المركزي تعمل بشكل متسلسل متكامل وتسمى وحدات الفصل SWUs ) .

لانتاج كمية من اليورانيوم ٢٣٥ عالي التخصيب ( ٩٠٪؜ ) تكفي لصنع سلاح نووي نحتاج الى ٥٠٠٠ وحدة فصل ، وعند توقيع الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥ كانت ايران تمتلك مايزيد عن عشرين الف جهاز طرد مركزي معظمها من طراز IR -1 موزعة على منشأتي ناتانز وفورد ، وبامكان اقل من نصف هذه الاجهزة انتاج مايكفي لصناعة سلاح نووي لفترة تتراوح بين ٦ – ٧ اشهر اذا تم ضخ خامات يورانيوم لم تجر عليها عمليات تخصيب سابقاً ، اما اذا استخدم اليورانيوم المخصب بنسبة ٣٫٥ ٪؜ فان المدة قد تقل الى ٣ اشهر ، اما اذا تم تشغيل جميع اجهزة الطرد المركزي فان المدة تتقلص الى بضعة اسابيع . اما الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥ فقد سمح لايران بابقاء ٦٥٠٠ جهاز طرد مركزي قيد العمل ، وسمح لها كذلك بابقاء حوالى ٣٥٠ كغم من اليورانيوم منخفض التخصيب ( حوالى ٣٫٥ ٪؜ ) ، وهذه التوليفة تجعل من ايران قادرة على انتاج شحنة مخصبة تصلح لصناعة سلاح ذري واحد على الاقل في فترة سنة تقريباً ، وقد تم اعتبارها من قبل الخبراء الامريكان فترة انذار كافية كي تلفت انتباه المراقبين والمجتمع الدولي بما يؤمن امكانية معالجة الموقف خلال وقت مناسب .

يؤمن الاتفاق النووي امكانية الكشف عن اي تجاوزات خلال مدة لاتتجاوز ثلاثة الى اربعة اشهر من خلال نظام الرقابة والتحقق وتحليل العينات البيئية ، وبذلك يتم ضمان وجود فترة زمنية كافية لكشف المخالفات واتخاذ الاجراءات الا ان المشكلة تبقى فيما يعرف بين خبراء الانتشار النووي بالتسلل والذي تتيحه الاجراءات الروتينية والپيروقراطيا داخل الاجهزة المكلفة بالرقابة ، فمنذ توقيع الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ وحتى خروج ترامپ منه عام ٢٠١٧ تكرر رصد مخالفات بشأن كميات اليورانيوم المخصب المسموح ببقائها داخل ايران بموجب الاتفاق ، كما تبقى قضية منشآت التخصيب السرية قائمة كاحتمال جدي ، خاصة مع التاريخ الطويل لايران في هذا الموضوع .

وفي خلاصة اجمالية ، فإن تاريخ برنامج التخصيب الايراني وماتخلله من عمليات اخفاء وتمويه ، واتجاه لرفع معدلات التخصيب وزيادة كميات الخامات المخصبة بما يتجاوز احتياجات برنامج سلمي ، وعدم وجود مخزونات طبيعية كبيرة من خامات اليورانيوم تبرر الزعم الايراني بالاهداف التجارية لبرنامج التخصيب بسبب الكلفة العالية للخامات المستوردة ، فانه يصبح من المؤكد ان لايران نوايا تخرج عن الطبيعة السلمية لاي برنامج نووي ؛ وهنا تطرح الابعاد السياسية والاستراتيجية نفسها كي تلقي الضوء عما اذا كان هنالك مكان للسلاح النووي في العقيدة العسكرية الايرانية في ظل نظام الجمهورية الثورية المصدرة للثورة ، وهو موضوع البحث في بقية اجزاء المقال القادمة !!




الكلمات المفتاحية
طرق الابواب فائز السعدون قنبلة نووية ايرانية توشك

الانتقال السريع

النشرة البريدية